الفكر العربي .. والممكن – ج1


 

الواقع العربي المعاصر ليس بحاجة لحركات تذكره بضرورة نسيان الماضي والتراث للعيش في الحاضر والعمل على بناء المستقبل، لأنها تريد الإنسلاخ من جلدها وارتداء ثوب غير مخصص لها. كما انه ليس بحاجة أيضا لحركات منغلقة تجعل كل كوارث ومصائب الأمة على عاتق الغرب، فانكفأت بطريقة غير مبررة عقلياً ومنطقيا إلى الماضي، للبحث عن الحلول الجاهزة.

كل الحركات الإيديولوجية في العالم العربي قامت على ردود الفعل أكثر مما هي حركات فاعلة وذات رؤية شمولية للمجتمع والواقع العربي المعاصر، لأن المشكلة تتمثل في كيفية تحديد مستقبلنا بشكل يتسق مع منطق حاضرنا وماضينا وإيجاد ذاك الخيط الرفيع الذي يجمع بينهما. فالحاضر المزري ليس بحاجة لمن يذكره بضرورة الانفتاح على الحضارات الأخرى والتفاعل معها أو الحنين إلى الماضي.

فالمشكلة في رأيي لم تعد تصاغ بعبارات هل نتفاعل أم لا، المشكلة الحقيقية –وهي صلب الحقيقة- تكمن في شروط هذا التفاعل وتكمن أيضا في منطلقاته الفكرية ومدى تحكمنا بهذه الشروط، وأخيرا في مدى اتفاقنا حول تلك المنطلقات.

فمن طبيعة الفهم الإنساني ولمصلحته أيضا، أن يقيم تمييزا حقيقيا بين واقع الأشياء وإمكانها، وأن فكرة الإمكان لا توجد إلا في عالم الإنسان العاقل والواعي بواقعه، فهي غير موجودة في عالم الغرائز والحواس وردود الأفعال. فالممكن مرافق للإنسان الذي يستعمل حواسه وغرائزه من جهة وخياله وعقله من جهة أخرى، وأحيانا يدفعه عقله إلى حيث المطلق.

لكن فكرة الممكن هذه لا تتحقق إلا انطلاقا مما تقدمه التجربة، حيث أعلى واجبات المعرفة هي الحقائق المحصل عليها واقعيا، ولا شيء غير الحقائق. والنظرية التي لا تؤسس على الحقائق التي تثبتها التجربة إنما هي سحابة عائمة في الفضاء. إن حقائق العلم تشمل دائما عنصرا نظريا، بل إن كثيرا من الحقائق العلمية المهمة والتي غيرت أحيانا مجرى التاريخ، إنما كانت حقائق افتراضية، قبل أن تصبح حقائق واقعية ملموسة. كما أن الفرضية وهي عنصر مهم في مناهج العلوم هي احتمال ممكن، وتفسير مؤقت، يقدمه الباحث، ويضعه على محك التجربة. فالتجربة إذن هي قبول أو رفض إمكانية معينة من التفسير.

فحضور الممكن ضروري لتقدم المعرفة الإنسانية، والبحث في تحقيق شروط العقل العلمي، والبحث في ما وراء الواقع. وما يميز الفكر النظري، وهذا ما امتاز به كبار المفكرون والعلماء والمصلحون أنهم لم يكونوا يفكرون من خلال الواقع فحسب بل وسعوا حدود الواقع واستعلوا عليه، واستشرفوا بشفافية عبقرية معالم الممكن.

هؤلاء المفكرون يتمتعون إلى جانب قدرات عقلية وأخلاقية بخيال واسع ذا طاقة تخيلية باهرة، وكل النظريات الأخلاقية التي صنعت مجد الإنسانية تخيلها واضعوها بنفس الطريقة والأسلوب. فهم لم يتعاملوا مع الواقع على أنه واقع، بل تعاملوا معه كما يجب أن يكون، أو بصيغة أخرى كما يمكن أن يكون.

وفكرة التعالي عن العالم المعطى أي عن الواقع.. واستشراف آفاق الممكن أثبتت قوتها ونجاعتها وأهميتها في تطور الإنسانية على مدى العصور. وفي التاريخ المعاصر نجد مثلا أن كارل ماركس و أنجلز في البيان الشيوعي أو رأس المال لماركس، وسواه من الأعمال الفكرية، إنما كتب وبشر بمجتمع لم يكن واقعاً، بل على العكس تماماً كان نقيضاً للمجتمع الذي عاشا فيه.

لا تعليقات

اترك رد