المضمر والمعلن


 

المضمر والمعلن “سوسيولوجيا ” في رقص الناي “
قراءة نقدية في مجموعة (رقص الناي) للشاعرة الأردنية ميسون طه النوباني

غالبا ما ينقلُك الأدب الرفيع إلى جملة من الرؤى والأفكار التي تمنح أفقَ المتلقى اتساعا ورحابة هي رحابة الفكر الذي كُتب فيه ذلكَ النص الشعري أو النثري .

وقد تختلفُ الرؤى والأفكارُ والمثاباتُ التي تنقلُك إليها القصيدة أو الأثر الإبداعي من مبدعٍ لآخر ..فمنها ما يعيدُكَ إلى الينابيعِ الأولى التي نَهِل منها الشاعر وإلى مرجعياته الثقافية ِ ومنها ما يأخذُك إلى تناصاتِ الشاعرِ مع شعراءَ آخرين ومنها ما يجعلُك تغورُ عميقاً في النص بحثا عن لآليء المعنى المتشكل من خلال ِ الصور الشعرية وفرادتِها وأصالتها وقوة الإبتكار والتجديد .

ومنها ما ينقلُك إلى مسارٍ أبعد من هذا وذاك .. إلى سرِّ وجودِ الشعر وفلسفته ووظيفته التي أختلفَ فيها المفكرون من إفلاطون الذي أبَى على الشعراء أن يدخلوا جمهوريته الفاضلة لنظرته الصوفية الغائية ، إلى أرسطو الذي يرى في الفن محاكاة لا بما هو واقع وإنما بما يمكن أنْ يكون وهو القائل : ((إن عمل الشاعر ليس رواية ما وقع ، بل ما يجوز وقوعه، وما هو ممكنٌ على مقتضى الرجحانِ أو الضرورةِ فإن المؤرخَ والشاعرَ لا يختلفان بأن ما يرويانهِ منظومٌ أو منثورٌ، (……) بل هما يختلفان بأن أحدَهُما

يروي ما وقع على حين أنَّ الآخرَ يروي ما يجوز وقوعهُ، ومن هنا كان الشعرُ أقربَ إلى الفلسفةِ ، وأسمى مرتبةً من التاريخ ، لأن الشعرَ أمْيَلُ إلى قولِ الكلياتِ على حين أنَّ التاريخَ أمْيَلُ إلى قولِ الجزئيات)) (1)

وفي ثقافتنا العربية أختلفت وظيفةُ الشعرِ من زمان إلى آخر ، وبحسبِ المقاييسِ المعرفيةِ التي طغتْ على ثقافة ِالمجتمعِ العربي في هذه الفترة أو تلك .

فولادةُ شاعر في القبيلة ِخلالَ عصر ما قبل الأسلامِ كان يعني كثيراً بالنسبة للقبيلة فهو (نبيُّ قبيلتِه وزعيمُها في السّلم ِوبطلُها في الحربِ) (2) و ناطقها الرسمي وسجل حوادثِها فيما تغيرت وظيفةُ الشعرِ والشاعر في عصر الرسالة الإسلامية واتخذتْ طابعاً قبلياً دينياً انفتحت بعد ذلك إبان العصر الأموي لتأخذَ طابعَها السياسي حيثُ كانَ للسلطةِ الحاكمة ِشاعرُها الذي يتحدثُ بلسانها، ويدافعُ عن أفعالِها وهو(الأخطل) فيما برز (الكميت) شاعراً للهاشميين، و(الطرماح) شاعراً للخوارج… ولكلِّ شاعرٍ رؤيته فيما يؤمنُ ويلتزمُ لكنهم اشتركوا معا في الوظيفةِ السياسيةِ للشعر … واستمر هذا النمط حتى خلال العصرِ العباسي وبرز شعراءُ كبار زهت بهم عاصمةُ الخلافة ِالعباسية ِ بغداد.

وعلى الرغَّمِ من أنَّ الشعرَ هو بحثٌ دائبٌ عن الجمال إلا أنَّ وظيفتَه الجماليةَ لا تتعارض مع وظيفتهِ الاجتماعية ودوره ِ”السوسيولوجي” مثلما هو المعبرُ عن التجاربِ الإنسانيةِ بصدقٍ ، وهذا ما أكده الدكتور محمد النويهي حينما قال :

( إذا كانَ الفنُ هو المعبرُ الأكبرُ عن تجاربِ الحياةِ الإنسانية ِ والأداة ُ العظمى لنقلِ هذه التجاربِ وتخليدِها، فمنَ الواضحِ أنَّهُ لن تكونَ لهُ هذه ِ القيمة إلا إذا كان تعبيرهُ هذا تعبيراً صادقاً ) (3)

ومن هنا فأنا أرى أنَّ مجموعة َالشاعرة ميسون طه النوباني (رَقص الناي )(4) قد عبرت عن تجربتِها الإنسانيةِ وأهتمتْ بالوظيفة ِ الاجتماعية للشعر مع توافرِها على الصدقِ في التعبيرِ وابتكارِ القيمِ الجماليةِ بصورِها الشعريةِ المبتكرة .. وهذا ما سنحاول قراءَته من خلال ِ قصائدِها الأربع والأربعين المنتظمة في ديوانها أعلاه والصادر عن وزارة الثقافة الأردنية عام 2016 والتي تنوعت بين قصائد العمود والتفعيلة .

رقصة الناي بين تشظي المعنى وسرِّ الوجع

بعد أنْ ندخلَ مروراً بعتبةِ النَّصّ وأقصد العنوان والذي .يشكل ((نظاما إشارياً ومعــــــــرفياً لا يقلُّ أهميةً عن المتن الذي يحيطُ به ، بل إنّهُ يلعب دوراً هـــــــاما في نوعـــــــية القراءة و توجـــيهها) (4) .

والعنوان هو نص موازٍ عند جيرار جنيت وهو ( ما يَصنع فيه النَّصُّ من نفسه كتابا مفتوحا ويقترح ذاتَهُ بهذه الصفة على قرائه وعلى الجمهور عموما،أي ما يحيط بالكتاب من سياج ٍأولي وعتباتٍ بصريةٍ ولغوية .)

ومن هنا فإنَّ الدخولَ يقتضي علينا أنْ نعي: إنَّ كلمة الرَقص التي أرادتها الشاعرة في المجموعة لا تعني حرفيا هذه الكلمة بقدر ما تنزاح الى معانٍ أخرى أرادت أن توصلَها لنا بلغة شعرية مضمرة تقترب من الألم بصيغةِ التلوي أكثرَ من صيغةِ الفرح ومما يدلُّ على ذلك ، المفردةُ الأخرى التي اختارتها لتكون َمصدر الصوت ألا وهي الناي ..

ومعروف عن الناي صوتهُ الحزين الشجي مما يشكلُ مع كلمةِ الرَقصِ ثنائياً يفسرُ أحدهمُها معنى الآخر ويمنحُهُ قوةً في التعبيرِ

وصولاً الى الفكرةِ التي تعكسُ مشهداً تعبيريا راقصا يكتنزُ الكثيرَ من معاني الألمِ بعيداَ عن مفهومِ الرَقصِ الإيقاعي المعروف.

ولو أوغلنا في تأويلِ مفردة ( الناي ) لعرّجنا على معناها المجاورِ وهو (النأي – البعد) ..والبعدُ يعني فيما يعنيه أحياناً الفقدان ..فهل أرادت الشاعرة النوباني أن تضمر المَعْنَيين في معنى واحد بوصفها امرأة عربية تعيش ضمن مجتمعٍ عربي محافظ نأى بالكثيرِ من الحقوقِ عن متناولِ المرأة ِوأحاطها بشبكة ٍمن المفاهيم التي تنالُ من حريةِ المرأة وهو ما اختزلته الشاعرة في قصيدتها التي حملت نفس عنوان الديوان ( رَقصُ الناي ) .

(( سهلٌ أن تنفخَ في الناي
فأُبحر في حزني باسمةً
لكنَّ الرَقصَ على أنغام الناي هو الصعبْ )) (5)

من السهل أن ينفخَ المهيمنُ، وهو الرَّجلُ، في ناي إرادتهِ ولكن من الصعب أن تستمرَ المرأةُ في الخنوعِ والتلقي السَلبي وهذا منتهى الوعي بالوجودِ وكينونةِ الإنسان بوصفهِ الفاعلَ والخلاقَ في مجتمعهِ.

العصفورُ المحلق معادل الحرية المفقودة

مما لا شك فيه ” إن لغةَ الشعرِ لغةٌ دلاليةٌ، فكلُّ لفظة تؤدي مدلولاً خاصّاً بها، ثمّ تجتمعُ كلُّ تلكَ الدلالات لتكوّنَ النَّسيجَ الخاصَّ بذلك النَّصّ “.(6)

للعصفورِ دلالاتٌ واضحة، فهو رمزُ الحريةِ والتحليقِ وهو رمزُ الحبِ ومن هنا كان العصفورُ يحلقُ ويرفرفُ بجناحيه في أكثرَ من قصيدةٍ من قصائدِ الديوان ليكون َالرمز الأكثر استخداما وقد عقدت الشاعرةُ معهُ الكثيرَ من الحواراتِ بدءاً بقصيدة ِ جناحي عصفور:

((بين العصفورِ وبيني قصّةْ
ألقيتُ جناحيه ِعلى ظهري
فتثاقلتُ إلى الأرضِ
وفي حلقي غُصّةْ! )) (7)

هنا التضمينُ واضحٌ فما تحملهُ من حزنٍ لم يُفلِح معه جناحا العصفور في أن تحلقَ متخففةً مما ينوءُ بها الى الأرضِ .

ويعودُ العصفورُ ثانيةً بشكلهِ الحلُمي الجميل في قصيدة (صوت المدى ) التي تعكس توقاً غريزياً وحنيناً متأصلاً في الشاعرة ِنحو الحريةِ :

(( للمـــدى صوتٌ حـــزينْ يشتكي في كل حيــنْ وعصافـــــــيرُ تغنــــي شابَـــهَ الصوتُ الأنيــنْ إنما صـــوتُ الكــــناري من صدى روحي حنينْ )) (8)

ويعود رمز العصفور ثانيةً في قصيدة ( وأنا عطشى )الذي تتماهي فيه الصورة الشعرية بين مَنْ تخاطبه ُ وبين العصفور الذي فقد

صوتَهُ لأنَّ فمَه ُ أُغلق بقبضةِ قشّ ..إشارة الى السّكوتِ في مقابل ما يجب ُ أن يُقال ، وهنا امتدَّ الصمتُ القسري ليشمل الرَّجل أيضا :

(( كان لعينيكَ شرودُ النهرِ الجارفِ
يهربُ بالماء سريعا
وأنا عطشى
كنتَ كعصفورٍ
كادَ يزقزقُ
لولا أن حملَت شفتاهُ القشَّ))(9)

هذه صرخةُ إدانة واضحة للرَّجلِ الذي سُلبت أرادتهُ في الوقوفِ مع المرأةِ ، والمتنصلِ كالنهرِ الجارفِ عن مسؤوليتهِ في مؤازرتِها في صحراء ِ عطشها معبرة عنه ببناءٍ شعري متقن يتدرجُ في بناءِ الصورة ِ وصولا الى الجملةِ الشعريةِ الأخيرةِ التي منحتْ النَّصَّ قوة ً في المعنى والتأويل .

ويعودُ العصفورُ ليُطلّ عليها مرة ً أخرى من شُبّاكِ حلمِها في قصيدة أنتَ الجرح ُ، لكنَّهُ مجروح بأشواكِها هذه المرة وتعود لتتوحدَ به فتقول :

(( كعصفورٍ تطلُّ علــي
يَ مجروحا بأشواكي
ألا يا صاحبي فاهدأ
وقل للريحِ حيّـــــاكِ
فأنتَ الجرح ُ في صدري
وأنت النائحُ الشاكي! )) (10)

وتعبيراً عن الإقصاءِ الذي تُعامل به المرأة فهي حتى لو أتيح لها أنْ تتنفسَ هواءَ الحرية ِ فإنَّها ستعودُ في لا وعيها الى قضبانِها متخبطة بجدرانِ القهرِ الاجتماعي التي أحاطتها منذ الولادة .

(( كالعصفورِ إذا أطلقه الحارسُ لا يعرفُ بيتا غير القضبانْ يضربُ سقفَ الغرفةِ بالريش الناعمِ ويخبئُ تحت الجلد سماءً وفضاءً رحبا وأصابعَ إنسانْ )) (11)

وهي تختتم قصائد الديوان بنص قصير يحلّق فيه العصفور :

(( أنتَ على قدرِ جنوني
توقفُ نهرا كي يشربَ عصفور
وتواري خلف البسمةِ
روحا عطشى! ))(12)

لقد بات جليا أنَّ الشاعرة النوباني وإن كانت لاتنقل لنا بالضرورة تجربتها الشخصية … لكنَّها عمدت الى توظيف العصفور رمزاً من رموزها الشعرية بوصفه معادلاً موضوعياً للحريةِ التي يَحلُم بها الإنسان ورغبة في التحليق الى آفاقٍ أرحب في الحياة ولاسّيما وهي الشاعرةُ الرائيةُ التي ترى ما يليقُ ببناتِ جنسها في بعضِ المجتمعاتِ العربيةِ التقليدية ِالتي باتتْ تحسِب على المرأةِ أنفاسَها ..فهي مرةً تستعيرُ جناحي العصفور لتنهض من عبءِ التقاليدِ،

وثانيةً ترى في شدوهِ أنين روحِها ، وثالثة ً تَرْثي الرَّجلَ الذي فقدَ حريتَهُ .

رموز موازية لإدانة المسكوت عنه

لقد عمدت الشاعرة إلى إدانة المسكوت عنه بطريقةٍ ذكية وبلغة يرتقي فيها الرمزُ بدلاً من المباشرةِ ، والتلميحُ بدلاً من التصريح وبصور شعرية بالغة الجمال والقوة والتأثير …وبإشاراتٍ ذكية على المتلقي استكمالَها وهذه هي وظيفة الشاعر الجمالية في معالجة القضايا الإنسانية ، فهو ليس صحفيا ولا ومؤرخا ولا باحثا اجتماعيا بل هو الرائي الذي يستبق كلَّ هؤلاء ليشير بوهج روحه الى ضوء نجمة ولدت توا في مجرة الحياة ليمسك الآخرون بخيوط نورها :

(( حين تفكُّ رموزُ الصمت وتغيِّرُ هندسةَ الكلماتْ تسمعُ صرخةَ طفلٍ في صدر عجوز وغناءَ امرأةٍ خرساءْ تسمع صوتَ الناي بلا حزن تحيي ما قد ماتْ )) (13)

هنا تتجلى قمةُ الجمالِ في التعبير عن فلسفةِ الشاعرةِ ورؤيتِها التي أشرنا إليها، ذلك حينما نكسرُ القيودَ التي تكبل الإنسان و (نغيِّر هندسة الكلمات ) تنطلق عصافير الحلم لتمنح العجوز طفولتها الضائعة والمرأة الصامتة صرختها فيجيء صوت الناي فرِحا بلا حزن .

وهي تلوذ بالشعر بوصفه وسيلة للتعبير عن رؤاها وأفكارها لأن الشعر وكما يقول الأستاذ الدكتور عبد الرضا علي ّ ( ليس الوزن والتقفية والمعنى، إنما هو رؤيا، أو نبوءةٌ تعيشُ في أعماقِ

الشاعرِ، ولها علاقاتٌ متشابكةٌ يرتبطُ فيها الإلهامُ بوعي، أو لاوعي منتجِها في حالةٍ أشبه ما تكون بأحلامِ اليَقَظةِ التي ترقى لأنْ تكونَ وجهاً من أوجهِ الوجود) (14)

وتؤكد الشاعرة على وظيفة الشعر كمنصَّة للتعبير والتغيير ورفض كل ما يحد حريةَ الإنسان .

(( يا شعرُ غَيركَ ماحملتُ خطيئةً
وإليك أرحلُ بكرةً وأصيلا )) (15)

وهنا تلميح مضمر إلى أن الشعر قد يكون خطيئة المرأة في بعض الأحيان في المجتمعات التي تريد للمرأة الركون إلى الصَّمت والسّكوت والتخلي عن إرادتها الفاعلة في الحياة .

قصائد الديوان حافلةٌ بالرموز الموازية التي اعتمدتها الشاعرة لإدانة المسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية :

(( يختصر الحزنُ ملامحَه في وجهي يخدشُ مرآتي غضبٌ لا تدركهُ الكلماتْ من ذا يسمع ضجة قلب لا ينطقُ؟ من يقرأ أوجاعَ الريح ِوأحزانَ جدار؟ من يدركُ تأتأةَ الوقتِ على شفة امرأةٍ تسكنُها الآهاتْ؟ )) (16)

وهذا النص يشي بالكثير مما تحدثنا عنه من غضب ورفض المرأة لواقع فَرضَ عليها أن تظلَّ صامتهً كجدارٍ أصمَّ حُمِّل من الألم والوجع مالا طاقة للجدارِ به معبرة عنه بضجّة ِقلبٍ لا ينطق ..

وهو بإيقاعه وبمفرداته ينقلُك إلى حركية وإيقاع الوجع وتصاعده :

(غضب لا تدركه الكلمات ، ضجّة قلب لا ينطق ، أوجاع الريح ، تأتأة الوقت ) هذه المفردات منحت النّصَّ حركية الثورة والتمرد والغليان ناقلة شحنة الرّفض إلى المتلقي بشكل جميل ورائع .

” إنَّ بعضاً من النقّاد المعاصرين ينظرون إلى النّصِّ الإبداعيّ على أنه مكوّنٌ من مستوياتٍ متعدّدةٍ متكاملةِ الوظائفِ في المحصّلة النهائية، سواءٌ أكانت مستويات صوتيةً، أم تحليليةً، أم دلالية، أم رمزية ؛ وكلُّ تلك المستويات تعودُ إلى المعنى الذي ينشده النّصُّ ويبتغيه.” (17)

وتطرح الشاعرة في مجموعتها موضوعات لا تنفصم عراها عن مفهوم المسكوت عنه كما في مقطوعة الموؤدة :

(( كان يرافقني في دربي المتعبِ
معصوبَ العينينْ
وأنا الموءودةُ كنت أحنجلُ
كي يرقص ظلي )) (18)

إن الشاعر بتحليقه وطموحه وسعيه إلى الإرتقاء بالواقع حوله يشعر بالغربة إذا لم يصل إلى مايطمح إليه وهذا ماعبرت عنه الشاعرة ، والغربة مفهوم موازٍ لسلب الدورالاجتماعي للمرأة ونتيجة له من جراء الانكفاء على الذات .

(( كغريب ٍترفضهُ الطرقاتُ
شِخْتُ على بابِك
حتى صار البابُ عتيقاً )) (19)

والوحدة هي مفهوم آخر للغربة وهي هنا من جراء الإحباط والانكفاء على الذات بسبب ذكورية المجتمعات العربية وقسوة التقاليد وسلطة الرَّجل على المرأة ومنعها من أداء دورها الإنساني في الحياة :

(( أسْحَبُ ظلكَ من يده
في أعمق زاوية من حوش الدار
وأراقص حباتٍ الرَّمل
ال تتركني وحدي
أتـلمسُ بعضَ غبار ..)) (20)

وتكرار مفردة ( القيود) في المجموعة يندرجُ ضمنَ هذا المفهوم إذ تتكررُ لأكثرَ من مرة ٍ بالتَّصريح أو التلميح في ثنايا الصور الشعرية الجميلة التي أكتنزتَها المجموعةُ وهي قد لاتعني بها تجربتَها الشخصيةَ بالضَّرورة، إنما تنطلقُ من دورها الرؤيوي بوصفها شاعرةً وإنسانة فاعلة في الحياة الإجتماعية لايمكن أن تمر بالأشياء مروراً عابرا ..

ففي مقطع شعري قصير وضعت له عنوان (قيود ) تقول .

(( البحرُ يسألُ
والرياحُ ترددُّ
ما للشواطي للمياه تقيّدُ )) (21)

وتعود القيود لتظهرَ مرةً أخرى في قصيدة (لا سرا ولا علنا ) لتعلن الشاعرة رفضها المطلق للقيود بحثا عن حرية الإنسان المطلقة في

الحياة ، وهي عودة لفكرة التحليق التي تمنحُها حريةَ الحياةِ والسّمو عن ما هو أرضي :

(( دعنـــي أُحبُّكَ
لا ســــرّا ولا علـــنا كالنايِ إن نَطَقتْ نبكي لــها شجنا دعنــي أُحبُّكَ
لا قيـــــدٌ يُقيِّــــدني مثلَ النوارسِ إذ تهوى السما سكنا )) (22)

وهي أذ تستعير جناحي عصفور أو نورس للسّمو والرُقّي والحرية التي يحققها التحليق فإنها تستخدم رمزا آخرَ موازياً للإرتفاع عن كل ماهو أرضي مؤلم ألا وهو ( السُلَّم ) والسُلَّم أيضا وسيلة للتحرر من الأرض ولاسيما إذا كانَ وسيلة للوصول الى جنائن الحلم والحياة الحرة الكريمة بعيدا عن (الكروب ) كما في نصّ شعري عنونته (ربَّما ) وربَّما هنا تحمل معنى التمني والحلم والأمل :

(( يا جرح أنصـــــت
للسـماء فربّما بَنَتِ الكروبُ إلى الجنائنِ سُلَّما )) ( 23)

ورغم مايبدو ظاهريا من قتامة للصورة التي تطرحُها قصائد المجموعة فإن الشاعرة ماتلبث أن تفتحَ نوافذَ للحياة والأمل :

(( فلربّما
هدأتْ رياحـك فـــــانتظرْ مطرا يُجنِّحُ فــي اليبابِ براعما )) (24)

هذه هي روح الشاعر الرائي الحقيقية التي تتسامى على الألم لتسمو بالأمل وبحياة أجمل وصولا الى السَّلام الدائم مع الحياة ومع النفس ومع الآخر

,كما في قصيدتها (أقول سلاما ) :

((واقرأ على كل الخلـــيقةِ آيــــةً
باسم المحبَّة قد تُردُّ سهامــا )) (25) .
جماليات الصورة والانزياح اللغوي

توفرت المجموعة على صور شعرية جميلة إتسمت بالإتقان والبناء الشعري مستخدمة في ذلك البناء متانةَ القصيدةِ العمودية ِودهشةَ القصيدة ِ الحديثةِ بمعمارٍ فني رصين يصل بالمتلقي إلى الإحساس بجمال الصورة واللغة :

(( لم يوقظني الطرقُ على البابِ ولم توقظني الضجّةُ خلفهْ بل أيقظني النورُ الساطعُ حينَ أتى من خلفِ الشرفهْ. )) (26)

هكذا يكونُ البناءُ الشعري الذي يتدرجُ ويحملُ معه المتلقي إلى عالمٍ من النور والشفافية القابلة للتمثل من مجرد جملة مكتوبة إلى صورة مُتَخيلة بكل جمالها وتأثيراتها …وتبلغ الصورةُ الشعريةُ ذروةَ جمالياتِها حينما تكتنزُ طاقة تعبيرية عالية كما في هذا المقطع :

(( والفكرةُ تصطكُّ الفكرةُ من وهج البرد إذا عرَّتها الكلماتْ! )) (27)

وتحفلُ المجموعةُ بالكثير من الانزياحات اللغوية التي تمنح المعاني قوة ً وإبتكارا في إقتران المفردةِ بأخرى لتعطي معنىً جديدا وفي ذلك يقول أ . د عبد الرضا عليّ أستاذ النقد الأدبي الحديث :

(يميل شعراءُ هذه المرحلة الى مسألة الانزياح ” والانزياح هو تغييرٌ في نسقِ التعبيرِ المتوقع المعتاد الى نسقٍ آخر يؤدي دلالةً مخالفة ً فهو خرقٌ للثابت ِوعدولٌ عنه الى قصدٍ توليدي يخالف مقتضى الظاهر )

إن َّ استخدامها لانزياحاتٍ (جيبُ الليلِ ، أذنُ الفجر ، كفُ الكلمات ،غَمدُ القلبِ ، تأتأةُ الوقت ، أجفانُ القلب ، ساقُ الوقت،…. الخ ) منحت نصوصَها أنساقاً دلالية جديدة عززت فكرة القصيدة وجمالياتها .

إن ميسون طه النوباني وإن تفوقت في إتقان كتابة القصيدة العمودية وبما يعكس استلهامها لروائع الشعر العربي ويشير إلى مرجعياتها الثقافية التي نهلت منها، وهي مرجعيات رصينة بلا أدنى شك، إلا أنّها شاعرة تنتمي لجيل الحداثة أكثر من انتمائها لقصيدة (في طريق عكاظ ) التي استهلت بها المجموعة بلغة شعرية ترتقي للغة كبار الشعراء العرب ولقوة نظمهم .. وفي اعتمادها موضوعات وأغراض كالفخر بقومها والوقوف على الأطلال واستنطاق الحجر واستدعاء الرموز مثل ( لبيد ،وأمرئ القيس ، والخنساء ) ولتشكل هذه القصيدة استعراضا لممكنات الشاعرة وقدرتها الرائعة في النظم والذي لم تعد بحاجة إليه ولا إلى أغراضه الشعرية بعدما أتقنت كتابة القصيدة بلغة العصر مايجعلُها في مقدمة الشعراء الذين انطلقوا من قاعدة رصينة، هي القصيدة العمودية الأم إلى القصيدة التي تنافس وتواكب لغة الشعر واهتماماته المعاصرة ليس في الأردن فحسب، بل على صعيد الوطن العربي .

._________________________

(1) كتاب ارسطو في الشعر: ترجمة الدكتور شكري عياد مع دراسة لتأثيره في البلاغة العربية دار الكتاب العربي، القاهرة 1967، ص64.
(2) حنا الفاخوري، تاريخ الأدب العربي، دار اليوسف للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (د.ط) ، (د.ت) ، ص.59.
(3) محمد النويهي ، وظيفة الأدب بين الإلتزام الفني والإنفصام الجمالي / ص 40- 43 / القاهرة 1963.
( 4) عبد الرزاق بلال ، مدخل الى عتبات النص، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم، افريقيا الشرق 2000، الدار البيضاء، بيروت ،2000، ص16
(5) ميسون طه النوباني ، رقص الناي ، “مجموعة شعرية ” وزارة الثقافة ، عمان الأردن ، ط1 ، 2016 ص 27
(6) ينظر ، أ . د عبد الرضا علي ، بنيةُ القصيدةِ التقليديَّـة ، موقع صحيفة المثقف ، سدني ، أستراليا ، العدد 3986 الجمعة 4-8- 2017
(7) ميسون طه النوباني ،المصدر نفسه ص 17
(8) المصدر نفسه ص 95
(9) نفسه ص 127
(10) نفسه ص 135
(11) نفسة ص 121
(12) نفسة ص 141
(14) نفسه ص59
(14) أ . د عبد الرضا علي ، المصدر السابق
(15) ميسون طه النوباني ، المصدر السابق ص 21
(16) نفسة ، ص77
(17) عبد الرضا علي المصدر السابق
(18) ميسون طه النوباني ، المصدر السابق ص49
(19) نفسه ص 69
(20) نفسة ص 67
(21) نفسه ص107
(22) نفسه ص119
(23) نفسة ص 125
(24) نفسه ص125
(25) نفسه ص71
(26) نفسه ص 131
(27) نفسه ص 63
(28) أ . د عبد الرضا علي المصدر السابق .

لا تعليقات

اترك رد