الجهل ثروة قومية


 

بين عامي 2003 و 2013 تأسست في العراق أكثر من أربعين قناة فضائية و أرضية و 200 صحيفة بعضها يوزع مجاناً او يفرض على سائقي المكروباص في الكراجات و الإشارات الضوئية و أكثرمن مائة إذاعة يعمل كثير منها بلا ترخيص باعتراف هيئة الإعلام و الإتصالات . أي أن ما يقرب من 350 مؤسسة إعلامية ( تصادف ان تكون بعدد أعضاء مجلس النواب تقريباً ) تحشو أدمغة الناس بسيل لا ينقطع من الضخ الإعلامي وتقود إتجاهات الرأي العام العراقي ، فإلى أين تقوده ؟
تتوزع اتجاهات هذه المؤسسات حسب الخريطة السياسية و المذهبية و القومية حيث انها في الغالب تتبع لأحزاب سياسية ، و بما أن عدد الاحزاب أقل من 350 ( حتى كتابة هذه المقالة ) فإن بعض الأحزاب يمتلك العديد من وسائل الإعلام هذه ناهيك طبعاً عن وسائل التواصل و المواقع الألكترونية ، و بما أن نظامنا ثيوقراطي إعترفنا بذلك ام انكرنا فإن الطابع الغالب على هذه المؤسسات هو الطابع المذهبي الديني. اذا اتفقنا ان طابع هذه المؤسسات ديني فما هي المادة الدينية التي تقدمها للناس ؟
أتيح لي أن أطلع عن قرب على ما يجري في بعض هذه المؤسسات الإعلامية المرئية و المسموعة التي تبث من داخل العراق . المفروض أن تبين هذه المؤسسات لمتابعيها إذا كانت الغاية التوعية الدينية برامج عن موقف الدين من الفساد و الجهل و الإنحراف الأخلاقي و الجهل لكني رأيت العكس . كان الإهتمام و التبجيل الذي يحظى به دجالون يمارسون الشعوذة و اللعب على معاناة الناس و آلامهم و امراضهم ايضاً كبيراً ولهؤلاء مكاتب يروجون لها من خلال برامجهم اليومية التي يقدمونها بذريعة علاج الأمراض و جلب الحبيب و الحصول على مواليد ذكور و كربسة الضرة من أعلى السلم و كسر رقبتها و إسقاط جنينها . أحد هؤلاء صب جام غضبه على الأطباء بعد اتصال من مريض بالتهاب الكلية منعه الطبيب من بعض الأطعمة و قال ان الأطباء الجهلة يفتكون بصحة المؤمنين لكن العتب ليس على الطبيب بل على المؤمنين الذين يراجعونهم و نصحه بمخالفة كل اوامر الطبيب و إلقاء أدويته في القمامة و مراجعته في مكتبه ليكتب له العلاج . آخر باع مواطناً حجراً ب 250 ألف دينار ( حوالي مئتي دولار ) قال أنه سيشفيه من كل امراضه بمجرد حمله ، و لما تفاقم المرض و زادت اوجاعه دون أن يرق الحجر لحاله حاول إعادته و استرداد ماله او بعض ماله لكن رجال الحماية المسلحين ألقوه خارج المبنى . عرضت قناة هذا الدجال لقاء له مع اثنين من المعممين أقسم احدهما بأغلظ الأيمان انه تعبد أربعين ليلة فرأى السيدة فاطمة الزهراء ، ليس في المنام ، بل و هو على سجادة الصلاة تقول له إذهب إلى ولدنا ( برفع الدال) وقل له أنه يستطيع ان يعالج ( نساء أمتي ) ، لماذا النساء دون الرجال وزبائن هذا الرجل كما هو معروف من الجنسين ؟ إن لم تكن هناك أسباب أخرى فلأن حظوظ نسائنا من الجهل اكثر من حظوظ رجالنا بسبب الظروف الإجتماعية التي سادت بعد الإحتلال و منعت الكثير منهن من التعليم ، على ان التعليم عندنا هو الأخر يخضع لما يخضع له الإعلام من سياسة تجهيل متعمدة فلم يعد يزود الطالب بالعلم بقدر ما يزوده بالجهل ، تذكرون مدير المدرسة الإبتدائية الذي جمع تلاميذه في ساحة المدرسة ليشرح لهم طريقة غسل الموتى و تكفينهم و دفنهم باستخدام دمية تشبه الدمية جوقي (chucky ) في فيلم اللعبة و تذكرون كيف كانت ركب التلاميذ المساكين تصطفق ببعضها خوفاً من أن تنهض الدمية في أية لحظة فتعضهم . لن أسترسل و سأكتفي بهذا الغيض من ذاك الفيض .
أعرف أن بعض رجال الدين المحترمين يدينون هذه الممارسات لكن ذلك لا يكفي فرجال الدين الصغار برتبهم لا أحد يسمع لقولهم ، ثم ان هذه عمليات نصب و احتيال يفترض أن يكون للقضاء كلمة فيها لولا أن القضاء هو الآخر يخضع لما يخضع له الإعلام و التعليم من فساد .
لم أتطرق الى المؤسسات الاخرى ، الدينية مثلاً و لدورها في رسم سياسة الجهل بعيداً عن الدين و رسالته السامية . الآن هل كنت مغالياً بالقول انها سياسة تجهيل متعمدة و ممنهجة باستغلال مؤسسات إعلامية يفترض أنها انشئت للتوعية و التعليم وأن الأمر لم يكن مجرد إهمال غير مقصود ؟ دعوني أثبت لكم أني لست مغالياً ، الإنسان المتعلم لا بد أن يكون مشاكساً ، إن لم يكن مشاكساً فلن ينتفع بعلمه و لن ينفع احداً به . كيف ؟ حتى في المسائل الرياضية يحتاج الطالب أن يستخدم المنطق للبحث عن نهايات الأشياء ، لا يكفي أن يعرف أن حاصل ضرب 2 x 2 هو 4 بل عليه أن يعرف كيف أصبح الناتج 4 و لماذا لم يصبح 5 أو 6 ، في المراحل اللاحقة و عندما تصبح المسائل أكثر تعقيداً سيطلب منه الأستاذ ان يشرح له الخطوات التي اتبعها للوصول الى النتيجة و كيف يبرهن ما طلب منه إثباته ، أحياناً يصل عدد من الطلاب الى نتيجة واحدة بطرق مختلفة ، كذلك في الكيمياء و الفيزياء بل و حتى في العلوم الإنسانية ، يستطيع الطالب البليد أن يحفظ المسألة كما كتبها المدرس على السبورة بتكرارها لعدد من المرات لكن المشاكس لا يكتفي بالحفظ بل يحاجج مدرّسه بكيفية الوصول الى النتيجة ، لا يتوقف عن تكرار ” كيف ؟ لماذا ؟ متى ؟ ” حتى يقتنع و أحياناً يقنع استاذه بخطأ ارتكبه أو يصل الى النتيجة بطريقة مختلفة . أليست هذه مشاكسة ( حميدة ) ؟ حسناً ، ما ضر النظام أن يكون الفرد ثم المجتمع متعلماً و ليكن مشاكساً ؟ إن جانب المشاكسة الكامن في التعليم يورث الفرد ثم المجتمع الإعتراض على القوالب الجاهزة ، الإعتراض على السياسات غير الخاضعة للمنطق الذي تعلمه ، المتعلم – المشاكس يمر طريقه من البيت الى العمل و من العمل الى البيت من ساحة التحرير ، سيحتج على كل شيء لا يقتنع به أو لا يجده منسجما مع الإيقاع الطبيعي لمسيرة التطور و التقدم و العلم ، أما مجاميع التلاميذ البليدين المتسربين من مقاعد الدراسة فهم قطيع واحد لا يسأل و لا يناقس ، يكتب الأجوبة في ورقة الإمتحان بالضبط كما أفتى بها المدرس – الشيخ ، يتبع الجرس المعلق برقبته و يتبعه أينما يذهب و يمتثل لأوامره حتى اذا خالفت أوامر طبيبه أو حتى ربه ، وهذا ما يريده النظام ، النظام يريد قطيعاً مطيعاً ، قطيعاً يثغو حين يجوع و يفرح بحزمة برسيم يمنون بها عليه ، ينحرونه أضحية في الحروب و يستدرون لبنه في السلام ، عدا ذلك ليس له من عمل و لا دور في الحياة سوى أن يتناسل ليقر عيون حكامه – شيوخه بذرية تمنحهم مزيداً من الأصوات في الانتخابات و مزيداً من الدماء في الحروب . أليست هذه ثروة قومية تستحق أن نؤسس لأجلها 350 وسيلة إعلامية لا تكاد تخلو واحدة منها من دجال يفتح لنا الفال كل صباح ليقنعنا بلذة حزمة البرسيم عندما تكون من يد الحكومة ؟

لا تعليقات

اترك رد