الطفولة العراقية وسنوات المحنة

 
الصدى - الطفل العراقي

يندرج الطفل في اي مجتمع من المجتمعات تحت باب الثروة الوطنية النفيسة التي لايمكن اخضاعها لميزان العرض والطلب لانها تحتفظ بقيمتها الاجتماعية والعلمية والاقتصادية مهما غلت مفردات الحياة الاخرى او رخصت هذا فيما لو وجدت العوامل والظروف المناسبة لها والتي تهيؤها قوانين الدولة اولا بوصفها راعية لتلك الشريحة التي تشكل حجر الزاوية للموارد البشرية المحركة لعجلة الحياة والمبدعة في مظامير وسبل العلم والمعرفة وذلك من خلال التشريعات التي تمس حياة الطفل وترعاه منذ ولادته وحتى وصوله الى مراحل عمرية يصبح فيها منتجا لمفردات الحياة ، وبالدرجة الثانية يشكل المجتمع الحاضن المهم بعد الدولة لتلك الشريحة من خلال انتاجه للاعراف والسلوكيات والقيم النموذجية التي تمجد الحياة والارض وتحث على الولاء للوطن قبل كل شئ ويتأتى هذا العامل من خلال الثقافة المجتمعية السائدة التي تصنع عقلية الطفل ورؤاه وسلوكه ومخيلته وتوجهاته المستقبلية فهنالك مجتمعات تشيع فيها الظواهر الدينية والفئوية والطائفية مما تفسع مجالا واسعا للتابو الديني ان يتحكم بعقيلة الفرد والحد من نشاطاته وقمع مخيلته الخلاقة مخافة ان يقع في محظورات تلك التابوات المتكلسة ولعل اول الافراد تأثرا بتلك التابوات القاتلة هم الاطفال وذلك لعدم بلوغهم السن التي تؤهلهم لاتخاذ القرارات الصائبة وكذلك لعدم اكتمال عوامل النضج مما يوفر سهولة توجيههم واستغلالهم لخدمة تلك الجهات التي تتبنى التابوات وتدافع عنها واغلب تلك الدول تندرج في تصنيفها ضمن دول العالم الثالث من الدول العربية والشرق الاوسط عموما وغالبية دول شرق اسيا بينما تجد دول الغرب تضع كل الخطوط الحمر او الحمراء التي تضعها القوانين العراقية الحالية حول منافع شخصية لفئة ما تضعها تلك الدول لصالح حقوق الطفل والعناية به والتركيز على تنمية مواهبه وتهيئة سبل التعليم النموذجي الذي يأخذ بيده لبلوغ المستقبل المشرق وبنظرة خاطفة الى الطفولة العراقية فاننا سوف نجد محنة حقيقية يمر بها تلك الشريحة علما بان الفئات العمرية من 1 يوم ــ 15 سنة كلها تنضوي تحت عنوان الطفولة والصبا بمعنى انهم يشكلون نسبة عالية من وجود المجتمع وكينونته لكنها فئة هامشية ومهملة الى حد كبير خاصة بعد الفوضى العارمة التي ضربت اطنابها في العراق بعد هروب رموز النظام السابق وشيوع ظاهرة الارهاب الذي احرق قلب العراق ودمر زهرة الطفولة ومن ثم تضخم ظاهرة الفساد الاداري والمالي الذي ولد من رحم دولة البعث وازدهر تحت ظلال المحاصصة والذي اتى على الحلم الطفولي المتمثل بتوفير الحالة الامنية المستقرة التي توفرالغطاء الامثل لرعاية الطفل بدءا من حضن امه ومرورا بالحضانة ورياض الاطفال ومقاعد الدراسة حتى يصبح فردا قادرا على الانتاج والعطاء .. فاختلال الامن المستمر خلق حالة من الذعر المزمن لدى الطفل العراقي مما ولد امراضا نفسية وعضوية خطيرة كما ان حالات الترمل للمراة واليتم للاطفال وفقدان المعيل دفع اعداد هائلة من الاطفال الى التوجه الى ميادين العمالة الرخيصة كبيع قناني الماء والمناديل الورقية في تقاطعات الطرق وبيع اكياس النايلون في الاسواق ناهيك عن العمل في ورش التصليح والمطاعم والمقاهي واماكن اخرى ربما تشكل عبئا ثقيلا على الانسان البالغ فكيف اذا والحال مع اطفال دون سن الخامسة عاشرة واحيانا دون هذا السن ناهيك عن ترك مقاعد الدراسة والتعرض لخطورة الاوضاع الامنية والحرمان من ساعات الراحة والنوم اضافة الى تغير سلوك الطفل وتعلمه سلوكيات بعيدة عن البراءة والبيئة النفسية المستقرة من خلال ما يسمعه من المحيط الذي يعمل به وباجور زهيدة .. اما الاطفال الذين تشردوا وتهجروا بسبب موجات التهجير والترحيل بسبب عصابات الظلام المتمثلة بداعش وغيرها من النفايات فهذا الامر لوحده يمثل محنة المحن ويشكل كارثة كبرى ابتليت بها شريحة الطفولة ولسوف تظهر نتائجها السيئة على امتداد الاجيال القادمة في العراق على شكل شذوذات وانحرافات وعقد نفسية وتطرف في كل نواحي الحياة بما فيها التطرف الديني والذي كان سبب بلائنا وخراب ديارنا في العراق والعالم اجمع ، نحن اذن ازاء مشكلة حقيقية لا بد للدولة العراقية عموما بسلطاتها جميعا وللمشرع العراقي على وجه الخصوص ان يعوا دورهم الحقيقي والحساس ولابد لمراكز الدراسات والتطوير ليس في العالم العربي بل في العالم اجمع ان تحث الخطى لوضع تصورات وبحوث ودراسات تسهم في تذليل الصعوبات وايجاد السبل الكفيلة لتحجيم تسارع المشكلة وفرملة تعجيلها لكي لايصبح العراق مفقسا لحركات متطرفة جديدة ويصبح العالم ازاء افغانستان اخر .

 

لا تعليقات

اترك رد