هل أصبحت العلمانية المخرج الوحيد لخروج المنطقة من الصراعات التي تعانيها ..


 

هل أصبحت العلمانية المخرج الوحيد لخروج المنطقة من الصراعات التي تعانيها ..
وهل تقبل بها المجتمعات العربية كأساس للحكم؟

لقد شغلت مشكلة التخلف الحضاري العربي عن مواكبة العصر علميا واقتصاديا وسياسيا خلال القرون الماضية العديد من المفكرين، بعضهم اعتبر حركة محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ثورة على الجهل والخرافة والتفكك والتناحر، وثورة المهدي في السودان التي تمثل نهضة سياسية ضد الاستعمار ومناشدة الحرية السياسية، وكانت ثورة السنوسي في ليبيا، وعبد القادر الجزائري وابن باديس في الجزائر وحركة الإصلاح الديني والاجتماعي في مصر على يد الإمام محمد عبده وشيخه الأفغاني.

لكن لاحقا تأثر العرب بمقولة كبلنج ( 1865-1936 ) بأن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، رغم تلك المقولة العنصرية حصل على جائزة نوبل عام 1907 تذكرنا هذه المقولة بدعوى هنتجتون عام 1993 عن صراع الحضارات، لكن ما ينقض هذه المقولة العنصرية المسيحية التي تشكل أحد أساسيات الحضارة الغربية ظهرت وازدهرت في منطقة الشرق قبل أن تعرف في الغرب.

ما يعني أن علاقة الشرق بالغرب علاقة عضوية، وعندما ظهر الدين الإسلامي في القرن السابع الميلادي لم يقف موقفا مضادا لأي دين سماوي بل اعترف باليهودية والمسيحية بكونهما رسالتين إلهيتين واعتبر نفسه آخر حلقة في سلسلة طويلة من أديان الله إلى البشر وقد صور النبي محمد صلى الله عليه وسلم صلته بالأنبياء من قبله بقوله ( إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين).

وبناء على مقولة كبلنج هناك من العرب من دعا إلى التغريب والمشروع العلماني ودعوة إلى نبذ الشرق والعرب والإسلام والالتحاق مباشرة بالحضارة الغربية بكل حسناتها وسيئاتها ويجب التبني الكامل لجميع القيم والآداب الأخلاقية والاجتماعية والسياسية للمدنية الغربية وضرورة القطيعة الكاملة مع الموروث الثقافي الإسلامي فكرا وعقيدة وتاريخا رغم أن الحضارة الغربية بنت على الحضارة الإسلامية، بل وصل لدى البعض إلى حد التحقير لهذا الموروث والبغض له والتبرؤ منه بينما هو يدرس في جامعات غربية.

في المقابل هناك إسلاميون يرون في العلمانية بذاتها كفر وإلحاد وهي مرتبطة بالتغريب وربط بين العالمانية وبين مخططات الهيمنة على العالم العربي، ويرفضون أي علمنة يتم استيرادها من العالم الغربي من أجل استمرار هيمنتهم على القرار الاجتماعي لأن رجال الدين يستمدون قوتهم من تلك المجتمعات المتبعة لهم، لكنهم لا يستطيعون الهيمنة على القرار السياسي وإن كان لهم تأثير.

بل حتى العولمة اعتبرت شكل من أشكال الهيمنة الغربية في بداية الألفية الثالثة وأنها مزيدا من تبعية الأطراف للمركز والتي تعني تجميعا لقوى المركز وتفتيتا لقوى الأطراف أي نحن ما بين منبهرين بالحضارة الغربية وبين منبهرين بالتراث الماضوي لم يصنعه الطرفين.

في المقابل لم يستوعب العرب النظام العالمي الجديد بعد انهيار المعسكر الاشتراكي عام 1991 الذي صاحبه انتشار بحوث في الغرب عن الأقليات العرقية والطائفية من أجل إبراز الخصوصيات والهويات والتعدديات الثقافية للقضاء على وحدة الثقافة ووحدة الوطن ووحدة التاريخ ووحدة المصير وأدخل مفهوم النوع في كل شئ لخلق عدو وهمي للمرأة، بينما الرجل والمرأة كلاهما ضحايا عدو مشترك هي التقاليد والتخلف والفقر والاستبداد.

وكان لأبرز المفكرين على رأسهم عبد الوهاب المسيري، ومحمد أركون، ومحمد عابد الجابري العديد من الأفكار حول العلمانية، فالمسيري لديه كتاب عن العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، والجابري الذي ركز على بنية العقل العربي وتكوينه إلى جانب العقل العربي السياسي والأخلاقي، فيما يركز الجابري على البناء الذي لابد أن يكون من داخل البيت لا من خارجه وإعادة تأثيثه، ويرى الجابري أن العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات، إن الحاجة للديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات والحاجة إلى ممارسة العقلانية للسياسة هي حاجات موضوعية فعلا، إنها مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي، ولكن تفقد معقوليتها وضروريتها بل ومشروعيتها عندما تقدم بشعار ملتبس كشعار العلمانية.

كما احتلت العلمانية مكانة مركزية في مشروع محمد أركون اصطلح على تسميتها ( الإسلاميات التطبيقية ) سيرا على نهج روجيه باستيد في كتابه ( الأنثربولوجيا التطبيقية ) وربط العلمانية بالعقل الإسلامي تقابل ربطها عند الجابري بالعقل العربي.

أشهر تعريف للعلمانية للفرنسي جان بوبيرو والذي يشبه العلمانية بمثلث الضلع الأول في منع تسلط رجال الدين أو أي نوع من المعتقدات على الدولة ومؤسسات المجتمع والأمة والفرد، والضلعان الآخران من المثلث هو حرية الضمير والعبادة والدين والعقيدة على عكس اعتبار بعض الكتاب بأن العلمانية مصطلح مشتق من العلم أو العالم في حين يفضل البعض الآخر مصطلح الدنيوية على النقيض من الدينية.

لكن هناك أحد علماء الشريعة في مصر علي عبد الرزاق أثار جدلا في كتابه ( الإسلام وأصول الحكم ) عام 1925 أوضح بأنه لا يوجد في النصوص الإسلامية ما يلزم المسلمين بإتباع نموذج الحكومة الدينية وأن بإمكانهم اختيار النظام السياسي الذي يناسبهم وأوصى بأنه يمكن أن ينفصل الدين عن الحكومة والسياسة بالطبع طرد في ذلك الوقت من الأزهر الشريف لأنه خرج عن المألوف ولم يستمر في تبعيته لكبار العلماء المشهورين في ذلك الوقت وهو اجتهاد مرفوض.

بينما تاريخ التجربة العلمانية في الغرب النظر إليها ليس من جانب التحيز الأيديولوجي بل من واقع الأحداث حتى نصل إلى طبيعة العلمانية وأهدافها ليس فقط مع مسارها التاريخي، فمثلا تشارلز تايلور عندما تناول مسألة العلمانية في فصل الدين عن الدولة يقول ليست موجهة ضد الدين بحد ذاته بل العلمانية تتطلب ما هو أكثر من عملية الفصل هذه، فالتعددية التي ينطوي عليها المجتمع تتطلب نوعا من الحياد من الدولة في علاقاتها بكل المكونات المختلفة دينية أو غيرها، وبالتالي فإن متطلبات العلمانية أكثر تعقيدا من حصرها في مسألة فصل الدولة عن المؤسسة الدينية، ويستخدم تايلور ثلاثية الثورة الفرنسية ( الحرية، المساواة، الأخوة، ) كنموذج للحياد والفصل التي استقر عليها نموذج العلمانية.

ولو رجعنا إلى وثيقة المدينة التي وقع عليها المسلمون من قريش والأنصار واليهود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة لتأسيس دولته الجديدة والتي لم يسميها بمسمى ديني بل سماها باسم مدني ( المدينة المنورة ) وكفل حرية المعتقد لأهل المدينة من مسلمين ويهود ومشركين ( لا إكراه في الدين ) وكل طرف يطبق شريعته ومعتقده وحقق المساواة لم يفضل عقيدة على عقيدة ( لكم دينكم ولي دين ) وكانت هناك إخوة إيمانية بين المهاجرين والأنصار، وإخوة إنسانية بين جميع المكونات التي تسكن المدينة من مسلمين ويهود ومشركين التي أصبحت فيما بعد أسس العقد الاجتماعي في الدولة الوطنية اقتبسها الغرب على يد جان جاك روسو الفرنسي بالتعاون مع أبو زيد المسلم في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ثم أتى بعدهما

توماس هوبز وجون لوك ولكن لم ينسب الفضل إلى وثيقة المدينة التي تم الاقتباس منها العقد الاجتماعي.

بالطبع لن يقبل بعض الإسلاميين مثل تلك المنطلقات وتلك الأسس لأنها تخالف أيديولوجيتهم التي يؤمنون وينادون بها، لذلك هم يروجون بأن العلمانية تدعو إلى الإلحاد ويروجون بأن العلمانية ترتبط بفصل الدين عن الدولة ويغفلون الأسس التي تنطلق منها العلمانية.

علينا عدم التوقف عند المسميات بل علينا أن نطبق ما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة من إعطاء الحرية، والمساواة، وتحقيق الأخوة بين مكونات المجتمع، وعندما طبق المجتمع الأمريكي الناشئ لم يطبق مسمى علمانية بل كان الدين المسيحي يحظى بتشجيع الدولة باعتباره أنه الدين المهيمن على الثقافة الأمريكية آنذاك، بل صدر حكما من المحكمة العليا عام 1892 على أن الولايات المتحدة أمة مسيحية بعد معركة كانت محتدمة بين أنصار التيار المسيحي وتيار يريد الانفتاح على بقية الأديان الأخرى.

لكن التيار الأخير انتصر لاحقا بعد دخول أديان أخرى إلى الولايات المتحدة خصوصا الدين الإسلامي واليهودية بجانب أديان أخرى غير توحيدية بعدما أصبحت الولايات المتحدة قبلة للوافدين من جميع أنحاء العالم، أي أن الفصل كان استجابة للتعددية استوعب كل التيارات السياسية.

العلمانية ليست أيديولوجية تدعو إلى الإلحاد إذا كانت آلية دستورية فقط لتحييد الدولة ولتمكينها من إدارة التعددية في المجتمع بهدف تحقيق المساواة والعدالة وحكم القانون للجميع وهي لا تختلف عن آليات وثيقة المدينة التي طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.

أعتقد أن العرب الآن يعرفون الثمن الباهظ كما عرف الأوربيون الثمن الباهظ الذي دفعوه حتى وصلوا إلى اتفاقية وستفاليا في القرن السابع عشر أوقفت حربا طائفية دامت ثلاثين عاما بين الكاثوليك والبروتستانت التي وضعت حدا للحروب الدينية من خلال تبني مبدأ الدولة الوطنية التي حلت محل النظام الإمبراطوري بالشكل القديم وتحويل الصراع من مجال العقيدة إلى مجال المصلحة التي يمكن التفاوض بشأنها والبحث عن توازن القوى وتغليب الدبلوماسية على الحرب كلما كان ذلك ممكنا.

فهل يبحث العرب عن وستفاليا عربية لوضع حد للصراعات الطائفية ووقف استغلال الفائض الضخم من الشعارات والصخب الذي يتحول إلى عنف ودمار، وفي حالات أقل إلى جمود وعجز عن التغيير بسبب غياب المشاريع الوطنية.

إن تزايد النعرات ذات التوجه الطائفي والمذهبي يفترض أنها تعجل بفكرة مشروع الدولة الوطنية التي قوامها الولاء القومي بدلا من الولاء الديني أو المذهبي والذي أصبح بموجبه مفهوم المواطنة مفهوما مؤسسا للرابطة التي تجمع بين الجميع في الدولة ويكفل لهم المساواة التامة في الحقوق والواجبات أمام الدستور بعيدا عن أي تمييز عرقي أو ديني أو نوعي منعا لانفجارات اجتماعية تؤدي إلى فوضى بدلا من الوحدة المصطنعة والقائمة على القهر التي لا توفر ظروف النجاح لدولة مهما طال أمدها.ل أصبحت العلمانية المخرج الوحيد لخروج المنطقة من الصراعات التي تعانيها ..

لا تعليقات

اترك رد