السُخماط


 

تستقبلني جدتي بترحابها المعتاد، تحتضنني وتقبلني، تشد على يدي، تسألني عن حال أمي، أشك أنها تعرف صلتي بها، فذاكرتها سقطت من جعبة سنينها الطوال؛ باتت تحفظ عدد الأزرار والأبر وبكرات الخيط في علبة حياكة بجانبها لا تستخدمها عن تذكرها لأفراد عائلتها، أعلم أنها تحبني وتحفظ وجهي لزياراتي المنتظمة لها. عمتي فاطمة لم تتزوج ولا زالت مقيمة معها تخدمها. فور رؤيتها لي تدس يدها تحت مخدة تسند ظهرها عليها فوق سرير لا تبرحه إلا عند دخولها الحمام؛ تخرج بعض الحلوي قائلة “خد يا ولة حلي بقك جبتلك أرواح”، فتعلو ضحكاتي وأسألها طيب أنا مين يا تيتا، فترد قائلة” أيهي أنت أبن سُخماطة، هو أنا مش عارفاك”.
تدخل عمتي فاطمة حاملة صينية الشاي وعليها قطع البسكويت، وتضعها على طاولة بجانبنا، تناولها كوب من الشاي، فترد يدها قائلة:
_مش عايزة سُخماط، قولت لك يا بت أعملي لي سد الحنك.
_يا ماما انتِ مش بتحبيها لما أعملها تقولي مش عايزة سُخماط.
عندما سألت عمتي عن معنى كلمة سُخماط ضحكت موضحة أن السخماط أي شئ لا تحبه جدتي، قاطعتنا الجدة لتحكي لي كيف تزوج جدي ثلاث مرات وأسكن ضرايرها معها في نفس السكن، وكيف كانت قادرة على إغاظتهن وضع أحجبة الكراهية لهن تحت الوسائد، وكيف كان جدي لا يحب غيرها. تصمت قليلا ثم تسهب في وصف الملابس الحريرية الملونة لتجذب زوجها الخائن الفار من حمر لياليها إلى بائعات الهوى، وعندما يعود كل ليلة لا يدري من سيبيت عندها لإفراطه في شرب الكينا فيطرق الأبواب الثلاث ليخرج سُكانها، ويسأل النسوة” دور مين الليلة يا ولية منك ليها؟” وبمجرد أن يسمع صوتها الضاحك” دوري يا سيدي الرجالة” يبتسم وهو يجرقدميه ليدخل غرفتها، ثم يتكوم فوق السرير؛ تحكم الغطاء على جسده؛ تتحدث إليه بصوت عال وتقبل يديها قبلة لها صوت يُزيق وتحدث جلبة يشعر بها النسوة فيبيتون كمدا، ويقطعن أيديهن بنصل حزنهن على يوسفهن، والتفاحة معها والسكين وحده لهن؛ فيكدن لها ويضمرن كيدهن. وفي الصباح يصحو الغدنفر ليجد طبق الفول الغارق في السمن البلدي وغارق أيضا في الملح؛ فيصفعها على وجهها ويتركها غارقة في الدموع.
تقص جدتي على مسامعي قصة جديدة عن جدي عند كل زيارة تختمها بجملة”الله يرحمه”، وعندما أسألها عن وصف جدي وطباعه، ترد بحدة” أهه سخماط زي كل الرجالة”… في كل زيارة أجلس أنا وعمتي لنستمع إليها بإنصات؛ جزء من علاج وصفه الطبيب لحالتها… يتحسس الطريق لصوتي مستندا على الجدران؛ أسمع وقع أقدامه المتخبطة فيما يقابلها إلى أن يجدني بجانبها أجلس على طرف سريرها؛ أقف لأحتضنه؛ يقبل جبهتي ويمسح على رأسي؛ تأخذ عمتي بيده وتجلسه على فوتيه بجانب الشرفة:
_أزيك يا محمد.
_بخير يا جدي أنت عامل إيه واحشني.
_أنا بخير والله لولا..ّّ!
تسأل جدتي عمتي فاطمة”مين دا يا بت؟” لا ترد وتتجه بنظرها إليّ. يرد بصوت ملءه شجن؛ بحتهُ آثار الكحوليات:
_أنا يا حكمت أبو عيالك.
تصرخ جدتي في وجه العمة فاطمة قائلة:
_مش قلت لك يا بت مش عايزة السُخماط.

لا تعليقات

اترك رد