التناص القرآني في مجموعة كنت اراوغ ظلي .. لمصعب بيروتية

 

يقول ت. تودورف: (من الوهم أن نعتقد أن العمل الأدبي له وجود مستقل، انه يظهر مندمجا داخل مجال أدبي ممتلئ بالأعمال السابقة)
نعم فالأدب ليس كائناً معزولا عن مؤثرات العالم حوله، وكذلك نصه فهو وريث لنصوص كثيرة سابقة له، تبدو ملامحها فيه كما يحمل الطفل جينات وصفات آبائه وأجداده.
ولقد بدت في مجموعة (كنت أراوغ ظلي) لمصعب بيروتية ملامح تعود إلى النص القرآني، هذا النص المعجز الذي لا يكاد كاتب قرأه ينجو من أثره، وقد تركز هذا الأثر في اقتباس مجموعة من القصص القرآنية والتركيبات اللغوية التي تنتمي أكثر ما تنتمي إلى قصص (النبي يوسف، النبي موسى، السيدة هاجر أم النبي إسماعيل وغيرها).
واللافت أن مصعب لم يقتطف إشارة أو علامة تدل على القصة القرآنية فحسب بل اتكأ على أجزاء واضحة من القصة كما وردت في النص القرآني، وزرعها ثيمةً فعالةً في نسيج القصائد. من ذلك قوله في (شباك1) :
كان يقبس من طور أحزانه ناره
متناصا مع قوله تعالى في قصة النبي موسى(ع) ((إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى))
وفي (شباك 5) نجد ذلك أيضا في قوله:
ولما توجّه تلقاء أنثى..
يعود بنا هذا التركيب إلى قوله تعالى :(( ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي إن يهديني سواء السبيل)) فنص مصعب يحمل غاية تتشابه بعض الشيء مع غاية موسى الذي كان غريباً وحيداً، فهداه الله إلى أنثى أصبحت زوجته في ما بعد، وكان الشاعر مصرحا ببحثه عن (امرأة تلم شماته)
وفي موضع آخر من المجموعة يطلع علينا التناص مع قصة موسى عليه السلام في قصيدة (كآخر أنفاس المساء)
كأن موسى عصاه الآن ضاربة
والماء من صخرة اللاشيء ينبجس
هذا البيت الذي استمد الفكرة بألفاظها (موسى، العصا، الضرب، الصخرة، ينبجس) من قوله تعالى ((وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا))
ومع قصة موسى أيضا يتناص قائلاً في (وكأي غيم كنتني):
وحملتني بيديّ ثم قذفتني
في اليمّ طفلاً كي تطول حياتي
مع قوله تعالى ((فاقذفيه باليم فليلقه اليم بالساحل)) والمثير أن مصعب لم يأخذ ألفاظ القصة فحسب بل قرّب غايتها في نصه، فعلل القذف باليم لإطالة الحياة، وهي عينها غاية أم موسى من قذفه في اليم، إذ كانت غايتها إنقاذه من الموت المحيق به.
وفي المجموعة الشعرية احتفاء جلي برمزية النبي يوسف(ع) وقصته فتستمد منها عددا من الصور في أكثر من موضع، منها قول الشاعر في (فضاءات ضيقة) :
ولم يكن يوسفي طفلاً
إذ سيحويه جبُّ
وقوله في (ردهة الصدى):
واخوته القوه في الجبّ
كان قولهم
في الثرى..أن يقتلوه ويطرحوا
وجاؤوا على قمصانه بدمٍ
وسوّلت نفسهم أمراً
فصبرٌ موضح
نلاحظ هنا أن الشاعر كان أسيرا لتراكيب آيات سورة يوسف اللغوية ودلالاتها المعنوية، فضلاً عن تقييده بالوزن والقافية مما بدا وكأنه يقدم نظما لقصة قدمها القرآن نثرا، وكان من جراء هذا التقيد ان جعل الشاعر ليوسف قمصانا بدل قميصه الواحد، وأبدل الصبر الجميل بالصبر الموضح..
بينما في قصيدة (قرب باب العمر) نجد التناص يصدر عن معالجة وتماهٍ مع دلالات النصوص القرآنية وهي محاولة تفوق سابقتها من ناحية النضج الفني، إذ يقول بيروتية :
وتزمُّ ماء الغيب في
صحراء وحدتنا..هناك
وكلما ذهبت تعود
يا هاجر انتبهي لنفسك
هذه الصحراء قاحلة
ويوسف في ظلام البئر يعجن خبزنا
وقوله من القصيدة ذاتها:
قالت: سيرجع.. لا تخف
إني لأقبس ريح يوسف
لن يطيل البعد عنّا
فهو هنا يستمد مجموعة من المشاهد المقتبسة من نصوص القرآن الكريم ليدخلها ضمن نسيج قصيدته المنطبعة بطابع سردي، فبين غربة السيدة هاجر وذهولها في واد غير ذي زرع، وبين وحدة يوسف في غيابة الجب، وانتظار يعقوب الطويل له وتنسم رائحته على البعد، مع ملاحظة إخفاق الشاعر في اختيار تركيب (يعجن خبزنا) إذ أن المعروف أن ما يعجن هو العجين وليس الخبز الذي تجاوز هذه المرحلة وإن كان ذلك ليس موضوع قراءتنا هذه .
عموما فالتناص هنا تجاوز النقل الحرفي لنصوص الآيات ليدخل كوحدات دالة غنية في نصوص مصعب.
وتكاد قصة النبي يوسف تحتل الصدارة في تناصات (كنت أراوغ ظلي)، اذ نجد ملامحها مرة أخرى في قصيدة (أغصان مبعثرة 2) حين يقول الشاعر :
الآن لا ملكٌ ليوسف
لا جبٌ يأويه
واخوته بلا خجل رموه
مبعثرا وسط الضباب
لم يقذفوه الى ظلام الجب
بل تركوه صيدا للذئاب
يستعمل الشاعر رمز (يوسف) كأيقونة تعبيرية عن الذات المخذولة المغدورة الضائعة المفلسة من الأمنيات السائرة إلى الهلاك المحتم، فيستعين بقصة هذا النبي، مقتبسا أحداث قصته ليدخلها بما تحمله من معانٍ إلى ساحة قصيدته، فتثريها.
ولا يقتصر التناص القرآني عند هذه الأمثلة التي ذكرنا بل احتل تركيب (قدّ القميص) المذكور في قوله تعالى (( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر)) احتل أكثر من موضع، إذ يقول مصعب في (أغصان مبعثرة)
تقدّ قميص عينيها
لتذكرني وتجهش بالبكاء
وفي قصيدة (خرز المدى) يقول:
قدّوا قميص الوقت من دبرٍ
درزوا دقائقه فما اندرزا
ولا يقتصر التناص القرآني على هذه الأمثلة بل يظهر أثر قصة السيدة مريم في مجموعة مصعب، وخاصة قوله تعالى: ((وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا))
وهذا المشهد الغني بالدلالة استمده الكثير من الشعراء موظفين إياه في نصوصهم توظيفا يتفاوت بين الحِرَفية الفنية والاقتباس المجرد.
ففي قصيدة نخيل أمنيتي يقول بيروتية :
أمي تربي نخيل أمنيتي
لكي تهز الجذوع والسعفا
وكذلك في قصيدة (لما هززت الحب) يقول:
ولما هززت الحب فوق قلوبنا
تساقط في الأحقاد منه نخيلُ
وفي قصيدة (امرّ على سمائك) يقول:
نفخت الروح في حلمي
وخلت الرؤى وهززت
فارتجف النخيل
ولا يخفى أن الشاعر هنا عضد تناص صورة هز الجذع بتناص قرآني آخر وهو نفخ الروح ليعود بالقارئ إلى قوله تعالى: (( ونفخت فيه من روحي))
ان اثر النص القرآني في مجموعة (كنت أراوغ ظلي) ليس أثرا عابراً أو طفيفاً، إذ وجدنا من خلال هذه القراءة تناصات عدة، على مستوى القصص القرآنية والتراكيب اللغوية، وختاما سأذكر أمثلة أخرى اعزز بها ما مر من قول، منها ما ورد في قصيدة ( كآخر أنفاس المساء) :
والليل عسعس
اذ فكت ستائره
إذ ضمه الصبح إذ أغوى به الغَلَس
وقوله في قماش الذكريات:
كأنها عرش بلقيس يحركه
علم من الغيب لم تسمع به سبأ

لا تعليقات

اترك رد