عرب العراق الشيعة بين السعودية وأيران


 

في هذه المقالة التي نشرها المحلل السياسي الامريكي اليكس ڤاتانكا في مجلة فورين افيرز الامريكية قبل ايام قليلة حول العلاقة بين شيعة العراق ( السيد مقتدى الصدر وقوى اخرى في العملية السياسية ) مع ايران من جهة ومع السعودية من جهة ثانية ، يقدم إشارات وفيرة حول تطورات جديدة تشهدها هذه العلاقة ولكنها لاتناقش السياق العام لها وماهي عوامل دينامياتها واتجاهاتها . وقد اشار ألكاتب الى قضية الوساطة بين ايران والسعودية ومايتردد من الحديث عن قيام أطراف شيعية عراقية بها كجزء من علاقة تنشأ بينهم وبين السعودية وتؤسس لما يمكن ان يكون نفوذاً لها في المستقبل .

شخصياً اعتقد ان هنالك ابعاداً اكثر عمقاً تتضمن صلات اجتماعية قبلية ذات طابع تاريخي فضلاً عن عوامل تتعلق بطبيعة المجتمع العراقي الشيعي التي ربما حجبتها ضغوط السياسة وضروراتها والذكريات غير السارة التي اختزنتها الذاكرة العراقية الجمعية عن الاذى المستمر الذي سببته السياسات السعودية للعراق منذ استقلاله وحتى اليوم بغض النظر عن هوية من حكمه ، وان فترات العلاقات الطيبة جاءت بمبادرات عراقية . اذكر اننا في منتصف السبعينات تلقينا توجيهاً في وزارة الخارجية مضمونه العمل على التقارب مع السعودية باعتبار انه لايمكن العمل على اي مشروع عربي ناجح دون كسب موقف السعودية الى جانبه رغم ادراك حجم التأثير الامريكي في صناعة القرار السعودي . كان المرحوم صدام حسين يعمل وفق قناعة مفادها ان الضغط على الاطراف العربية يدفعها نحو الشرق او الغرب خارج الاطار العربي ، ولذلك عمل على تعميق صلاته الشخصية بعدد من رؤوس الاسرة السعودية الحاكمة وفي مقدمتهم الأميرين فهد وعبدالله ، وكان لذلك ثماره الملموسة فيما بعد .

الشيعة العراقيون في أغلبيتهم الساحقة عرب أقحاح ومن أرومات عربية معروفة وموثقة . لقد قدموا الى العراق من الجزيرة العربية في موجتين رئيسيتين . الاولى مع الفتح الاسلامي وهي الموجة الكبرى ، ثم قدموا في موجة ثانية اصغر من الاولى بدءاً من أواخر القرن الثامن لاسباب عديدة منها التخلص من هجمات القبائل التي تحالفت على مذهب محمد بن عبدالوهاب . كانت القبائل النازحة على المذهب السني ثم تحولت ، بعد استقرارها وتوطينها وتحولها الى الزراعة ، الى المذهب الجعفري الأثني عشري أسوة بقبائل سبقتها في الاستقرار في ارض العراق قبل ذلك ببعض الوقت وخاصة في مناطق الجنوب وبعض الوسط لاسباب لامجال لبحثها في هذه المقالة ، ولكنها أسباب من طبيعة خاصة لم تمس الجوهر العروبي في ذواتهم وتركيب شخصيتهم فأصبحوا فيما بعد الشجرة القومية الوارفة التي أينعت طيفاً من الحركات العروبية مثل نادي المثنى وحزب الاستقلال وحركة القوميين العرب وحزب البعث ، كما قدمت دماء مئات آلاف الشهداء دفاعاً عن عروبة المشرق العربي .

يحدد المقال الذي أعرضه بعد هذه المقدمة محورين أساسيين للعلاقة بين السعودية والعرب الشيعة في العراق . الاول يتعلق بوساطة قائمة فعلاً او مفترضة تقوم بها أطراف شيعية ، رسمية او شعبية ، لتخفيف التوتر وربما مصالحة بين السعودية وايران ، والثاني يتعلق بمبادرة سعودية لتجسير الصِّلة مع بعض القوى السياسية الشيعية كمدخل لنفوذ سعودي في العراق ، ولنبدأ بقضية الوساطة .

لقد دار لغط كثير حول وجود وساطة عراقية شيعية بين ايران والسعودية ؛ يعود ذلك الى عام ٢٠١٦ حيث أعلن وزير الخارجية ابراهيم الجعفري استعداد العراق للوساطة اثر التداعيات التي اعقبت إعدام الشيخ نمر النمر في السعودية وقام حينها متظاهرون ايرانيون بحرق مقرات دبلوماسية سعودية في طهران ومشهد أعقبها قيام الجانب السعودي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ايران . جاء الحديث عن وساطة يقوم بها الصدر في ذات السياق ، ثم جاء اعلان وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي خلال زيارة قام بها مؤخراً للسعودية بان السعوديين قد طلبوا من رئيس الوزراء العبادي خلال زيارته للرياض في حزيران / يونيو الماضي القيام بالوساطة . أعلن الأعرجي ذلك من طهران ، أعقبه تصريح السيد بهرام قاسمي الناطق الرسمي بلسان الخارجية الايرانية حدد فيها شروطاً للحوار مع السعوديين في مقدمتها قضية ” ايقاف الحرب في اليمن وقبول الحقائق على الارض ” مؤكداً ان طهران لم تتلق أشارا واضحة تفيد برغبة السعودية تحسين علاقاتها مع ايران ، ثم تلاه اعلان سعودي ينفي قضية التكليف بالوساطة من اساسها بعد يوم واحد من تراجع الوزير الأعرجي عن تصريحه بشأن الوساطة ؛ استغرق هذا الموضوع بجملته اربعة ايام فقط . لكن أحداً لم يفسر لنا معنى تبادل العناق بين عادل الجبير وجواد ظريف قبل ايام قليلة خلال اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الاسلامي الأخير في اسطنبول ، فضلاً عن قيام السلطات السعودية بترتيب استقبال مميز لفوج الحجاج الايرانيين الاول في هذا الموسم ثم قيام السعودية باستقبال وفد دبلوماسي إيراني على هامش موسم الحج ، كما لم يفسر لنا احد الإطناب في الحديث حول موضوع الوساطة في وسائل الاعلام الايرانية بشكل خاص ونعرف انها وسائل ليست مستقلة عن الجهات الرسمية الايرانية ، كما لم يوضح لنا احد معنى التسريبات التي نشرها موقع Intercept الامريكي الشهير حول تبرم ولي العهد السعودي من حرب اليمن .

ان القليل فقط تحدث عن موضوع الوساطة من زاوية صحيحة بما يضعها في سياقها المناسب .

السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل كانت هنالك وساطة بالمعنى المفهوم للكلمة ؟ واذا كان الامر صحيحاً فهل تتوفر اي من مقومات النجاح لها ؟ وان لم تكن وساطة بالمعنى الصحيح فما هو سياقها الصحيح ؟! وهل ان السياسة السعودية تقوم على محاولة إصلاح العلاقات مع ايران مع خط موازٍ يقوم على تجسير العلاقة مع بعض القوى العراقية بما فيها قوى شيعية ؟! …

يفترض بالوسيط ان يقف على مسافة واحدة من جميع أطراف النزاع !! ويفترض فيه ان يمتلك قدراً من النفوذ ، الصلب او الناعم ، لدى أطراف النزاع ليمارس من خلالها الضغط عند الاقتضاء لجلب أطراف النزاع الى المنطقة الوسطى التي تتوازن عندها المصالح !! والوساطات تتم عادة لفض نزاع ما بشان خلاف محدد ، وتكون لهذا النزاع موضوعات وقضايا خلافية قد تصل أحياناً حد الصدام وتنازع النفوذ ولكن في اقليم محدد او على موارد محددة ، ولكن تبقى هنالك إمكانات لحلول وسطى تؤمن قدراً من متطلبات الاطراف المتنازعة ، وفيما عدا ذلك من نزاعات فانها تتجاوز نطاق الوساطات ؛ قد لاتأخذ صيغة نزاع مسلح مباشر ولكنها تأخذ شكل الحروب الباردة او حروب النيابة !! فأين نحن من كل هذه المعطيات في هذه القضية ؟ .

في احد اهم وآخر كتبه الذي صدر عام ٢٠١٤ تحت عنوان ( World Order ) ، كتب الدكتور هنري كيسنجر واصفاً طبيعة العلاقات الايرانية – السعودية بانها صراع وجودي ؛ هذا الصراع يتضمن بقاء النظام الملكي ، شرعية الدولة ومستقبل الاسلام ( ص ١٤١ طبعة Penguin ) . بغض النظر عن وجهة نظرنا بألرجل فانه دون أدنى شك احد اكبر علماء السياسة الدولية في تاريخ علم السياسة المعاصر ، واعتقد ان توصيفه على قدر بالغ من الدقة .

تمثل الدولتان في المشهد الحالي طرفي قراءة متشددة للاسلام ربما تتجاوز الكثير من المعاني التي يراها المسلمون الوسطيون فيه . لكن علاقة البلدين لم تكن على ذات القدر من السوء او المعادلة الصفرية المطلقة كما نراها اليوم ؛ في عهد الشاه السابق شهدت العلاقات بعض التوتر وشهدت الكثير من التعاون ، ويعود السبب في هذا التعاون الى وقوفهما في جبهة واحدة ضد القوى الثورية واليسارية بكافة فروعها والقومية الداعية للوحدة العربية التي رأى فيها الطرفان تهديداً مشتركاً وخاصة خلال فترة الخمسينات والستينات . لكن المواقف تباينت في قضايا اخرى مثل السياسات النفطية داخل منظمة اوپك وقضايا آمن الخليج ، واطماع الشاه المعلنة في هلال الجزر المنفردة الممتد من شمال الخليج العربي حتى جنوبه بما في ذلك جزيرة البحرين . هذا التباين في الرؤى قاد الى قدر من التوتر والتوجس في علاقات الطرفين ، لذلك ظلت العلاقات تشهد صعوداً وهبوطاً خلال تلك المرحلة . لكن المتغيرات التي شهدتها سياسات الشاه خلال السنوات القليلة الاخيرة من عمر نظامه ، وانصرافه عن النظر الى الخليج كمنطقة نفوذ إيراني منفرد ، مستعيضاً عن ذلك برؤية اخرى تتجه نحو جنوب شرق اسيا والمحيط الهندي ، أرست قدراً ملحوظاً من خفض حدة التوتر بين الطرفين ، خاصة وان البعد المتعلق بالنفوذ الرسمي الايراني داخل بعض الاوساط الشيعية الشعبية في المنطقة جراء التوتر بين نظام الشاه وأطراف مهمة داخل المؤسسة الدينية الشيعية في قم والنجف .. هذا البعد تقلص الى حد كبير في السياسة الرسمية لايران الشاه .

تغيرت العلاقات جوهرياً بعد قيام نظام الجمهورية الاسلامية في ايران ؛ اصبحت الاخيرة تقدم نفسها باعتبارها قائداً ثورياً بديلاً للعالم الاسلامي الرازح تحت الهيمنة الأجنبية والاحتلالات ، كما طرحت مبدأ ولاية الفقيه ورفعت شعار تصدير الثورة فشكلت بذلك اكبر تهديد للأسس التي قامت عليها شرعية الدولة والنظام في المملكة العربية السعودية باعتبارها راعي أقدس حرمين لدى المسلمين . هذا اللقب الذي حمله من قبل صلاح الدين الأيوبي ، ثم توارثه سلاطين ال عثمان منذ عهد السلطان سليم الاول ، ثم أعلنه الملك فهد بن عبدالعزيز لنفسه عام ١٩٨٦ إبان الحرب العراقية – الايرانية ؛ لم تعد العلاقة منذ ذلك الحين سوى علاقة تنافس على روح الاسلام ذاته لتبرير النفوذ داخل المنطقة والعالم الاسلامي رغم ماشهدته أحياناً من اتجاه نحو التصالح خصوصاً خلال التسعينات في خطوة لتأكيد عدائهما المشترك لنظام الرئيس صدام حسين ، لكن ذلك لم يدم لابعد من تاريخ سقوط صدام حسين على يد المحتل الامريكي .

كان الاحتلال الامريكي للعراق واتجاه سياسة الولايات المتحدة لإطلاق يد ايران في العراق من خلال استقدام احزاب الاسلام السياسي الشيعية وإطلاق يدها في البلاد ، وفي ذات الوقت قامت الولايات المتحدة بمنع اي طرف عربي من محاولات الدخول الى الساحة العراقية كما تم استبعاد الأخضر الإبراهيمي وغسان سلامة من مهماتهما الاممية بسبب توجهاتهما لاقرار دور عربي في العراق ، كما تم منع السعودية من الدخول الى الساحة العراقية وتم منع تأسيس مستشفى سعودي متنقل بعد الاحتلال مباشرة في إشارة واضحة الى عدم الرغبة في وجود عربي في العراق خلال تلك المرحلة ، وهو اجراء لم تفهمه السعودية جيداً واستمرت ثقتها مع ذلك بالسياسة الامريكية .. كل ذلك زاد من فرص ايران للتمدد في الإقليم وتوسيع نفوذها في كامل منطقة الهلال الخصيب الذي اصبح شائعاً تسميته بالهلال الشيعي ، وهي تسمية أطلقها الملك عبدالله الثاني وأصبحت مألوفة حتى من قبل بعض القيادات الشيعية مثل قيس الخزعلي الذي اعتبر ان الهلال ، مع دخول الحوثيين على الخط ، قد اكتمل ليصبح بدراً .

شهدت هذه المرحلة اشتباكاً بين الطرفين أخذ شكل حروب النيابة على الساحة العراقية منذ العام الاول للاحتلال في ٢٠٠٣ أولاً ، أعقبتها الساحة السورية ثم البحرينية ثم اليمانية منذ عام ٢٠١١ في إطار الثورات الشعبية العربية التي عرفت بالربيع العربي .

في العراق قام الايرانيون بتعزيز نفوذهم من خلال نشر ظاهرة المليشيات المسلحة منذ الأيام الاولى للاحتلال الامريكي على نطاق واسع مستفيدين من ظروف الفوضى وغض الطرف من جانب الأمريكان { ملاحظة : وفقاً للوثائق المتوفرة الان فان تحذيرات من عدة جهات وصلت الى البنتاغون حول تسرب مليشيات مسلحة مدعومة ايرانياً منذ الأيام الاولى للاحتلال الامريكي الا ان سلطات الاحتلال لم تقم باتخاذ آية اجراءات باعتبارها منشغلة بامور اكثر أهمية } ثم قاموا بنشر العديد من المليشيات المحلية والمستوردة من العراق وافغانستان وپاكستان ومقاتلين من الحرس الثوري الايراني في سوريا لمواجهة القوات المعارضة لنظام الرئيس الأسد . اما في البحرين فقد اندلعت اعمال عنف بدات باحتجاجات عنيفة قامت بها قوى شيعية محسوبة على ايران ومدعومة من قبلها وأخذت شكل اعمال عنف هددت باسقاط النظام في مارس / اذار عام ٢٠١١ { ملاحظة : رغم الطابع الطائفي الواضح للتحرك الشعبي في البحرين الا انه لابد من الإشارة الى ان النظام السياسي بحاجة مؤكدة للإصلاح . من غير المعقول ان يبقى عّم الملك رئيساً للوزراء منذ عام ١٩٧٠ } ، اما في اليمن فقد استولت مليشيا الحوثي المدعومة عسكرياً ومالياً وسياسياً من قبل ايران على العاصمة وطردت الرئيس عبد ربة منصور هادي في سبتمبر / أيلول عام ٢٠١٤ .

لقد كان الوضع بشكل عام يتجه لصالح ايران التي حظيت نشاطاتها في المنطقة برؤيا منظمة مسبقة مشفوعةً بسكوت امريكي رغم ما صدر أحياناً على لسان بعض القيادات العسكرية بشأن ما تقدمه ايران من دعم لمليشيات قامت ببعض اعمال المواجهة المسلحة المحدودة ضد القوات الامريكية في العراق لكنها لم تكن تشكل تهديداً جدياً وتم التعامل معها بسهولة بحكم صلات التفاهم الامريكية – الايرانية مع دوافعها المعروفة .

اتخذ الرد السعودي على هذه التحركات الايرانية أشكال متعددة . في سوريا تم تقديم الدعم للعديد من التنظيمات المسلحة منها ما كان يعتبر فروعاً للقاعدة ، لكن الحكومة السعودية تؤكد انها لم تقدم دعماً حكومياً للجماعات الاسلامية المتطرفة ، غير ان السعودية شكلت معيناً مهماً للمتطوعين وللدعم المالي لنشاط هذه التنظيمات وهي قضية لم تحظ ، ان احسنا الظن ، بملاحقة او متابعة حكومية لإيقافها او الحد منها . ومن قبل كان الوضع في العراق على هذه الشاكلة حيث حظي التمرد ، الذي يتم وصفه عادة بالسني في الاعلام الغربي ، بالكثير من الدعم السعودي والخليجي . وفي لبنان ظلت قوى تيار المستقبل المناهض لحزب الله والوجود الايراني تحظى بالدعم السعودي كما جربت السعودية تقديم الدعم للجيش اللبناني لتقليص دور حزب الله في منظومة الامن الوطني اللبناني ولكن دون نجاح يذكر لان الجيش في نهاية المطاف يبقى رهن بالموازنات والقرار السياسي وهو يميل لصالح الكتلة المؤيدة لايران . في البحرين تم الزج بقوات من درع الجزيرة لتعزيز موقف النظام الامر الذي عزز قدرة الحكومة البحرينية على معالجة قضية الاحتجاجات بمزيد من القوة والقمع وهو ما اثار ردود فعل دولية كثيرة . في هذه الساحات ماتزال الأمور بين أخذ ورد ، كما يشهد معدل العنف تفاوتاً .

لعل التحدي الأكثر جدية والذي واجهته السعودية هو التمرد الحوثي في اليمن حيث اتجهت السعودية الى القوة العسكرية السعودية للتدخل مباشرة في محاولة لاعادة الشرعية الا ان الأوضاع تتجه بشكل يجعلها قابلة لان تتحول الى مستنقع يستنزف الكثير من القدرات العسكرية والمالية ، والاهم فقد بدأت حركة معارضة دولية للتدخل العسكري السعودي وبذلك اصبحت السعودية عالقة في قضية لايبدو ان لها مخرجاً الا بالحوار ومحاولة ارساء تسوية سياسية وهو الموقف الذي اخذت تتبناه الولايات المتحدة وأعلنه ترامپ شخصياً خلال زيارته للسعودية فضلاً عن أطراف عديدة مثل روسيا والاتحاد الاوروپي ؛ الى اي حد يمكن للسعودية ان تمضي في هذا الاتجاه ؟! ليس هنالك تقدير واضح خاصة وان اي تراجع في الموقف سيعد مكسباً لايران .

في كل أشكال المواقف التي تبنتها السعودية كانت هنالك عوامل مشتركة أهمها انها كانت ردود افعال وتنعدم فيها الرؤيا الستراتيجية الموحدة فضلاً عن الفشل في تشكيل تحالفات واضحة وفعالة ، فضلاً عن التعويل على الحليف الامريكي الذي لم يقدم سوى الخذلان ، وكانت النتائج العامة تقدماً مستمراً للمشروع الايراني .

في اهم وآخر محاولاتها لاحتواء التوسع الايراني في المنطقة وبعد الامال التي اوحت بها تصريحات ترامپ الرئيس الامريكي الجديد ، بادرت السعودية الى الدعوة لمؤتمر قمة إسلامية – امريكية يعقد في الرياض في مايو الماضي لإعلان البدء بتشكيل تحالف إسلامي ” سني ” – امريكي لمواجهة التطرّف الاسلامي ( الاسلام السياسي السني ) والطائفية التي نسبت لايران وتم اعتبارها راس الأفعى الطائفية ، وفق تعبير الملك سلمان . هذا التحالف لم يعمّر سوى ليلة واحدة حيث اندلعت أزمة قطر على خلفية تسريبات إعلامية مفبركة كما اكدت مصادر امريكية ذات اعتبار . لقد تم وضع البيض كله في سلة ترامپ الذي يغرق الان في فضائح سياسية داخلية من العيار الثقيل قد تجبره على الاستقالة وفق اكثر من مصدر امريكي واخرهم كاتب سيرة ترامپ ذاته ، في هذا اليوم ( ١٨ اب ) قام باقالة ستيڤ بانون كبير المخططين الاستراتيجيين والأيقونة الأيديولوجية للترامپية في سلسلة اقالات لأركان الادارة قبل ان تكتمل تشكيلتها ، ولايبدو انها ستكتمل .

هذه هي الصورة العامة للموقف حتى الان . واذا أردنا ان نفهم قيمة آية وساطة وفرصها ومدى واقعيتها لابد من استحضار هذه الخلفية . فهل تشكل الورطة الحالية للسعودية وتراجعها المستمر في المنطقة سبباً كافياً للجوء الى وساطة العراق لفتح صفحة اقل توتراً من العلاقة مع ايران ؟ هذا امر محتمل ، بل انه قد تم على الأرجح ، لكن ايران استخدمته في مناورة إعلامية ودبلوماسية بارعة لإظهار مدى ضعف خصمها ثم صرفت النظر عنه واعلنت شروطها التعجيزية لانها تدرك ، وهي على صواب ، ان مفاتيح مشاكلها في المنطقة ليست في الرياض بل في واشنطن وهي تراقب عن كثب مجريات الأمور في الولايات المتحدة وهي على قناعة كاملة بان الولايات المتحدة لن تصل حد المواجهة العسكرية المباشرة معها ، وتراهن بقوة على تحالفها مع روسيا اضافة إلى شراكاتها الاوروپية فضلاً عن الركائز التي أسستها في المنطقة ، وخاصة العراق ، والتي اصبح من المستحيل اقتلاعها سواء من قبل الولايات المتحدة او السعودية وفق تقديرات صحيفة نيويورك تايمس الامريكية في مقالة راي يوم ١٥ / اب .

في جميع المناطق التي اشتبكت فيها السعودية مع ايران من خلال أطراف ثالثة في نوع من حروب النيابة وقعت السعودية في شرك نصبته لها ايران بأحكام وهو شرك الطائفية . لقد قدمت السعودية نفسها باعتبارها قائدة العالم السني في مواجهة المشروع الطائفي الشيعي . تخلت عن الخطاب القومي الذي لم يشكل من الأساس بعداً جوهرياً في مواقفها او خطابها السياسي ، ولكنه كان مهماً ومناسباً للخروج من دائرة النزاعات الطائفية التي تجيد ايران لعبتها وتمتلك أدواتها ؛ في ذات الوقت لم تحسن السعودية ادارةٍ ملف قيادة ” العالم السني ” حيث زجت نفسها في صراعات جانبية ولكنها كبيرة مع أطراف فاعلة في فضائه الواسع ، بل راحت تنتهج سياسات صنع المحاور داخله في الوقت الذي عملت فيه ايران على تجميع شتات من الأقليات المحسوبة على تيارات التشيع المختلفة رغم انها تاريخياً ومازالت موضوع فتاوى تكفير صدرت عن مراجع الشيعة الاثني عشرية ، من هؤلاء العلويين والإسماعيليين والدروز ، بل واحتضنت عديداً من حركات الاسلام السياسي السني التي تحظرها الحكومات المتحالفة مع السعودية .

في مثل هذا الوضع المعقد ، هل يمكن الحديث عن وساطة .. وتحديداً عراقية ؟! وفق معلومات شخصية فأنه تم الطلب من العبادي خلال زيارته للسعودية القيام بنقل رسالة الى ايران ويبدو ان الامر قد لقي قبولاً مبدئياً من جانب طهران ، فتم تكليف السيد الأعرجي لإتمام المهمة فقام بزيارة السعودية ثم ايران وبعدها أعلن عن الموضوع لكن الرد الايراني جاء على غير توقع : الاستعداد المبدئي للحديث مع السعوديين ولكن بشروط واولها إيقاف الحرب في اليمن ! هذا النوع من المناورات الايرانية امر مالوف لانها تعرف سلفاً ان السعوديين لن يقدموا اليمن هدية باردة لحلفائها الحوثيين ، رغم ان القضية برمتها اصبحت تثقل السعودية على الصعيدين المادي والسياسي مع تكرار توارد الأنباء عن الوضع الإنساني المتردي في اليمن جراء الحرب ، اما النفي السعودي للتكليف فأظنه لم يكن موضع تصديق من جانب المراقبين .

من جانب اخر فان التكليف لم يكن موفقاً . لو كان الوسيط غير عراقي لأتخذ موقفاً اخر وكان سيعلن ان الجانب الايراني يقوم بالمراوغة ولاتتوفر لديه الإرادة الحقيقية للبدء بحوار جاد دون شروط ؛ مامعنى اعتبار ايقاف الحرب في اليمن كشرط مسبق ؟ مالذي سيتبقى للحوار اذا كانت القضية الكبرى ستنهى قبل البدء به ؟! لكن الوسيط لم يكن سوى احد أدوات طهران وبالتالي فقد قبل على نفسه ان يكذب نفسه بإعلان بائس عبروسائل اعلام عراقية مؤكداً عدم وجود تكليف بالوساطة راضياً ان يكون الموقف برمته على حساب مصداقيته ، فيما واصلت ايران استثمار الموقف سياسياً ودبلوماسياً وواصلت وسائل اعلامها الحديث عن التوسل السعودي للوساطة وان ايران ترفض من موقع القوة .. وهذه هي لعبة ايران المفضلة !!

اما توسط الصدر فهو خارج الصدد اصلاً لان الرجل لايحظى بقبول كبير في ايران وربما لايحظى بالثقة الكافية لمثل هذا الدور . ما يعزز هذا الرأي هو ان الرجل ذهب لزيارة اكثر من قطر عربي ويبدو انه يحاول بناء جسور مع المحيط العربي على سبيل تعزيز موقفه الداخلي عراقياً وقد يدفع ذلك ايران لاعادة النظر في موقفها من تياره الذي يشكل ثقلاً مهماً في الشارع العراقي وان معاداته ليست في مصلحة طهران . في ذات الوقت فان الصدر قد يكون أفضل ممر يؤمن للسعودية وحلفائها الولوج للساحة السياسية العراقية التي اقتصر نفوذهم فيها على كتل محسوبة على السنة رغم هويتها الشخصية الشيعية مثل السيد اياد علاوي .

فإذا كانت الوساطة امراً مستبعداً في الوقت الحاضر لعدم نضوج ظروفها فهل لدى السعودية فرصاً تؤهلها للدخول الى الساحة السياسية العراقي من خلال حركات شيعية او حتى سنية ذات تأثير ؟ . في تقديري المتواضع ان السعودية كانت تحظى بفرص كبيرة في العراق للاعتبارات القبلية والتاريخية لكنها أفرطت في الثقة بالامريكان ولم تقرأ الموقف قراءة جيدة كما استخدمت الورقة الطائفية التي تفرق ولاتجمع .

لقد توفرت للسعودية من قبل فرصة تاريخية في العراق حينما تمت المصالحة واللقاء بين الامير عبدالله والسيد عزت ابراهيم في قمة بيروت عام ٢٠٠٢ وكان لذلك الموقف ان يتحول الى مصالحة تاريخية لو احسن السعوديون قرائتها واستثمارها وقد كانوا يقودون العالم العربي انذاك دون منازع ، ولكنهم كانوا في ذلك الوقت ينسقون مع الأمريكيين حول احتلال العراق ولم يحسبوا انهم يهدمون السد الذي حال بين ايران وتحقيق اطماعها التوسعية في الإقليم ؛ فأما انهم أساؤوا قراءة الموقف الستراتيجي العام او انهم لم يفهموا الدوافع الامريكية وراء احتلال العراق ، ومن يقع في اي من هذين الخطأين ليس مؤهلاً للعودة الى العراق مجدداً .

رغم عروبة العراق التي لإيجادل فيها احد ولم تكن يوماً موضع شك فان تراكماً كثيراً وثقيلاً من عدم الثقة بل ربما الكراهية للسعودية قد ترسخت في نفوس العراقيين بكثرة وثقل كل روح عراقية ازهقت بسبب سياسات حمقاء عمياء تغاضت عن كل حقائق الجغرافيا والتاريخ لخدمة مصالح قوة كبرى تستخدم حلفائها كما تستخدم آية اداة وترميها بعد انتهاء الحاجة اليها .

ان الترويج لتحالفات وهمية لم نرى أثراً لها على ارض الواقع ، او لبرامج ومشاريع اقتصادية ذات انفاس طائفية مقيتة مثل مشروع الأنبار او الإقليم السني في العراق ، او التحالف مع حفنة من اللصوص ممن يتسترون بالإسلام السني لن يعوض الفرص التاريخية التي أهدرتها قلة البصيرة السياسية . ان ايران لاعب ماهر وتسيرها پيروقراطيا تجاوز عمرها خمسمائة عام ومن العبث استعداء أطراف وقوى خارجية للتعامل معها رغم ماتمثله من خطر التوسع . الحل هو العمل السياسي المكافئ المحترف النابع من رؤيا وروح المنطقة يبدأ بالحوار وبتدرج ان اقتضى الامر الى المواجهة بعيداً عن عبث صبيان السياسة والأنفاس الطائفية لاعادة ترميم المنطقة . شعوب هذه المنطقة تمتلك الكثير من المؤهلات والموارد ولكن تنقص نخبها الحاكمة حكمة السياسة فيما تجاورها دولتان لهما تراث وخبرات تراكمت على مدى قرون وقد ورثتاها عن جدارة واقتدار ، واعني بهما ايران وتركيا . انهما مشروعان توسعيان ناجحان ، كل بوسائله ، حتى اللحظة . تعرفان جيداً كيف تختاران لحظات ومواقع الخصومة او التوافق وفق ماتقتضيه مصالحهما ، وقد افلحتا حتى الان في اختيار المناطق الوسطى التي تلتقي عندها مصالحهما في حدودها الدنيا ؛ ولن يوقفهما عند حدودهما غير مشروع عربي مماثل ، فهل تستطيع السعودية تقديم واعادة انتاج نفسها وصياغة تحالفاتها بذات القدر من النجاح ؟! هنا يبدأ السؤال وهو ذاته الجواب على نفسه !!

كاتب المقال باحث ضليع في شؤون المنطقة وهو باحث اقدم في معهد الشرق الاوسط كما سيصدر له قريباً كتاب تحت عنوان ” صناعة السياسة الخارجية الايرانية ” ، لنتابع اهم ماجاء في المقالة :

يتحدث المقال عن الانتخابات العراقية القادمة ويبدو ان بعض المجموعات الشيعية تريد دخول هذه الانتخابات وهي تقدم نفسها للناخب العراقي بعد تاكيد فك ارتباطها بايران . تعتقد ايران ان طرد داعش سيفتح الباب على حوارات سياسية عراقية داخلية من شانها سد الطريق على التدخلات الايرانية وان ذلك سينعكس على مشروع ايران للهيمنة في المنطقة . هذا الامر تتم مناقشته في طهران ويتم التساؤل هناك عما اذا كان ذلك مجرد زوبعة في فنجان ام انه يقظة وطنية شيعية عراقية .

ان اي تطور في العراق بهذا الاتجاه سيؤثر على موقف ايران في الإقليم . لقد ظهر القلق واضحاً في طهران حينما قام مقتدى الصدر بزيارة جدة أواخر تموز / يوليو . تدرك ايران ان تزعزع نفوذها على شيعة العراق سيبطئ خططها لتوسيع نفوذها الايديولوجي في المنطقة .

ان ايران معنية بكل تطور سياسي يطرأ في الوسط الشيعي العراقي ولسبب بسيط وهو ان ماتحقق لايران من نفوذ في العراق ربما يكون إنجازها الأكبر في مجال السياسة الخارجية بعد تأسيس حزب الله اللبناني عام ١٩٨٢ .

كانت زيارة الصدر للسعودية مصدر استغراب في طهران رغم ان هذه الشخصية عرفت بميولها الوطنية ومعارضتها للجماعات الشيعية المتحالفة مع طهران . لقد شكلت الزيارة واستقبال الصدر من قبل ولي العهد السعودي مصدراً للكثير من التكهنات في طهران نظراً لتصدر السعودية الجبهة المناهضة لطهران .

سبق للصدر ان قام بزيارة السعودية عام ٢٠٠٦ أعقبها بقضاء ثلاث سنوات كلاجئ في ايران بسبب ملاحقته من قبل الأمريكان على خلفية نشاطه في حركة التمرد ضد الأحتلال . كان موقفه انذاك يتسم بالتناقض . كان يعارض نفوذاً كبيراً لايران في العراق في وقت كانت الاخيرة تؤمن له فيه ملاذاً أمناً . بشكل عام فانه ليس معروفاً على وجه الدقة حجم التأثير الذي تستطيع ايران ممارسته عليه . لقد ألقى بثقله خلف المالكي الذي تؤيده طهران بعد عودته عام ٢٠١١ الى العراق ، ومنذ ذلك الحين وحتى عام ٢٠١٦ وجه الكثير من الانتقادات للسعودية على خلفية سياساتها تجاه البحرين واليمن .

ينظر الايرانيون الى الصدر على انه يحاول تمييز نفسه عن جمهرة التيار الشيعي السائد من باب تأكيد دوره المميز في السياسة العراقية وان زيارته الى جدة تقع في هذا الاطار باعتبار ان الموقف من السعودية يشكل وسيلة لإظهار ذلك رغم انه من غير الواضح مدى قدرته على مواصلة هذا الموقف على المدى البعيد . ان الصدر شانه شأن اي لاعب سياسي ملزم بالمشاعرالشعبية خاصة وان قواعده تتشكل أساساً من فقراء الشيعة حيث تشكل العلاقة مع السعودية قضية حساسة في اوساطهم مما يقيد توجهه نحو الرياض . على آيه حال فان الموقف يعتمد على نتائج التدخل السعودي في اليمن والبحرين . لكن طهران تعتقد ان الصدر يطمح للحصول على دعم الكتل السنية او الشيعية التي تدعمها السعودية مثل كتلة رئيس الوزراء السابق اياد علاوي .

لقد كانت حيرة طهران حول الزيارة واضحة ؛ زعمت طهران في البداية ان الزيارة تمت بتنسيق معها ووفقاً لذلك فانه يمكن الافتراض ان الصدر كان يقوم بدور الوساطة بين الايرانيين والسعوديين . لكن هذا التفسير الايراني سرعان ماتهاوى حينما أعلن الصدر دعوته للحكومة العراقية لحل المليشيات المنضوية تحت الحشد الشعبي بعد عودته الى العراق في الوقت الذي شكلت هذه المليشيات اداة ايران الرئيسية في العراق وسوريا ، ولكن رئيس الوزراء العبادي رفض دعوة الصدر وأكد بقاء الحشد الشعبي تحت إمرة المرجعية والحكومة .

من جانبها اعلنت الحكومة الايرانية ان الصدر ليس في الموقف الذي يسمح له بالحديث عن مستقبل الحشد الشعبي وهو الذي امتنع عن زج مليشياته الخاصة في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية ، ويبدو ان ايران ستعمل على تقليص دور الصدر في الحوار الوطني العراقي الذي سيعقب دحر تنظيم الدولة . ربما سيواصل الصدر هجومه ضد ايران ولكن ايران تمتلك القدرة على جعل ذلك عامل انقسام داخل التيار الصدري وهو مافعلته سابقاً .

على آية حال فان الحشد الشعبي يمثل عنصراً ذو اولوية قصوى بالنسبة لايران ورافعة نفوذها الرئيسية في العراق واحد أدواتها الرئيسية لتعزيز وتوسيع نفوذها في المنطقة . هذا دور لايمكن لحكومات بغداد او دمشق القيام به .

ان الصدر على وعي كامل بان هجومه ضد الحشد الشعبي يمثل تحدياً للحرس الثوري الايراني وهو هجوم لن يمر دون رد لان ايران تدرك انه اذا ماكان الصدر قادراً على تحويل وجهته عنها فان جماعات شيعية اخرى قد تحذو حذوه رغم ان فك ارتباط هذه الجماعات بايران سيكون صعباً ويستغرق وقتاً طويلاً ( انتهت المقالة ) .

* Iraq’s Shiites Test Iran

?Is Tehran’s Leverage Slipping

By : Alex Vatanka

Foreign Affairs – Monday 14 , 2017

المقال السابقالإسلام والمثلية الجنسية
المقال التالىالسُخماط
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد