الحق في الأمل

 
الصدى الامارات

بقدر ما كان سيجموند فرويد عالم النفس النمساوي واقعياً، فقد كان في الوقت نفسه تجريبياً، ومع دراسة وقائع وحالات مرضية، كانت محاولته لتفسير الأحلام إحدى وسائل العلاج وأدواته للشفاء، وذلك ببعث الأمل، فقد كان يدرك أن لا أمل حقيقياً إلاّ بالأمن الروحي والنفسي، ولذلك جعله موازياً للكرامة الإنسانية، وأحياناً يزيد عليها، خصوصاً في ظل اندلاع الحروب والنزاعات الأهلية واحتدامات الصراع، حيث يهيمن العنف والإرهاب على المشهد العام، ويغيب أو يضعف الحفاظ على الأمن، الذي تصبح إعادته وتحقيقه لها الأولوية حتى على الكرامة ذاتها، إذْ لا يمكن تأمينها دون تحقيق الأمن.

ولهذا يقال لا كرامة حقيقية بانعدام الأمن، ومن دون الكرامة سيصبح الأمن نوعاً من التسلّط والاستبداد، وبالأمن يرتفع منسوب الأمل الذي يمكن للإنسان بواسطته مواصلة كفاحه من أجل حقوقه، وحسب فرويد فإن الحق في الأمل يتقدّم على بقية الحقوق.
استعدتُ ذلك لمناسبة الإعلان عن وزارة للتسامح وأخرى للسعادة في دولة الإمارات، وأجدني منشداً في هذه المقالة إلى الخلفية الفكرية الذي تأسست عليها هذه المبادرة الحيوية، ذلك أن تحقيق السعادة لأي فرد أو مجتمع يتعلّق بالأمل في تحسين أوضاعه وظروف حياته الفردية والجماعية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لاسيّما حرّياته وحقوقه الأساسية، بحيث يصبح «الحق في الأمل» هدفاً يتطلّب بلوغه تجاوز الشر، والشرّ حسب ابن سينا هو «العدم»، في حين كان الفارابي ينظر إلى الأمل بكونه وسيلة وهدفاً لبلوغ سعادة الإنسان.

في واقعنا الراهن فإن الأمن الإنساني هو طريق الأمل للوصول إلى السعادة، لأن الإنسان هو محور وغاية أي نشاط اجتماعي أو فاعلية بشرية، أياً كانت التسمية التي نطلقها عليها، سواء كانت فكرية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو قانونية أو نفسية أو تربوية أو دينية أو غير ذلك.

وإذا كان الإنسان حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس «مقياس كل شيء» وهو هدف أي دين أو فلسفة أو نظام اجتماعي، فإن كل ما يتعارض معه، سيتعارض مع فكرة الخير والسعادة التي يسعى للوصول إليها، والأمن بقدر ما هو حاجة إنسانية، فإن المجتمعات التي تنعم به تجده الطريق نحو السعادة ربطاً بالكرامة، وهذه لن تتأتّى من دون سيادة قيم التسامح «والحق في الدفاع عن الحق» والتمسّك به، من خلال الاعتراف بالآخر والإقرار بالتعدّدية والتنوّع، وذلك يشكّل جوهر التسامح وفرضياته الأساسية، خارج نطاق الإجماع المصطنع.

هذه المعادلة وجدت طريقها للتقنين في دولة الإمارات العربية المتحدة، حين تم جمع ثلاثة عناصر في مبادرة واحدة: السعادة وهي الحلم الذي ظلّت البشرية تسعى إليه على مختلف العصور ويقاس درجة قبول ورضا المجتمع بتوفّر أركانها المادية والمعنوية. والتسامح وهو إحدى الوسائل للوصول إلى السعادة، من خلال إقرار الحقوق والواجبات، فلم تعد الفكرة ذات بعد أخلاقي فحسب، بل اكتسبت طابعاً حقوقياً وقانونياً، وضمن ضوابط محددة، وسيعني تجاوزها أو انتهاكها خرقاً للحقوق التي تستوجب الالتزام، أما المستقبل فقد تجلّى بتعيين وزراء شباب، وفي تلك الأركان الثلاثة عناصر جديدة للدولة الفتية الشابة.

وإذا كانت بعض مستلزمات السعادة تفترض توفير مستلزمات مادية ومعنوية ضرورية، فإن تحقيقها والوصول إليها من خلال التنمية المستدامة، لا يمكن إلاّ أن يتجلّى بمساهمة الشباب ودوره الريادي، لاسيّما وهو يمثّل نصف المجتمعات الشابة، ومن دونه لا يمكن إحداث التنمية المنشودة. ولكي يحصل التقدم الحقيقي، فالأمر بحاجة إلى وضع منظومة التسامح وتعليمه وممارسته في باقة من القوانين والسياسات والمناهج والمبادرات التربوية والمدنية.
والتسامح يعني الوقوف ضد ثقافة الكراهية والتعصّب والتطرف وجميع أشكال التمييز بين أي شخص يقيم في دولة الإمارات ومن يكون مواطناً فيها، كما جاء في كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وهي فكرة وجدتها متقدمة قانونياً: بمساواة الأجنبي بالمواطن، ولها دلالات إنسانية مهمة ليس على صعيد الحاضر فحسب، بل على صعيد المستقبل، الذي يحتاج إلى حزمة قرارات لوضعها موضع التنفيذ، وهو ما يذكّرنا بحلف الفضول من العام 590-595 ميلادية، حين اجتمع فضلاء مكة في دار عبدالله بن جدعان واتفقوا على ألا يدعوا مظلوماً من أهلها (أي مواطن) أو من دخلها من سائر الناس (أي أجنبي) إلاّ ونصروه وأعادوا الحق إليه من ظالمه، وقد ألغى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جميع أحلاف الجاهلية واستبقى على حلف الفضول وحده.

يقول الشيخ محمد بن راشد: لذلك عيّنا وزيراً للتسامح، أي وزير لجعل المساواة واقعاً فعلياً قائماً. ويضيف بتعميم نظري مهم: لا مستقبل لهذه المنطقة دون إعادة إعمار الفرد وترسيخ قيم التسامح والتعدّدية والقبول بالآخر، فكرياً وثقافياً وطائفياً ودينياً. وأعتقد أن فكرة من هذا النوع جديرة بالاهتمام، الأمر الذي قد نحتاج فيه إلى عقد عربي للتسامح، لتعميم قيمه والتربية عليه وعلى ثقافة السلام واللّاعنف.

لقد قرأت الكلمة المهمة التي كتبها الشيخ محمد بن راشد مؤخراً ردّاً على الكثير من الاستفسارات لماذا وزراء للسعادة والتسامح والمستقبل في حكومة الإمارات؟ ووجدت فيها أفكاراً تستحق المناقشة منها: فكرة عدم الحاجة إلى «قوى عظمى خارجية» لوقف الانحدار في منطقتنا. وأكثر من ذلك الإشادة ب «القوى العظمى الداخلية»، التي هي جديرة وبإمكانها ومستطاعها التغلب على موجة الكراهية والتعصّب التي تضرب نواحي الحياة في الكثير من دول المنطقة (العربية والإسلامية).

الأمر يحتاج حسب كلمة الشيخ محمد بن راشد إلى مبادرات وبرامج على جميع القطاعات الحكومية والمدنية، وخصوصاً إذا ما تحوّل العمل المدني إلى قوة اقتراح للقوانين والأنظمة والبرامج والسياسات وفي الوقت نفسه للرصد والمراقبة، أي الشراكة في اتخاذ القرار والتنفيذ، ولعلّ تعيين وزير للمتابعة سيكون له أثر كبير في عملية التطور والتغيير. إن المبادرة الإماراتية الجديدة والجريئة لها أركان ثلاثة أولها – التشجيع على تنمية منظومة القيم الإنسانية والمادية والروحية وثانيها – الإيمان بدور الشباب اللّامحدود وطاقاتهم الخلاقة في الإدارة والتنفيذ وثالثها- نشر ثقافة التسامح واللّاعنف وثقافة الاعتراف بالآخر ونبذ الكراهية والإقصاء والتهميش لتهيئة بيئة حاضنة، وذلك كلّه يسير في سلّم السعادة المتصاعد والذي ليس له ضفاف.

الاستجابة لتطلّعات الشباب أمرٌ في غاية الأهمية، وهو ما أكدته التجربة الإنسانية الكونية وتجربة «الربيع العربي» مؤخراً، فكم كان التنكّر فادحاً من جانب الدول التي أدارت ظهرها لهم وسدّت الأبواب بوجههم، الأمر الذي كان يعني سدّ نوافذ الأمل، فانغلاقها يؤدي إلى الاحتقان والعنف والفوضى والإرهاب، وهو ما شهده عددٌ من البلدان العربية.

لا تعليقات

اترك رد