يحرم منه مستحقوه … ليزداد ثراء محتكروه:” الزيت المدعم “

 

تشهد السوق التونسية منذمدة تذبذبا واضحا في توفّر الزيت النباتي الغذائي ( أو زيت الحاكم مثلما يعرف عند عامة الناس ) وصار هذا النوع من الزيت مفقودا بصفة تكاد تكون مستمرّة. وأمام هذا الوضع المحيّر بات الجميع يتساءل عن اسباب هذه الازمة و اسباب فقدانه وهل تعود الى سوء التوزيع ام الى لأشياء اخرى جعلت من هذا النوع من الزيت ” يضلّ طريقه ” من مستحقّيه الحقيقيين وهم أفراد الشعب التونسي العاديين ليقع بين أيدي مستخدمين آخرين يستغلّون دعم الدولة لهذه المادة الأساسية لاستعماله في غير محله وتحقيق الأرباح من ورائه على حساب الأغلبية الساحقة التي لا تقدر الا على استعمال هذا النوع من الزيت
و اشار تقرير للبنك الافريقى للتنمية نشر مؤخرا الى ان التونسى الفقير لا يحصل إلا على 64.8 دينار سنويا من منظومة الدعم فى حين يحصل التونسى الثرى على 86.9 دينار
%الوردات تفوق حجم الاستهلاك بنسبة 20
. اجمع اغلب المواطنون وتجار التفصيل على تراجع كميات التزود بالزيت النباتي المدعم بصفة ملحوظة بعد الازمة التي عرفها القطاع منذ ثورة 14 جانفى
البيع المشروط ….البيع للحرفاء فقط …عدم بيع أكثر من لتر واحد لكل حريف ….وترقب الدور الذي يصل إلى أسابيع للحصول على قنينة زيت نباتي مدعم … تلك هي بعض التفاصيل التي يعشها الموطن التونسي يوميا من اجل الحصول على “زيت الحاكم” الذى يمثل مادة اساسية في قفته.
يقول السيد ايوب (موظف )
” منذ شهرين أصبحت أجد صعوبة في الحصول على قارورة زيت وان وجدتها ادفع الثمن مضاعفا ”
و بشروط يؤكد المواطن قبل أن يوضح أنه جلب هذه المرة حاوية لاقتناء كمية أكبر قصد ادخارها وتفادي غياب الزيت عن المحلات التجارية
فحين ان الوردات شهدت تطورا خلال الفترة 2008- 2015 بمعدل سنوي يتراوح بين 2 و 3.6%وبالتالي ارتفع مجموع اعباء الدولة بعنوان دعم الزيت النباتي

ورغم هذا التطور في الكميات الا انه لم يقابله تحسن ملحوظ فى تغطية الطلب حيث تقول السيدة سميرة متفقدة شؤون اقتصادية بوزارة التجارة
“الواردات متوفرة وبزيادة ملحوظة” فوزارة التجارة تعمل على تزويد السوق ب 154 ألف طن سنويا في حين أن معدل الاستهلاك لا يتعدى 110 ألف طن ”
ولسائل ان يسال اين يذهب الفارق اذا بين الكميات الموردة والكميات التى تصل الى المستهلك ?
*تطبيق نظام الحصص
للبحث عن اسباب فقدان مادة الزيت المدعم ولفهم بروز هذه الازمة لابد من معرفة الحلقات التي يمر بها الزيت المدعم بداية من مصانع التعليب نهاية الى تجار التفصيل اذ يستورد زيت الصوجة خام ويتولى ديوان التجارة توزيعه على مصانع التكرير وفقا للحصة مضبوطة ومقننة ثم يعاد ارجاعه لديوان الذى يخلطه بزيت النخيل ومن ثمة يوزعه على مصانع التعليب التي توزعه لتجار الجملة بعدها يوزع لتجار التفصيل وأخيرا يباع للمواطن
ويرجع اصحاب المصانع اسباب تراجع الكميات المروجة فى السوق الى السياسة التىاعتمدتها وزارة التجارة منذ حوالي سنتين والمتمثلة في نظام الحصص على مستوى وحدات تعليب الزيت النباتي المدعم وذلك بطريقة علميّة تعتمد على مسيرة كل شركة وعدد عمالها والوسائل التي تنقل بها الزيت وما عليها من مصاريف وأداءات وغير ذلك . مما ادى الى تقليص حجم الانتاج الى نحو 50 % أي ما يقارب 10 الاف طن سنويا وهو ما ادى الى اختلال العرض و الطلب . وبعد الانطلاق في العمل بهذا النظام لم يرق لأصحاب المصانع واعتبروا ان توزيع حصص الانتاج بين معلبي الزيت المدعم و عددهم 39 مصنعا لم يكن عادلا الذى انعكس سلبا على حجم الانتاج ونسق العمل فباتت هذه المصانع مهددة بالإفلاس والغلق. ويطالبون بالرفع من الحصة السنوية الموردة من الزيت النباتي المدعم الى حدود 180 الف طن حتى يتم تغطية حاجيات السوق
* اصحاب المصانع يحتجون
أمام كل ما يحدث اعلنت الغرفة النقابية الوطنية لمعلبى الزيوت الغذائية التابعة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة في بيان أصدرته يوم 5 نوفمبر الفارط
ووفق نص البيان فقد طالبت الغرفة في وقت سابق وزارة التجارة بالتراجع عن تغيير نسب الحصص
المسندة الى الشركات معتبرين أن النسب اسندت بطرق غير شفافة وغير موضوعية لا تحترم كراس
الشروط و أن هذا سيخلق أزمة في انتاج و توزيع الزيوت الغذائية بالبلاد
ولم تكن هذه المرة الاولى التى يتم تنفيذ فيها اضرابا من قبل مصنعين الزيت المدعم فقد هدد 28 مصنعا يوم 10 اكتوبر الماضيبإغلاق المصانع والامتناع عن الانتاج في اطار المطالبة بتفعيل الاتفاق الموقع فى اوت 2016 والقاضي بتوزيع الحصص ما بين المصنعين بتعادل

ازمة عقلية وليست ازمة كمية
* الموزعون يحتكرون
ولان الزيت المدعم يعتبر مصدر تلاعب من قبل العديد الغشاشين بسبب رخص ثمنه 900 مليم خاصة أن كلفته الأصلية تقدر ب2300ميولإمكانية استعماله فى متوجات استهلاكية اخرى و تحقيق ارباح خيالية فانه اضحى هدفا فى حد ذاته من قبل المحتكرين الكبار وهو ما اكده
المدير الجهوى ببن عروس “حتى ان الوزارة قامت بسحب 30 رخصة من تجار الجملة للبيع الزيت المدعم خلال سنة 2015 بسبب بيعهم الزيت خارج المسالك الرسمية ”

افضت عمليات المراقبة وشهادات مختلف الاطراف المتدخلة فى تنشط سوق سوداء تشترك في نسج خيوطها عدة أطراف تهدف جميعها الى الاطاحة بالمواطن (المستهلك) بالضربة القاضية اذ تتفاقم ظاهرة ترويج الزيت النباتى المدعم الموجه للاستهلاك الأسرى و الانحراف في استعماله فى انشطة مهنية غير الاغراض المخصصة له دون وجه حق.و تدخل العملية في اطار الاحتكار والمضاربة وفي ظل تزايد الطلب على الزيت المدعم من قبل مئات محلات الكفتاجي والمطاعم لقلي البطاطا، ومئات محلات المقروض والمرطبات فيصبح الوسيط محاطا بالإغراء من كل جانب…ومن يدفع أكثر يحصل على العرض
اذ اشتكى ” هشام ” عطار من عمليات مضاربة يمارسها الوسطاء من خلال ” توجيه حصصنا الى منتفعين اخرين يشترون بأسعار تفاضلية ( 1500مى اللتر ) ويشترون جميع الكميات المتجهة الينا. وهو أمر يغري الوسيط الذي يجد ربحا مضاعفا بشكل مباشر وسريع دون متاعب التوزيع والاستخلاص ”
وحسب شاهدات العديد من التجار الاخرين فانه يتم اعتراض الشاحنات المتجهة الى المحلات والدكاكين ويتم اغراؤها بأرباح مضاعفة . مقابل شراء صناديق الزيت و تخزينها في مستودعات مقابل اظهار قوارير الزيوت النباتية الأخرى (زيت ذرة/ قطانيه) للتمويه والتظليل عند حضور المراقبة الاقتصادية
كما ان عدم تنقل تجار التفصيل الى تجار الجملة وجلب الزيت هى من بين الاسباب التى تمنع وصول الزيت الى المستهلك العادى كما ان العديد من تجار لا يمتلكون ” باتيندا” وهو ما يمنع مدهم بالزيت النباتى من قبل تجار الجملة
اما مدير الادارة الجهوية لتجارة بمنوبة السيد ياسر بن خليفة يقول ” ان الزيت المدعم الموجه للفئات المحدودة الدخل يستعمل في محلات الشاورمة والمطاعم … وهذا من العبث . اضافة الى لهفة المواطن على التزود بكميات كبيرة على خلفية النقص المسجل في هذه المادة تمثل احد أسباب تواصل مشكلة عدم توفر الزيت بكميات كافية في الأسواق .اذا فنحن امامازمة عقلية وليست ازمة كمية”
وحسب تقرير نتائج العمل الرقابى خلال الفترة الممتدة من 01الى 30 نوفمبر 2016 فقد تمكنت فرق المراقبة الاقتصادية بمنوية من حجز 34022 ل توزعت بين 10مخابز مرطبات و18 مطعم .
* يوجه للوقود الحيوي
اضافة الى احتكار الزيت المدعم هناك من يعمد الى استغلال فارق السعر ويحول هذه المادة الحياتية يجمعها,ينقلها و يروجها لبعض المؤسسات المتخصصة فى تجميع النفايات غير الخطيرة على اساس انها زيوت مستعمله يتم تحويلها الى وقود حيوى او تصديرها الى الخارج لنفس الغرض فقد كشفت الوحدات الامنية فى شهر مارس من سنة 2015 تورط اكثر من نصف مصانع الزيوت 21 مصنعا من جملة 40 توزعت على اكثر من 15 ولاية خيروا التلاعب بالمادة المدعمة ليزيد ثراءها على حساب الدولة ودافعى الضرائب . علما ان كميات الزيت الممزوجة بمواد اضافية تصبح غير صالحة للاستهلاك
يقول السيد رئيس منظمة التونسية لدفاع عن المستهلك ” افضت عمليات المراقبة لسنة 2015 الى رفع 3 مخالفات من هذا النوع فى ولايات تونس الكبرى ”
بين تأكيد وزارة التجارة حرصها على توفير الزيت النباتى المدعم فى الاسواق من خلال ترفيعها لحجم الواردات من هذه المادة ومكافحة افة تهريب الزيت و توزيعه على غير الصيغ القانونية ولغير مستحقيه وبين تشكى عدد من اصحاب مؤسسات التعليب من تراجع حصصهم من الزيت الذى ادى بالتالى الى تراجع كميات هذه المادة بالأسواق. يجد المواطن نفسه في وضعية لا يحسد عليها خاصة عندما لا تسعفه ميزانيته لشراء الزيوت النباتية الاخرى او زيت الزيتون . و بالرغم من هذا التلاعب بالمواد المدعومة من اجل تحقيق ارباح على حساب المواطن ; وبرغم من ضبط محلات مرطبات ومطاعم بصدد استعمال مواد مدعومة,فيعمدون الى افراغ قوارير الزيت المدعم في قوارير بلاستيكية تبدو انها زيت ذرة والحال انه زيت مدعوم . غير ان الخطية المالية لا تزال ضئيلة 1000دينار مقارنة بعظم الجرم. فيتمكن صاحبها من سدادها على اثر سلسلة من التجاوزات. لذا يتوجب على فرق المراقبة تنشيط دورها وتوسيع صلاحياتها عبر فرق للشرطة الاقتصادية والعمل على مضاعفة الرصيد والتدخل واليات العقاب و التفكير فى مجموعة الياتللخروج من عنق الزجاجة وتوفير المادة للمستهلككتوجيه الدعم لمستحقيه على غرار تجربة البطاقات الذكية التى وفرتها مصر وأمريكا اللاتينية للمنتفعين بالدعم حتى يستظهرون بها للتجار لاقتناء مشترياتهم
و اخيرا اذا كان كل هذا التلاعب و الاحتكار يتم فى مادة الزيت النباتي المعبأ في القوارير الزجاجيةو هو منتوج مدعم وموجه للعائلات محدودة الدخل تماما فما بالك بالتجاوزات بباقي المواد المدعمة كالخبز وقوارير الغاز …

لا تعليقات

اترك رد