اليقين في منطق التفكير العلمي يبقى بالأساس موضوعياً لا ذاتياً

 

اليقين في منطق التفكير العلمي يبقى بالأساس موضوعياً لا ذاتياً
اليقين بين نقيضين واحد يقود للخرافة ودجلها والآخر باتجاه التفكير العلمي

تحدثنا حتى الآن عن سمات منطق العقل العلمي وطابع التفكير العلمي ومفرداته ومحاوره في عدد من المحاور والمبادئ التي سجلناها نظرياً مع بعض التطبيقات الموجزة، بأمل الاتساع بها في موضع آخر.. ونتابع هنا في هذا المبحث؛ عرض سمة أخرى للتفكير العلمي، هي ما تشير إليه لفظة (اليقين Certainty\ يقين، ثقة: Certitude) لغة واصطلاحاً بما يحملان من مفاهيم ودلالات، وبما يشيران إليه من فلسفة العيش وحركة المجتمع.
ولنحاول في التعرف إلى (اليقين) لغةً واصطلاحاً، عرض شيء من التوضيح المناسب عبر قراءات بعض المعاجم، ما يفرض وقفة مناسبة في النظري من القراءات، الأمر الذي يعود إلى ما تسبب به الاستخدام الشائع من تركيز مفردة (يقين) على وجه من أوجهها، ما أخفى طابعها وعلاقتها بمنطق التفكير العلمي في أوجهها الأخرى.
وإذا ما عرضنا لمعنى اليقين معجمياً فسنجده في معجم المعاني الجامع والمعجم الوسيط بالإيجاز الآتي: “يَقِين هو اسم من الفعل يقِن وهو فاعل منه وصفة مشبهة تدل على الثبوت والأمر المتأكَّد منه وما ليس فيه شك. فإذا قلنا: إنّ شخصاً على يقين من الأمر فإنما نعني عالِمٌ بذاك الأمر حقّ العلم، وعين اليقين: أعلى درجات العلم،..” و “يَقِينٌ مصدر يَقِنَ. وقولك هُوَ عَلَى يَقِينٍ بِمَا سَيَحْصُلُ يعني عَالِمٌ بِهِ حَقَّ الْعِلْمِ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ وأنه يُصَدِّقُ الظَّنَّ فَيَجْعَلُهُ يَقِيناً لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ، ثَابِتٌ. والْيَقِينُ فِي الْفَلْسَفَةِ [يدلّ سايكولوجياً] على اِطْمِئْنَانُ النَّفْسِ إِلَى حُكْمٍ، والاعْتِقَادُ بِصِحَّتِهِ. أما حَقُّ الْيَقِينِ فخَالِصُهُ وَوَاضِحُهُ وأكيده بلا شك…”
ومعنى يقن في لسان العرب، اليَقِينُ العِلْم وإزاحة الشك وتحقيقُ الأَمر…وهكذا في ضوء كون اليَقِين نَقيض الشك والعلم نقيض الجهل يمكننا أن نقول: عَلِمْتُه يَقيناً
ومتابعة لاشتغالنا في هذه السمة الرئيسة المحورية في منطق التفكير العلمي؛ نقول إنَّ الاعتقاد (أو اليقين) بالحقيقة العلمية، يتوافر لدى البشر بصورتين هما اليقين الذاتي (النفسي) فردياً بما يجسد الميول والرغبات والاتجاهات الفكرية التي نعتقد بها.. فاليقين هنا، يقبع محدودا بتجربتنا الفردية. حيث معنى اليقين الذاتي ما يسلم به المرء وقد لا يستطيع نقله إلى غيره، وإنما ينغلق عليه مُبْعِداً الاعتراف بالآخر ويقينه..
وهكذا نكون بمجابهة التزمت بيقيننا الفردي وتجربتنا المحدودة الأمر الذي يجعلنا الأكثر جهلا بالحقائق المحيطة بنا. وبهذه الحال، يتشكل اليقين عندنا عبر طمأنينة النفس لحكم تراه حقاً أو تجسيداً لحقيقة حيث الحكم الذي تطمئن النفس إليه لا ريب فيه، أي يقين يقابل الشك ويزيحه. وبهذا المفهوم أو في ضوء مثل هذا الاعتقاد ويقينه، قد يذعن المرءُ إلى ما هو في الواقع أمر خطأ. يقول الجرجاني في كتاب التعريفات:”عند أهل الحقيقة رؤية العيان بقوة الإيمان، لا بالحجة والبرهان. وقيل مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب، وملاحظة الأسرار بمحافظة الأفكار. وقيل هو طمأنينة لقلب على حقيقة الشيء، … وقيل تحقيق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب… وقيل اليقين رؤية العيان بنور الإيمان. وقيل اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب…”
((المصدر:
عن ^ الشريف الجرجاني. كتاب التعريفات)).
وهكذا، حيثما جاء اليقين حسياً بقصد بالانتماء إلى اليقين الذاتي ومعانيه في الميول العاطفية الانفعالية، دفع ذلك إلى تصديق (إشاعة) أو (رؤية) لأنها تلبي رغبةً لدينا أو تستجيب إلى إيماننا بخرافة رافقتنا منذ الطفولة. وقد يكون الأمر بصيغة تصديق خبر أو رأي منقول إلينا، مما يعود لمحدودية ثقافتنا أو معارفنا؛ بالإشارة إلى سيادة الأميتين الأبجدية والمعرفية الثقافية..
فنحن يوم لا نمتلك اطلاعا وافيا على مجمل الحقائق و\أو على الرأي الآخر؛ لا يمكننا أن نقطع بصواب ما لدينا ونرتاح لاعتقادنا بأننا أصح فيما نملك.. كما في اعتقاد أيّ مؤمن بفكر أو مذهب ديني لم يطلع على ما لدى الآخر.. ويبقى معتقداً بصواب ما يؤمن به، في ضوء تمترسه على ذاته أو تشرنقه في الذاتي الخاص وانغلاقه عليه، بكل ما يدغدغ مشاعره وأحاسيسه حصراً.. وواقع الحال فإن اليقين الفردي الذاتي هذا، يظل قاصرا مضللاً ولا يقدم لنا صواب اليقين..
من هنا نجد ظواهر التمترسات والتخندقات (الطائفية السياسية) المختلقة، لا تقف عند اختلاق التخندقات المصطنعة والغيتوات (الطائفية) المنعزلة بل تعمل بعنف وتشدد على تفريغ المرء منا، من قدراته التحليلية ومنطق العقل العلمي، بغرس [أو تمكين] آلية أحادية لليقين وصنف من أصنافه هو اليقين الفردي وصنف المحسوسات الذاتية المنغلقة التي لا تفتح نافذة على الآخر وتمنع التفاعل معه؛ أقصد التفاعل مع الآخر، ممن ومما يشتغل بطريقة مختلفة للوصول إلى اليقين؛ وذاك الآخر بتعددية اشتغلاته ومناهجه وتنوعات مفردات منطقه العلمي، سيشتمل على أصناف القضايا اليقينية مثل: الأوليات العقلية المحضة، والمُجرَّبات.. وذلكم هو غير المحسوسات وما يأتي حدسيا من القضايا اليقينية، أي ما يتشكَّل كما اليقين بالمسلَّمات التي ينقطع ذهن المرء بشأنها، على الإيمان بها يقيناً بلا مجال للشك فيها؛ فيما يرفضُ ذاك المرءُ كلَّ ما يحاول تفكيك مسلمَّاته التي لم تأتِ من استدلال برهاني، موضوعي مما يعرض نفسه على العقول، سواء تجريبياً أم رياضياً، كما بفترضه اليقين العلمي.
وفي مجتمعاتنا اليوم، ليس صعباً علينا اكتشاف هوية المرء ذي اليقين الذاتي بانغلاقه فردياً وخلو منطقه من التفاعل مع الحقائق بمنهج تجريبي أو رياضي يصل به إلى البرهان القطعي.. مثل هؤلاء تجدهم بحال من الإيمان الفطري العفوي بمسلَّمات وبخزعبلات ما أنزل الله بها من سلطان؛ حيث إيمان جامد مطلق بأن الفرد ينبغي أن يعلم الشيء ولا يؤمن بغيره؛ مستبعِداً أي إمكان أو فرصة لما يناقض مسلَّماته..
ولنتذكر توكيداً هنا، أنّ حال تعطيل العقل يعني إشاعة اليقين العملي (الاستهلاكي، سلبي التلقي والاجترار) القائم على ما يُشاع من ميول ورغبات وانفعالات تستند إلى حركة (القطيع)، ومن يدخل في هذا الجمع وينطبق عليه الوصف، سرعان ما يصدق (يقيناً) كلَّ ما يُحكى له من خرافات ودجل وأضاليل، بالاستناد إلى (وهْمٍ) ارتقى إلى مستوى الحقيقة واليقين مما سطا على ذهنيته منذ الطفولة..
ليتذكر كثير منا، على سبيل المثال، حكايات ما قبل النوم التي كانت تقصها علينا الأمهات والجدات، وإلى أقاصيص البطولات الخرافية التي كان يحكيها الآباء والأجداد تجاه القديسين والأبطال الأسطوريين.. ثم لينهض كل منا باستدعاء ما بات يتم البناء عليه اليوم في ظل سلطة (الإسلام السياسي) أقصد قوى الطائفية السياسية وفكرها الظلامي، بإشاعة أشكال الدجل وإسقاط القدسية عليه، كضمانة لـ(يقينية؟) ما يدفعون لتفشيه بين بسطاء الناس، من أجل تحقيق غايات ليس صعباً التعرف إلى مآربها في السطو على جمهور العامة سياسيا اجتماعيا…
إنّ مجمل ظواهر التخلف وأمراضه تتأتى من عمليات التجهيل وإشاعة الأميتين وتعطيل التفكير العلمي بتعطيل أدوات التحليل والتقصي والبحث وإفشاء الخرافة ودجلها وتضليلها بوصفها مُسَلَّمَاتٍ يقينية لا يجوز الشك بها بتحريم الشك بدجلهم وحظره.. وأبعد من ذلك لا يسمحون بالتساؤل بشأنها ولو لوهلة…
لهذا السبب نجد أن اليقين السائد في مجتمعات التخلف يظل أسير اليقين الذاتي الفردي الذي يفرّغ العقل من إمكانات إعماله وتشغيله بمنطقه وآلياته الأنجع…

بخلاف ذلك، فإنّ اليقين العلمي الصائب المتوافق مع منطق التفكير وتشغيل العقل، ينبغي أنْ يكون (موضوعياً لا فردياً)؛ يستند إلى جملة الخبرات البشرية وإلى آخر ما (برهنته) علمياً، بمنهج تجريبي و\أو رياضي وبأدلة منطقية، ترفض ما تكلَّس جامداً بسبب اليقين الذاتي المضلل، وتبدأ بوساطة نظرية الشك، لتأتي بـ(اليقين الموضوعي) محلّ (اليقين الذاتي)؛ كما على سبيل المثال لا الحصر بالكشف عن حركة الأرض الذي أزاح فكرةَ كونها ثابتة مركزية وتبين أنها ليست كذلك…
والثابت هنا بهذه الحال من اليقين العلمي، هو توكيد ألا حقيقة مطلقة غير قابلة للتغير. فالعلم يتحرك إلى أمام.. ويمتلك قدرات التجديد عبر الكشوف التي تستخدم ما سبقها من مستويات معرفية..
ولهذا السبب فإنّ اليقين يقتضي إعمال العقل ومنطقه العلمي، لا تعطيله وإحلال يقين زائف، تقيِّدُهُ الخرافةُ ويأسْرُه منطقُها؛ فيسلّم قيادَه وأمرَه لمن يستغل الإنسان ويفتك به. كما إن قراءة الحقائق تكون مستندة إلى تشغيل العقل ومنطقه العلمي، فالتاريخ لا يُقرأ في إطار الحكايات وخزعبلاتها المصطنعة، المصاغة في خرافات، وفي حلقات من الدجل والتضليل بل يُقرأ في حركته الجدلية وحلقاته المتشكلة من أسباب ونتائج.. وكل شيء يخضع للفحص التجريبي مع الاستفادة القصوى من العلوم الرياضية ومناهجها في إدراكها والتمكن من جديد حقائقها الأنجع والأكثر صواباً.
المشكلة في مجتمعاتنا اليوم، تكمن بوجه منها في استسهال تلقي الأضاليل التي تدغدغ العواطف ولا تحتاج لإعمال العقل، فضلا عن وجود أرضية من (الأولويات المسلَّم بها) من الخرافات التي سطت على الأذهان بغياب الوعي والفكر التنويري وباستفحال الأميتين الأبجدية والثقافية.
لهذا تجد أن من يتحدث للجمهور الأوسع، بمنطق العقل العلمي يظل بحاجة للحذر الشديد مما يُشاع من قوى الظلام والتخلف؛ تلك القوى التي عادة ما تصف القوى التنويرية بأنها ضد الله وتكفّرها وتصوّرها وكأنها بنشرها الفكر التنويري تنشر ما يعادي الدين والقدسية! وقوى الظلام والتجهيل إنما تريد بتلك الإشاعات، إغلاق بوابات الحوار بين الجمهور وقوى التنوير، لأنها تدري أن اكتشاف الجمهور للحقيقة، سيقضي على وجودها، أي وجود قوى الطائفية السياسية وفكرها الظلامي.. ويُنهي فرص استغلال الناس وابتزازهم وسرقة ثرواتهم وجهودهم..
إن اليقين الذي تشيعه قوى الظلام هو ذاك اليقين الفردي الذاتي الذي يستند لتعطيل فرص التفكر والتدبر والتفاعل بين الإنسان وبيئته ومحيطه وواقعه، ذاك التعطيل الذي يقطع الطريق على اكتشاف الحقيقة وعلى معرفة يقينية علمية صائبة.. بمقابل اليقين العلمي الحق الذي يكشف للإنسان أسباب فقره واستغلاله وابتزازه ويفضح ما يدور حوله من نفاق باسم المقدس بفضح طابع الإيهام والتضليل في المقولات والمسلَّمات التي تُشاع زوراً وبهتاناً باسم الدين وبالحقيقة والأصل، ليس لها من علاقة لا بدين ولا بإله إلا بما يلبي بهتان قوى التخلف والظلام وما ترتكبه من جرائم بحق الإنسان. يقين يحصرونه بالتدين الزائف المصطنع القائم على استغلال الجهل والتخلف ليمنعوا اليقين العلمي من إنقاذ الإنسان مما يُفرض عليه من تجهيل وتضليل..
أفلا يراجع المواطن اليوم ظواهر (التدين) الشكلية من طريقة اللباس والزِّيّ التي تراجعت بمجتمعاتنا إلى (تعبيرات) عهود نظام الاقطاع زمن الدولة العثمانية والسنوات التي تلتها بمطلع تشكيل الدول الحديثة في المنطقة؟ ألا ينظر المواطن إلى مرحلة التحرر الوطني منذ مطلع القرن العشرين حتى سبعيناته كيف تقدمت المجتمعات وانعتقت من شكليات جلابيب الأمس المظلم؟
إنّ قضية الأزياء وما يفرض على كل من المرأة والرجل على حد سواء في مجتمعاتنا اليوم، إنما يعود إلى هوية البنيتين الفوقية والتحتية للمجتمع، ومن ثمّ فهي مؤشر من مؤشرات الانعتاق أو الاستعباد، ولا نذكرها مثالا بلا سبب بل لتعبيرها عن معان ودلالات عميقة..
فحيثما فرض الظلاميون منطقهم وسطوتهم وهوية اقتصادهم القائم على قوانين فساد مافيوية (الاقتصاد الكليبتوقراطي) سادت جلابيب الماضي مما لا يتناسب وطابع العصر.. والقصد بفرض تلك الأزياء لمزيد تحجيب العقل وليس الاكتفاء أو الوقوف عند تحجيب المرأة.. ولعبة فرض أزياء بعينها، يستكملونها بتبريرات أن المرأة عورة، فيجري تعطيلها وفرض الإقامة الجبرية عليها وتحديداً، تعطيلها عن ممارسة الشأن العام أو المشاركة فيه.. وحتى لو أطلقوا الفرصة لعمل لها، فهو عمل محدد الهوية كثير الشروط عميق القيود.. ولا يشتمل نهائيا على ممارسة الشأن المدني العام وطابع أنشطته المتفتحة بقيم إنسانية متحضرة تنتمي للعصر..

بالخلاصة فإنّ اليقين في منطق التفكير العلمي يبقى جوهرياً: موضوعياً لا ذاتياً. واليقين فلسفياً فكرياً يتخذ مسارين متناقضين على وفق من يستخدمه ولماذا؟ يقين يقود إلى الخرافة ودجلها لأسر من يتبناه وإخضاعه لمآرب ظلامية مرضية ويقين يقود باتجاه التفكير العلمي بمعنى تنوير الإنسان بوجوده وبيئته وما يمكّنهُ من التصدي لمحاولات استغلاله واستعباده. ومن هنا، لابد من أنْ نتفكر في طابع اليقين الذي نتخذه لأنفسنا وألا نتمترس خلف ثوابت تستجيب لميولنا ورغائبنا فالعلم يكشف لنا حركة مستمرة ذات ديمومة بخطى التقدم إلى أمام حيث يكشف لنا المتغير اليومي عن حقائق يقينية جديدة إذ كل شيء في حيواتنا نسبي. فهلا تنبهنا إلى الخرافي والعلمي ومنطقهما وطابع اليقين في خياراتنا ومنهجه؟

لا تعليقات

اترك رد