ما وراء الأدب!

 
(لوحة للفنانة رنا الخميسي)

رسمت الفكرة على طريقة الوردة الثلجية. الفكرة الرئيسية في المنتصف. وسلسلة من الأحداث الصغيرة المفككة. تنحدر داخل البتلات.

المحبرة المسكونة، تكتب مجموعة معطيات بشكل غير عادي. ولم تعد بحاجة إلى شيطان الشعر. تبدأ طقوس الكتابة في السابعة صباحا. بعد نهاية الشفق. قدر تدفئة كوب من الحليب. وتعبئة منفضة السجائر ببضعة فلاتر ممتصة.

بدأت العمل بوضعه على قاعدة من الشعور الخاص. وكثيرا ما أعتمد علي الإبهار اللغوي. وتضخم الذات مع اندفاع غير اعتيادي. نحو الخروج بطريقة ما علي النص. بطريقة أدب ما وراء الأدب. وانتهاك ميثاق شرف القلم التقليدي، التغريد خارج السرب. ومداعبة مصادر السلوك.

فليس الأدب أدبا لذاته. وليس نتاجا لغويا فحسب. وليس مجموعة محرمات هجائية. تحظى بحراسة ملحمية. لأجل الحبكة والدهشة والمأساة والملهاة.

الأدب بعث من نوع ما. لروح خفية. باصطفاف كلمات علي طريقة ما. لاقتناص دمعة. او بسمة. أو إثارة فكرة.

إنه وردة برية تزهر من خلال قلم. يساعدك علي تحليل نفسك. ليفتح رافدا من الضوء نحو نقطة تنوير. تجعل القارىء يحلم. يفكر. يختبىء داخل الكتاب من واقعه. كطفل يرى بين دفتيه شموس وأقمار ونجوم وسماء وبحار وأشجار. وإن كان من ساكني صحراء الربع الخالي.

قالوا قديما. من تمام آلة القص أن يكون الراوي أعمى. لا يرى سوى ما بداخله. ولا يرى الغربة أو يشعر بها. وهذا أدعى للتفكير. فمتعلق السمع متقدم على متعلق البصر. وديموقريطوس فقأ عينيه لأجل أن يفكر.

وحيثما بالضرورة أن الأدب ليس نقلا لحزمة من الصور في مخيلة قارئيه. وليس مجرد ذاكرة حكائية. أو عروضية أو رسومية. لكنه غاية في ذاته. وأبدا ما حركت النصوص والرقاع مستقبل هذا الكون. وكانت الألواح والنسخ هي وسيلة المواصلات الوحيدة لسائر الأديان والحضارات. الأدب هو تجاهل لكل ما هو منطقي. وليس تبريرا للواقع أو نقلا عنه. بل هو استشفاف لرؤية. من زاوية أخري قد تكون رديئة. أو مفرطة الفراغ. أو أكثر رقة وإثارة للدموع. الأدب هو العصى البيضاء. التي يسهل طيها عند الحاجة. لتريك عجائب الوحدة والصمت. لتجعلك تتقرى الطريق داخل السطور. الأدب هو الجوهر الذي تستحوذ عليه الروح. وليس ضياعا بين زوابع نثر معقدة. أو اهتمام تافه بتسلية القارىء، أو كبديل للتحلية ومشاهدة التلفاز.

الأدب سلوك النساك. هو فض للعلاقة بين الجسد والروح. هو إطلاق للبصيرة. والولوج في كنف العتمة. ثم اشعال شمعة. هو اعتذارات مستمرة لجهلنا. هو الاستمتاع بالقبض على كتاب. خلف نافذة قطار سريع. أو تحت مظلة الترام. أو في دفء الأماسي تحت الأغطية وداخل المنامات القطنية الناعمة. هو افتراض آخر في عالم مثالي. ينحي الواقع كيما يطلق العنان كأجمل ما يكون. أو شهقة أمل طويلة. ووجه آخر للإنسان. لعلاقة الله بالفنان. وعلاقة الروح بالموسيقى. والإيمان بالله. والوطن. والعائلة. والصداقة. والنفس الأخري. التي تلتقيها في بعد آخر مواز. كإحراز قوى رسولية. وخروج للبحث عن الذات. عبر أراض سبخة. وأدغال محبوكة وأوكار مظلمة. وغرف نوم. وأشياء تتعدل وفقا للأمزجة. عارفة لكيفية الاستمتاع بها. عند مفارق الطرق المتسعة. وأرفف المكتبات. والكتب الرائعة التي تمنيت لو حصلت عليها. كحصولك علي مخدة ناعمة وحريرية. تثرثر برفقة فتاة بضة. محسوبا عليها في الفراش. بعد رشفات قليلة من كونياك فرنسي. لكنه معدوم التأثير.

بدت أفكار بالغة الحماقة. فكلما اتسعت دائرة معارفنا كلما اتسعت طرديا دائرة الناس الذين لا تستهوينا مجالستهم. دون أن نبذل الإحترام مضطرين لذلك. ودون أن نفتح مسارب الخيال. بين علامات التعجب والوقف. والمكوث طويلا خلف علامات الاستفهام. والشكوك المبتذلة. والسطور التي تخلت عن كل حشمة. وهي تفتش كسفينة سوداء. جاهلة بالبحار. عن جزيرة محبوبة. بين الرفوف والعبوات الكرتونية التي كساها التراب. ينشد فيها السلوان. يوقظ الشجن. يرتاد زورق خفيف. يفتش عن متعة لا تنقطع ولكن بغير توفيق. نخمن ونحدث ونتوقع. نستيقظ نحو الجنون. من أجل شىء لا نود أن نخسره. والجلوس فوق المرج لبرهة. التفكر في القدير الذي يحكم العالم منذ الأبد. والاستلقاء فوق الرمال. تخط بسبابتك. بينما الموج يمحو على نحو أخرق ومتوقع بسذاجة.

لا تعليقات

اترك رد