موازين الإدراك عند البشر 1-2

 
الصدى-الادراك
لوحة للفنانة عروبة العاني

يجب الاتفاق على الطريقة التي يُحتكم إليها عقلياً وفكرياً لمعرفة الخطأ من الصواب والحق من الباطل فيما يقرأ أو يفكّر به أو يُسمع، والتعرّف على الموازين والأدوات التي يستند إليها كل إنسان بمختلف مشاربه وأفكاره في اكتساب أفكاره ومعتقداته، وكيف وبماذا يقيس صحة وخطأ ما يصل إليه ويتناوله. فلا بد بادئ ذي بدء ان يُتفق على تعيين هذا الأساس حتى يُستند في التفكير على أسس سليمة، وهذا ما يسمى في عرف الفلاسفة بـ (موازين الإدراك) ومعناها الوسائل أو الأدوات التي يستعملها الإنسان في الحصول على معلوماته ومعتقداته والحكم عليها، مادية كانت أم معنوية. فإن تم الاتفاق على أسس المناقشة والتفكير واسلوبه، سهل جزءا كبيرا من عملية التفاهم، لأن كل شيء في هذا العالم يستند اما على أساس مادي أو معنوي.

للبشر أربع طرق فقط أو أربعة موازين للإدراك لا غير في اكتساب معلوماتهم ومعتقداتهم، هي:-
(1) ميزان الحواس.
(2) ميزان العقل.
(3) ميزان النقل. ويعرف أيضا بميزان (الاستدلاليات) وهو ما يؤخذ من الكتب ان كانت وضعية أم سماوية.
(4) ميزان الإلهامات الإنسانية أو ما يسمى بالخواطر القلبية.

هذه هي الوسائل والأدوات الإنسانية الأربع في اكتساب المعلومات، وقد يستعمل بعضها أو كلها، ولا يوجد غيرها مهما بحث الإنسان في سجلات وصفحات التاريخ الإنساني وفي كتب الباحثين والمفكرين، وهي خلاصة ما استنتجه العلماء على مرّ العصور.
لذلك يجب مناقشة هذه الوسائل (الأدوات) والتأكد إن كانت موازيناً صحيحة تامة يمكن الاعتماد عليها اعتماداً كاملاً في تقويم سلوك الإنسان في أي مجتمع من المجتمعات على اختلاف درجات تقدمها، أم انها معرضة للخطأ والصواب، وهل هي أدوات نسبية تختلف باختلاف قوة الحواس وقوة العقول ومستوى ثقافات الشعوب أم لا؟ وهل يمكن الاكتفاء بواحدة أو اثنين منها أو لابد منها جميعا؟
مثلاً استعمل الفلاسفة القدماء ميزان العقل باعتباره ميزاناً تاماً لا يخطئ مستندين بذلك على القراءة والنقاش والتفكير والتأمل، وسطّروا كل ما فكّروا به واستنتجوه كنتائج صحيحة نهائية لا حياد عنها ومعلومات وأفكار راقية هي غاية ما وصل إليه العقل البشري. لكن بعض علماء الاجتماع في أوربا والعالم اليوم يعيبون على أولئك الفلاسفة تلك الطريقة في التفكير ويقولون بعكسها، وأعلنوا ان ميزان الحس هو المقياس الصحيح الذي لا يخطئ في اكتساب العلوم، بعد اكتشافهم الكثير من الأخطاء في تلك النظريات القديمة. وهذا أمر طبيعي، لأنهم اعتمدوا في قياساتهم على ميزان الحواس الذي لم يركز عليه من قبل، وكان لابد لهذا الميزان من مقاييس جديدة مختلفة لا تتفق مع القياسات السابقة. ومع ذلك، ظهر من العلماء من شكك في ميزان الحس ودقته:

[كان علماء القرن التاسع عشر لا يؤمنون الا بما هو محسوس على اعتبار ان الحس هو المقياس الوحيد الذي يفرق بين الحق والباطل من الأمور. أما علماء هذا القرن فقد بدأوا يشكون من مقياس الحس سيما حين علموا بما وراء الحس من عالم خفي جبار لا يمكن الوصول إليه الا عن طريق المعادلات الرياضية والفرضيات الوهمية](1).

وفي المقابل، بقي معتنقو الديانات السماوية يعتبرون المصدر الحقيقي للعلم والقياس هو ما تذكره الكتب السماوية باعتباره كلام حق من عند الله سبحانه وتعالى، ولكنهم في العقود الأخيرة، وجدوا أنفسهم أمام نظريات علمية بحتة لا تقبل الخطأ ولا يمكن تفنيدها، مما اضطرهم الى مجاراة الاكتشافات العلمية الحديثة والتسليم بصحتها وتحوير أفكارهم بما يتوافق معها. وكلما اكتشف العلم شيئاً جديداً، سارعوا الى إثبات صحته وتأييده من نصوص كتبهم بعد أن كانوا غافلين عنها!

ورغم وجود الآيات الإلهية الصريحة الدالة على معلومات علمية بحتة في القرآن الكريم، الا ان رجال العلم والدين لم يتجرءوا على التصريح بها لمخالفتها المفاهيم العلمية السائدة في زمانهم.

فعلى سبيل المثال صرح الحكماء السابقون بنظرية خاطئة حينما قالوا بحركة الشمس وسكون الأرض ومنهم بطليموس الروماني الاسكندراني الشهير في علم الكواكب والنجوم والتاريخ في القرن الميلادي الثاني، إذ اختار هذا العالم الشهير قاعدة من القواعد القديمة وأسس عليها نظريته، فاشتهرت هذه النظرية وذاع صيتها بين العالم للسلطة القوية للأمة الرومانية وحكومتها على سائر الأمم آنذاك، وألّف كتاباً في علم الكواكب والنجوم والرياضيات سمّاه (مجسطي)، وفي القرون الوسطى ترجمه الى اللغة العربية العالم الشهير الفارابي. فاشتهر هذا الرأي بين العلماء وأتبعوه وقلدوه دون إمعان نظر ولا تحقيق في كلمات الآيات ومعانيها الدالة بعكس هذا الرأي، كقوله تعالى (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)(2)، فبهذه الآية الكريمة ثبت ان كافة النجوم في هذا الفضاء الفسيح ومن ضمنها الأرض، تتحرك في مداراتها وتسبح في أفلاكها. إلا ان علماء المسلمين آنذاك، ذهلوا وحاروا في تفسير الآية الأخرى الدالة على حركة الشمس حول مركزها ومحورها، عندما قال تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)(3)، فتاهت عقولهم وتحيرت نفوسهم وعجزت مشاعرهم عن ادراك معانيها، لأنهم أرادوا تطبيقها على قواعد النظرية البطليموسية حسب ما جاء بها، ولما عجزوا عن ذلك، راحوا يؤولونها تأويلات ركيكة، كقول بعضهم: ان (لمستقر لها) كان في الأصل (لا مستقر لها) فحذفت الألف منه، وقول آخرين: ان المستقر لا يكون إلا في يوم القيامة، حيث تقف الشمس عن سيرها وحركتها. مع ان الآية الكريمة تشير بصراحة الى حركة الشمس حول محورها ومركزها.
والحقيقة.. لولا هذا التسلسل العلمي والتدرّج الفكري التاريخي البشري لمختلف شعوب الأرض، ولولا جهود أولئك العلماء الأفاضل بمختلف مشاربهم، لما تجددت الأفكار وظهرت المكتشفات العلمية، فمن خلالهم استطاعت البشرية إدراك مكمن حقيقة الرأي الصحيح وأي القياسات كانت أقرب الى الصواب، ولما تمتعت البشرية بالإنجازات العلمية، فجميعهم ساهم قدر استطاعته في إظهار جانب من وجه الحقيقة وإبراز شكل من أشكالها.

ان الحقيقة والرأي الصواب لا ينبلجان الا من تصادم الأفكار، أي من خلال المناقشة الحرة المثمرة وتبادل الرأي. لذا كان من الضروري مناقشة (موازين الإدراك عند الإنسان) أو ما يسمى أدوات اكتساب المعرفة الإنسانية، والتحقق من إمكانية الاعتماد عليها، وهل كل ما يكتسب عن طريقها هي معلومات صحيحة. ان فهم حقيقة هذه الفكرة بشكل صحيح، سيفتح آفاقاً جديدة للتأمل والتفكير، فمفهوم الحق مفهوم نسبي، وكل إنسان يدركه بطريقة تعتمد على تركيبة شخصيته ومدى تأثره بأفكار مجتمعه، فما تعتقد أنت بصحته، يمكن أن يعتبره صاحبك خطأ، وما يعتقده صاحبك إنصافا، يمكن ان يعتبره آخر ظلماً فادحاً. (قبسات)

الهوامش
1 – كتاب خوارق اللاشعور للدكتور علي الوردي ص 23 انظر:
Jeans, The Mysterious Universe, P. 93.
2 – سورة الأنبياء 33.
3 – سورة يس 38.

لا تعليقات

اترك رد