سطو المال على السلطة


 

لم يكن السبب في تنحية الوزير الأول تبون الأداء الحكومي، فثمانون يوما غير كافية لإظهار نتائج ملموسة على الساحة العملية و لا يمكن أن تكون كافية لإثبات تقصير هذه الأخيرة أيضا، إلا أن بعض الصحف قد لامت على بعض وزرائه تواجدهم في إجازة بينما وزارتهم تؤججها المشاكل.

الشارع الجزائري تأرجح بين رافض لهذا القرار ومحايد، فالبعض يرى أن الوزير الأول تبون قد أقيل نتيجة لمواقفه الواضحة بشأن إبعاد المال عن القرار السياسي، وفصله نهائيا عن دواليب السياسة والحكم، وأن هذا الصدام قد كانت فيه الغلبة لكفة المال، بوادر ذلك ظهرت جلّية في جنازة رضا مالك(رئيس حكومة سابق)، أين ظهر الوزير الأول تبون معزولا في حين ظهر كل من السعيد أخ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وأحد مستشاريه والمرجح أنه له الكلمة الأولى في أي قرار سياسي يُتخذ في الجزائر، وحداد علي رئيس منتدى رؤساء المؤسسات وعبد المجيد سيدي السعيد رئيس الإتحاد العام للعمال الجزائريين منسجمين مما يؤيد هذه القراءة، حيث تناولت وسائل الإعلام ومواقع

التواصل الاجتماعي هذا الحدث بسخط كبير بعد ظهورهم ضاحكين مما أثار الغضب والتعجب من هذا الموقف المنافي لوقار المتوفى وحرمة المكان.

وكان سبب في إقالة الوزير الأول، تقديم صورة سيئة عن الجزائر للمستثمرين حسب ما جاء على لسان الرئاسة وقبل صدور القرار، وإن كان الفرق لا يهم كثيرا في إقالة أو استقالة الوزير الأول تبون فإنه في كلتا الحالتين قد كان نتيجة اصطدامه بمن نصبوه ، وهو ما يجعل الخلاف واضحا بين طرفين في السلطة وما يجري بينهم من قبيل التلاعب و الكولسة السياسية، أصحاب المال ومن يدور في فلكهم والجيش والذي يحسب تبون عليه.

ما يجب أن لا ننساه، أن تبون ابن النظام ويسير في فلكه ويخوض معه، حتى لا نتعجب ونتمادى في حسابه على أنه من أصحاب البطولات أو كأنه كان ضحية لمواقفه من أجل الشعب ونصرته .

الظاهر في قرار الإقالة وإن كان المرجح تغليب أصحاب المال على خطوات ابتدأها تبون منها تقليص حجم الاستيراد وخطوات أخرى كاستعادة الأراضي غير المستغلة والتي سلمت لغرض الاستثمار

وقرارات أخرى موازية لتخفيف الإنفاق، فإنه نتيجة عوامل أخرى قد تكون السبب في القرار المبكر، الذي وصف بقرار الكواليس ما جعل البعض الآخر يرى أنه مجرد ذر غبار في الأعين لإظهار تبون بوجه الغير مرغوب فيه من السلطة، بل المعادي لتوجهاتها، وجعله الخليفة للرئيس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية المقبلة والتي يمكن أن تكون مبكرة عن ميقاتها حسب البعض الآخر، في حين يرى البعض أن الأمر يتعدى الخريطة الوطنية فسياسة تبون تعاكس سياسة الانفتاح التي تصبو إليها الدولة في إطار الشراكة مع الإتحاد الأوربي، والمفاوضات لأجل الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة ،كل هذه القراءات ستكون الأيام كفيلة لإثبات مدى صحتها.

الأسباب قد لا تهم مادام الأمر الواقع هو تنصيب أحمد أويحي بدلا للوزير الأول تبون، الرجل الملقب في كواليس السلطة بصاحب المهام الصعبة، بينما يلقبه الشارع الجزائري بصاحب المهام القذرة لما تتميز به سياسته،سياسة ربط الحزام، خاصة بما يتعلق بالجانب الاجتماعي فيها، سياسة اتسمت بالحزم في عدة مرات لما تولى منصب رئيس الحكومة لعدة مرات وإن كان الرجل رجل دولة بمعنى الكلمة وقراراته

بعيدة كل البعد عن الشعباوية، وأثبتت السنين بُعد نظره فإنه يبدو أنه يعرف كيف يمسك العصا من الوسط أو كما يقال في العامية الجزائرية (ما يجوع الذيب ما يغضب الراعي )وكيف يساير حالة التقشف من أجل وقف استنزاف المخزون المالي للدولة، الاحتياطي الذي تآكل بفعل سنين تدهور أسعار البترول والغاز فهو ذو حنكة خاصة فيما يتعلق بالمنظور الاقتصادي، مما يُوجِب عليه خلق اقتصاد موازي وحقيقي و إيجاد البديل عن الاقتصاد المعتمد على المحروقات أساسا، وهو ربما يكون الأجدر لمسايرة هذه المرحلة التكنوقراطية كما يرى بعض المحللين الاقتصاديين ، إلا أن أغلب الشعب يرى فيه نظرة تشاؤمية لما قد تفرزها سياسته على القدرة الشرائية للمواطن.

سواء كان عبد المجيد تبون أو أحمد أويحي فكلاهما وجهان لتداول السلطة على السلطة فالأمر لا يتعدي تبادل مواقع في الملعب نفسه وبنفس الطاقم فالشعب مغيب القرار، فإن لم تكن سلطة الجيش من يصنع القرار فسلطة المال الذي أصبح واجهة السياسة الجزائرية في هذه الآونة في انتظار الانتخابات الرئاسية ومن يكون مرشح التوافق أو مرشح الأقوى.

لا تعليقات

اترك رد