كيف تصنع جاهلا؟ – ج6


 

كم من عمرك مضى وأنت تنظر ولا ترى؟!، إذا ما نحن طبقنا على أنفسنا القواعد الإنسانية العتيقة، وعزمنا على القيام بمحاكمة ذاتية عادلة يحكم فيها كل فرد على ذاته بذاته، سنصل لنهاية أعتقد أنها قد تصلُح بأن تكون بداية طازجة لحياة جديدة يهدي النور فيها إلى الطريق الصواب، ويقتل فيها الظلام ذاته بذاته. لتبدأ مرحلة “الحلم المصري”.. أليس من حقنا أن يكون لنا حُلم؟ ونشرع في بناء وطن يحتوينا ونحتويه!.

* خصوصا حينما يستمر “الوطن” على تقديم نفسه على أنه حزمة الظروف الإقتصادية الطاحنة أو مجموعة من الأزمات الكبرى التي تبدأ فجأة، وتنتهي بتدخل الزعيم أو الرئيس الحكيم أو المؤمن الذي يقدم لنا نفسه _هو الآخر دائما_ على أنه هو الضرورة أوالحتمية أوالمخلص،وأحيانا الأب الحنون!، والذي يزعم أنه يختار أفراد أسرته الكبيرة “الحكومة” بعناية إلهية، وينتقيها فردا فرد من صفوة الصفوة لتقدم نفسها هي الأخرى بأنها تستعين بتوجهات الرئيس، وتدرس توجهات الرئيس، وتسبح بحمد توجهات سيادته العبقرية، لنكتشف بعد كل ذلك أن ما يدور حولنا هو مجرد فشل متراكم على فشل يحملنا إلى فشل، أو كما يبدو لي وأحب أن أصف تلك الحالة بفيلم الـ “كارتون” الهابط الذي لا يثير فينا أي شعور بالمغامرة أو حتى الكوميديا كما تثيرها _مثلا_ أفلام “توم وجيري”!.

* يدفعني ضميري لأي أذكر في هذه اللحظة تحديدا ما ورطني فيه خيالي لتوه، وأنا أكتب مقالي “ج6” من سلسلة “كيف تصنع جاهلا؟” التي بدأتها هنا في داري المنبر الإعلامي العالمي مؤسسة “الصدى نت”، والذي أفخر بالإنضمام إليه مؤخرا، فقد رأيت فوق وجهي قناعا حديديا يشبه القفص ذلك الذي استخدمونه لتكميم “هانيبال ليكتر”!، وبعد فشلي في تحريكه من على وجهي مليمترا واحدا بكل ما أملك من قوة، قفزت من فوق سريري كالمجنون _مجازا لأنني أعتبر نفسي مجنونا بالفعل_ متوجها إلى الشارع لينقذني أحدهم، وإذ بي أرى مئات بل آلاف بل ملايين من البشر تسعى في الطرقات، وتقوم بما تفعله يوميا مصبوغا بصبغته النمطية البغيضة، وكلها مكممة بهذا القناع القفص!.

* يبدو أنني ألتقط أحلام رجال الساسه ورجال الدين!، كلاهما يحتل الواقع بطريقته الخاصة، ويبث خطابه بإقناعية تسمح للآخر بإطلاق خطابه الخادم للأفكار الأولى وهكذا دواليك. فلا يمكن أن ننسى _على سبيل المثال وليس الحصر_ ثنائية الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف “محمد سيد طنطاوي”، والرئيس المخلوع “محمد حسني مبارك”،ومدى التناغم بينهما ومساهمتهما في تصحُر العقلية المصرية واقتسام السُلطة “السياسية / الدينية” بينهما بتوازن يسمح لكل منهما بإحكام قبضته على أكبر قدر من العقول والعبث بها، لرسم حدود الوطن وإنتاج خريطة اجتماعية بداخله لها سمات وخصائص تتفق مع أهداف السلطة التي امتدت لثلاث عقود كانت فيها مؤسسة الأزهر الدرع والسيف الديني إن لزم الأمر.

* في القرن الثاني الميلادي عاش الكاتب الساخر”لوسيان” الذي كانت له مؤلفات حول تاريخ الأديان، والتي كانت تتسم أفكارها بالسخرية، وفي أحد مؤلفاته الناجحة حلل بتفصيل شديد النجاح حكاية النبي الكذاب “إسكندر أبونوتيكوس”،ولثعبانه الإله “جليكون” تلك الحية القاتلة التي تتلوى حسب رغباته، والتي كان النبي الكذاب يخفي رأسها الحقيقي تحت معطفه، ويستبدل بها رأس أخرى إصتناعية تقوم بتحقيق التنبؤات بواسطة بعض الحيل المقنعة!.

* لعبة السيطرة وإنتاج الحيل التجهيلية قديمة جدا بقدم الإنسان ذاته، ومتعددة الصور وشديدة الحبكة والإحكام، ومؤثرة إلى حد بعيد، ذلك لأن مقدم العرض إن كان ساحرا أو سياسيا أو دجالا أو رجل دين أو حتى بائع حلوى يعتمد في أساس إقناعك على أنك تنظر ولا ترى!.

لا تعليقات

اترك رد