المسكوت عــنه فــي ملحمــة جلجامش


 

أزعم ان اهتمامه بالاسطورة ــ كأحداث متشابكة ــ بدأ منذ مجموعته القصصية البكر (( أغنية في قاع ضيق )) الصادرة عام 1969 م , و عززه بقصته ( شجرة الشاطئ ) التي ضمتها المجموعة القصصية المشتركة مع القصاصين محمد احمد العلي , فاضل الربيعي , جهاد مجيد , والتي كانت بعنوان (( الشمس في الجهة اليسرى )) عام 1973 م , حيث أثارت جدلاً نقدياً واسعاً بدءاً من عنوانها اللافت للانتباه وليس انتهاءً باسماء المشاركين في اصدارها ,ولم يتوقف اهتمام المفكر ناجح المعموري بالأسطورة عند هذا الحد , بل أكده في رواياته اللاحقة ( شرق البصرة شرق السدة) و ( النهر ) و ( مدينة البحر ) من النصوص السردية التي عمقت رؤيته و اوضحت مهارته في استخدام اساطير الشرق في متون سروداتها , مما جعله يتفرد في هذا الحقل المعرفي دون أقرانه , و كانت قصته الطويلة (( لعبة القرون )) من اخطر نصوصه التي استثمرت مفردات الواقع ومازجتها بأجواء اسطورية متخيلة , لكن الانغمار في الأساطير بحثاً وتنقيباً وتأويلاً تكرس بعد قراءته الفاحصة لــ (( مغامرة العقل الأولى )) لفراس السواح الذي أحدث لغطاً كبيراً بتوصلاته الجريئة , وشاكس الكثير من الحقائق المتداولة والشائعة , وكان للمعموري جهده المتسع في حقل الاساطير , بدأه في كتابه ((الاسطورة والتوراة)) الصادر عن الدار الاهلية /عمان وتبعه بأكثر من عشرة كتب مهمة في هذا الحقل من بينها , موسى واساطيرالشرق, التوراة السياسي , اقنعة التوراة , ملحمة كلكامش والتوراة , أساطير الالهة في بلاد الرافدين , تأويل النص التوراتي , الاصول الاسطورية في قصة يوسف التوراتي , الجنس في اساطير واديان الشرق , تقشير النص ـ انانا كلكامش شجرة الخالوب ــ وليس اخيراً هذا المنجز الذي نقدمه للقارئ هنا وهو (( المسكوت عنه في ملحمة جلجامش )) وقبل الخوض في عرض موضوعاته أود ان اكرر ما قلته في اكثر من مقالة لي , من ان ناجح المعموري بهذا المنجز الضخم و المتفرد جدير بحيازة لقب الباحث المبتكر و الموؤل النابه في العراق و الوطن العربي , ولا اظن ان باحثاً ما يستطيع مزاحمته على هذا اللقب اللائق به و المستحق له بدلالة المنجز المتحقق / المطبوع الذي حقق حضوراً مهماً و فاعلاً في اللقاءات الثقافية , وحقق اعلى المبيعات في معارض الكتاب المقامة في مختلف البلدان والعواصم / بيروت ـ عمان ـ القاهرة ـ دبي ـ الشارقة ـ ابو ظبي ـ أربيل ـ بغداد / ولنا ازاءهذا ان نفخر بالمعموري ناجح قامة فكرية متفردة وشخصية ثقافية منتجة في مثل ظروفنا الراهنة . ولنا ان نبتهج بمنجزه المميز وبقراءته الرائدة للمعطيات الحضارية والاسطوريةلبلاد الرافدين والشرق ,التي صارت مرجعاً يعتد به لكل الدارسين والباحثين في هذا التراث المجيد …
وفي غمرة مباهجنا بمنجزات المبدع ناجح المعموري نستقبل منجزه الجديد هذا (( المسكوت عنه في ملحمة جلجامش )) الذي تضمن خمسة فصول و((فهرس)) للاشكالوكما يلي :
. الفصل الأول : سلطة المرأة / قوة الحكمة ص 11
.. الفصل الثاني : وداعاً أيتها البرية ص 31
.. الفصل الثالث : الغابة السوداء ص 67
.. الفصل الرابع : زهو المنتصر ص 77
.. الفصل الخامس : لغز انكيدو ص 101
.. فهرس الاشكال : ص 114 , وهي رسومات نفذها الفنان محمد غني
حكمة و الفنان سعد الطائي وبلغت ((11)) شكلاً توضيحياً يعين على فك شفرات نصوص الملحمة ….
ولمزيد من الأبهار والتوضيح يؤكد المعموري من ان :
ملحمة كلكامش أول نص سردي / شعري في تأريخ الحضارات الانسانية , وصار مركزاً دالاً على المرحلة الأكدية , التي استطاعت اعادة انتاج الاساطير السومرية الخمس وجعلت منها نصاً ملحمياً جسد الصراعات المحتدمة بين الانظمة الثقافية وخصوصاً نظام الأم الكبرى والالهة المؤنثة والنظام الذكري الذي توفرت له الشروط الموضوعية والذاتية للصعود … هذه الدراسة بداية مشروع المعموري الخاص بالمسكوت عنه ……
في مقدمته الموجزة لكتابه هذا يقول المعموري :
قرأت ملحمة كلكامش وما نشر حولها فوجدت اكثرها واقعة تحت هيمنة الاخر , وتمحورت مرددة توصلاته المصدرة لنا , لذا انشغلت بها زمناً طويلاً وحاولت تقديم قراءة مغايرة وخصوصاً في الصراع الذي دار بين الثقافة القمرية والشمسية والذي تمركزت حول الملحمة والذي لم تنتبه له الدراسات باستثناء دراسة الاستاذ فراس السواح , لان ثنائية الموت / الحياة لم تكن موضوعاً اساسياً لها .
ويضيف الاستاذ ناجح المعموري :
انها محاولة جديدة تسعى لأثارة الاسئلة والحوار , وانا واثق بأن الملحمة ستظل حيوية بقدرتها على تفعيل القراءة وتنويع مستويات التأويل وامتحان قدرة القارئ , واختبار ــ سلطته في الكشف والتحليل ــ
في الفصل الأول من الكتاب جاء بعنوان ــ سلطة المرأة ــ قوة الحكمة يلاحق المعموريتفاصيل صعود طغيان جلجامش وهيمنته على مدينة اوروك اذ يشير بالقول :
لقد هيمن جلجامش بشكل تام على مدينة اوروك , ومارس لهوه وعبثه مثلما أراد , فاتكا برجالها وشبابها , مغتصباً فتياتها , معلنا بذلك كامل سطوته وجبروته وطغيانه , فهو الملك المفوض من الاله (( انليل )) بالحكم ..
لم يترك جلجامش ابناً طليقاً لأبيه
لم تنقطع مظالمه على الناس ليل نهار
أهذا جلجامش , راعي اوروك المسورة
أهو راعينا القوي , الكامل الجمال والحكمة
لم يترك جلجامش , عذراء طليقة لأمها
ولا ابنة المقاتل , ولا خطيبة البطل
وباستمرار الاضطهاد ونمو استبداد الملك , تشكلت بذرة الاحساس بذلك , بذرة تطورت بفعل عوامل عديدة ,وصارت وعياً رافضاً , متمثلاً بالصراخ الرافض للمظالم اليومية , حيث استمع الالهة الى شكواهم وتذمرهم وتحقق لهم حلم تخليق شخص ند , كفوء للملك الطاغية …
غسلت [ اورورو ] يديها
واقتطعت قبضة من طين وبصقت عليها
وخلقت في الصحراء انكيدو البطل
خليقة الصمت الليلي , قطعة من نينورتا
وبهذا التخليق الذي جاء استجابة لمطالب الشعب فقد أثمر ندلاً كفوءاً للتصدي الحازم لقوة البطش والطغيان المتمثلة في انكيدو , والتي جاءت الملحمة تكريساً لهذه
المعادلة الثنائية .. فالند المخلقّ يمتلك صفات التوحش ولذا فان الغواية التي مارستها البغي شمخت , استطاعت ترويضه وترحيله الى ادميته وحيازته على الحكمة … وهذا ما جسده النص التالي من الملحمة :
صار فطناً واسع الحس والفهم
رجع وقعد عند قدمي البغي ( شمخت )
وصار يطيل النظر الى وجهها
وكلما كلمته أصاغ بأذنه إليها
كلمت البغي انكيدو وقالت له :
صرت تحوز على الحكمة يا انكيدو ومثل إله
ــ الملحمة ص 83
ولا اريد هنا ان افسد متعة القراءة على القارئ الفطن ليكتشف بنفسه كم هي عظيمة وخالدة هذه الملحمة التي ابدعها الانسان : الأول , وقدمها لنا الاستاذ المعموري في كتابه (( المسكوت عنه في ملحمة جلجامش )) الذي يشكل كشفاً دقيقاً لما لم تفصح عنه الملحمة … ولهذا فأني أحرّض على قراءة هذا المنجز المهم لما فيه من كشوفات تؤكد اهمية الملحمة باعتبارها جزءاً مضيئاً من تراث وحضارة بلاد الرافدين ..
وفي ختام هذه السطور لابد من الاشارة الى شهادة المفكر العراقي ا. د متعب مناف والاشادة بجهود الاستاذ المعموري لاهميتها التاريخية والتي يقول فيها :
: ناجح المعموري واحد من ثلاثة هم : فراس السواح ( سوريا ) , السيد القمني (مصر) , وناجح المعموري ( العراق ) , واطمح ان اكون ( متعب مناف ) رابعهم .. وبتقديري ان ناجح المعموري الاكثر والأجدر بتصدر المجموعة لان الاقرب الى ان يعيش الاسطورة مشاركاً يتماهى مع رموزها , يتنفس اوجاعهم , على فرش لذتهم , يتلذذ بشوك مآسيهم , ويصعد منه دامياً يزيد من خفق قلبه بعد ان تلبسته الاسطورة لتنطلق حية من رماد المعموري

لا تعليقات

اترك رد