من لا كرامه له يفقد نكهة حب الأوطان

 

تتقدم الشعوب المتحضرة لأنها تعمل ، لأنها تنتج ،لأنها تراكم الثروات ، وتبتكر الأفكار والنظريات والمثــل ، وتمهد السبيل أمام الإنسان للإبداع والرقي والتفاعل والامتزاج بنسيج المجتمع وتفاعلاته ، فعندما يكون المجتمع قريبا للإنسان أقرب من حبل الوريد ، حينها تنمو لديه ملكة الذكاء والحرية والاجتهاد وشعور المصلحة الوطنية ويدافع عن المجتمع من الإنهياروالتشرذم والانكسار .

أما المجتمع الجاهل ، حيث التخلف يضرب أطنابه ، والمصاب بفيروس النزعة الذئبية ، لا ينتج الأفكار والنظريات والمثل ، بل يهدمها ، وتكون مسالكه مليئة بالخطوب والأهوال، فتبرع بعض الجماعات في حياكة الدسائس والمؤامرات ، و تعتاش على الغدر الممقوت بالآخرين ، حينها يكون المجتمع مترعاً بالحسد ومكتنزاً الجهل ، يطفئ الأنوار ويحرق الأنامل الرشيقة والنفوس البريئة الحاملة للشموع والآمال ، فترهق من لم يرهق ، وتشغل من لم يشغل ، فهؤلاء يعملون ليل نهار لإحباط العمل المتقن ومحاربة الذكاء والرفعة والسمو ، فراحتهم تكمن في إذلال الإنسان ، ووضع أنفه في الأرض ومسح الأرض بقامته وهيبته ووقاره ، بمكر وحيلة ودهاء . فتحقير الناس وإذلالهم لا يخدم إلا المتعطشين للسادية أصحاب العاهات الروحية والعقلية ، الذين جبلوا على بناء أمجادهم من أشلاء وجثث وآمال وأنين وشكاء المظلومين .

إن الذل والمسكنة ، عندما تسيطران على الأفئدة ، يتحول المجتمع إلى قطيع من الخرفان لا حول له ولا قوة . فالمجتمع الحر لا يشيد إلا بمواطنين أحرار ، ومجتمع العبودية لا يستقيم إلا عندما تسيطر العبودية والمسكنة على الناس ، وتتفشى نظرة الحقد والإذلال للإنسان ، ويعامل البشر كحشرات ضارة .

(( لعل أفظع ما يتحمله الإنسان من الإنسان هو الذل ، فالذل أبشع وجهاً من الكبرياء. وأمر مذاقاً من الفقر ، وأثقل وطأة من المرض . وأقسى ناباً من الموت . ولعل أفظع

الناس في عقيدتي هم الذين يعتزون بمذلة الغير ، فلا يسرهم شيء مثلما يسرهم أن يعفر الناس لهم جباههم . وأن يزحفوا إليهم على الأكف والركاب وأن يحرقوا لهم البخور صباح مساء . ولعل أنبل الناس في عقيدتي هم الذين لا يذلون إنساناً ولا يذلون لإنسان )) . ( ميخائيل نعيمة ) .

إن الشجاعة والأنفة والشموخ والكبرياء صفات إنسانية طاهرة وماجدة ، لا تتهادن ولا تستقيم صيغتها مع الذل والمسكنة . فثقافة الخنوع تضع الناس على حافة منحدر سحيق ، فالكرامة آخر حصن لصيانة ماء الوجه وللذود عن الذات والضمير النابض من الانهيار والتكسر .

فمن لا كرامة له يفقد نكهة حب الأوطان كلياً أو جزئياً ، وتبتر العلاقة الحميمة بالوطن وتتحول إلى شيء من الفتور وعدم الاكتراث ، ولربما الوصول إلى عتبة حرجة من الشعور يخلخل بشدة عظيمة مداميك الهوية والانتماء .

لا تعليقات

اترك رد