حين يصبح إصلاح النظام السياسي مستحيلا


 

منذ 2015، لا بل و اقدم من ذلك، انطلقت المطالب باصلاح النظام السياسي القائم في العراق من نظام قائم على المحاصصة الطائفية والاثنية الى نظام دولة المواطنه، فاصبحت تضم ملاين الناس مشاركين فاعلين في التظاهرات ام مؤيدين بحماسه على صفحات التواصل الاجتماعي و اعتصامات وجمع التواقيع، الا ان الانشقاق المجتمعي على الاسس الطائفيه والاثنيه مكّن القادة السياسيين من احتواء هذه التظاهرات مرة اخرى.

تحمل تظاهرات الصدريين المليونيه امام المنطقه الخضراء ظاهرتين في ان واحد. فالمطالب التي نادى بها الصدريون سبقهم في المطالبة بها تيار المدنين. الا ان المدنيين لم يستطيعوا استقطاب تلك الاعداد الكبيره رغم ان الشعارات نفسها. فما الذي جذب جماهير الشيعة الفقيره الى نداء السيد مقتدى ولم تنجذب تلك الجماهير الفقيره والمغيبه الى افواه المدنيين. التسائل الاخر الذي تفرزه تلك التظاهرات هو ان تلك الجماهير نفسها تنجذب الى الشعارات المطلبيه و تتعاطف معها بشده او ما يسمى بشعارات مطلبيه مثل الامن والكهرباء و الصحه والتعليم و طرق المواصلات والمحسوبيه . في نفس الاطار نتوقف عند انجذاب فقراء الشيعه لشعارات الانظمام للحشد الشعبي الداعي للدفاع عن الوطن والمقدسات بشكل سريع و باعداد كبيره ولم تنجذب تلك الجماهير الى التطوع في القوات المسلحة للدولة من جيش و شرطه .

في كلتا الحالتين يتمظهر لدينا عاملين اساسيين، الاول سلبي وهو انجذاب الجماهير ما يزال للشعارات الطائفيه وهو دليل قوي على درجة انقسام المجتمع العراقي طائفيا و اثنيا. فما ان اطلق السيد علي السيستاني فتواه بالجهاد الكفائي حتى هرول الالاف لحمل السلاح بينما شعار الدفاع عن الوطن هو مبدا تقوم عليه القوات المسلحه وهو واجبها الاساسي و الوحيد لم يجذب تلك الالاف.

المدنيون سبقوا التيار الصدري بالمطالب باصلاح النظام السياسي و بشعارات المطلبيه لكن فقراء الشيعه بالاخص اعطوا ” اذن طين و اذن عجين” لنفس تلك الشعارات .

الجانب السلبي للتحرك هذا كما قلت هو الانجذاب للطائفه و رموزها ولكن الجانب الايجابي الذي هو كامن لحد الان يحتاج الى مغناطيس الجذب هو ان نفس تلك الجماهير مستعده للتحرك للشعارات المطلبيه وليس الطائفيه لكنها ما تزال تحت تاثير كبير للرمز الطائفي الرافع للشعار المطلبي الوطني الجامع العابر للطائفية والاثنية.

ان نظام تقاسم السلطة يؤدي الى مضاعفات سلبيه لانه يسمح باقامة تحالف بين الدين والسياسه، بين المقدس والدنيوي، وبالتالي يصبح الشعار الغامض “الاسلام هو الحل” شعارا جاذبا، و تتحول دولة العقد الاجتماعي الى دولة حقوق الطائفه والعرق . ومن ثم تتحول الى دولة قهر واستعباد الطوائف والاعراق الاخرى ، وتخلق وعيا زائفا للمواطن بان ممارسة الشعائر هي اهم من اي شيئ عداها، حتى وان كان لا يستطيع ان يوفر رغيف الخبر لابنائه فذلك غير مهم ما دام هو قادر على ممارسة شعائره. تستغل الاحزاب السياسيه هذا الانقسام المجتمعي، والتي ساهمت هي بفاعليه في تجذيره، لا تمتلك اية برامج اجتماعيه و اقتصاديه لتخليص المجتمع من فقره وجهله و امراضه . وهذا ما يؤسس لما اشرنا له في المقالة السابقة عن راسمالية المحاسيب على حساب نظام اقتصادي شامل للمجتمع عموما وبالتالي فؤائده للطائفه و العرق الذي تدعي تمثيله. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يصرح قادة احزاب الاسلام السياسي في العراق، والتي هي طائفيه ولا يمكن ان تكون غير ذلك، انهم سيعملون على ما اسموه التصالح الاجتماعي، اما واقع الحال فغير ذلك بفرسخ، و اكبر مثال على عدم رغبتهم بالصلح الاجتماعي هو الخطاب الذي تتناوله يوميا محطاتهم الفضائية.

تثبت التجربة ان من الصعوبة اصلاح النظام السياسي القائم على المحاصصة. ففي العراق امتلكت احزاب الاسلام السياسي مقدرات القرار السياسي، وفي الاقتصاد فان الدولة الريعية بامتياز مكنت تلك الاحزاب من اخضاع جميع مؤسسات الدولة لخدمة مصالحها ولم يتبقى للمواطن العادي من اجل توفير لقمة العيش سوى التملق والانضمام لتلك الاحزاب، فخلقت هذه الاحزاب جيشا جرارا من موظفي الدوله تقدم لهم الرواتب، دون عمل يذكر، يمثل رشوة من قبل تلك الاحزاب لمن يدعمها وينتخبها.

لما كنت اؤمن بان سنة كاملة حوار خير الف مرة من يوم واحد حرب، وعليه ومن اجل تطبيق عنوان هذه المقالة ” حين يصبح اصلاح النظام السياسي مستحيلا” فانني ارى ان الوسيلة لذلك هي الاحتجاجات المطلبيه و النقابيه مثل الامن والكهرباء والصحة والتعليم والاجور و دعم الزراعه والصناعه و حرية الراي والمعتقد و محاربة الفساد و عدالة القضاء و تطبيق القانون و توزيع عادل للدخل وخلق فرص عمل كلها مطالب تؤدي الى تقويض نظام المحاصصه.

2 تعليقات

  1. تحايا للعزيز الدكتور أثير يوسف حداد ولتحليله بجوهره الإيجابي التنويري
    وبودي التوكيد على حقيقة تؤكد أن تكريس (النظام الطائفي الكليبتوقراطي) بات بمرحلة لا ينفع معه الترقيع (الإصلاحي) الذي كان مرفوعا قبل سنوات

    ووجود النضالات المطلبية ضرورة دائمة بكل الأحوال ولا خلاف عليها وهي تمثل باستمرار تمرينا للحركة الوطنية وتنضيجا للانتقال نحو مستويات نضالية أعلى

    إنما الوضع الجماهيري والمزاج الثوري غير متوافر حتى الآن لأسباب كثيرة مررتَ عليها بمحاور من تحليلك

    الأمر الذي يبقي على انجذاب غير مبرر نحو الزعامات (الطائفية) لحظة تناور وتعلن (مدنيتها) فتسرق قسما واسعا من الجمهور الذي عادة ما يبحث عن غطاء بطرياركي حتى وسط حركات مدنية ولا أقول طائفية

    القضية بحاجة لمزيد دراسات وتوحييد تلك التحليلات في إطار برامج سياسية دقيقة الصياغة يُزال منها بعض التعبيرات الملتبسة

    أتفق مع جوهر ما تفضلت به وأثمن عاليا هذا التوجه وأضع نداء لدراسات معمقة بالخصوص دراسات مشتركة

    بوجود وحدة للحراك الوطني الديموقراطي غير المزيف من تمظهرات أحزاب الطائفية التي تستبق كل انتخابات مفصلة على مقاساتهم بادعاء التمدين وتبني مطالب الجماهير المضطهدة

    دمت رائعا وإلى مزيد تحليلات تنويرية تدفع بدفق نهر الحراك نحو صحيح الاتجاه حيث

    التغيير لا الإصلاح

    التغيير من أجل دولة علمانية ديموقراطية اتحادية تحقق العدالة الاجتماعية

    وتحياتي متجددة

    د. تيسير الآلوسي

  2. شكرا دكتور على تعليقك . متفق مع كل مقترحاتك . اما عن الاصلاح فانا ساحاول ان اوضح لاحقا لاني اعتقد ان الفكره لم تصل بشكل صحيح تحياتي

اترك رد