إسماعيل الشيخلي أعماله تجمع بين الحداثة والميثلوجيا الإجتماعية

 

الفنان إسماعيل الشيخلي الذي تزامن مع جيل الرواد,ويعد أحدهم في التاسيس بعد دراسته على يد أستاذه رائد الرسم فائق حسن, ودراسته في باريس. كانت بداياته المبكرة عندما كان والده في مدينة (نفط خانة) يجلب مواد الخشب والأقلام الملونة, يقوم بإستثمار خاماتها تشكيليا, وهكذا توالت مراحله الاحقة. لقد أستثمر ماتعلمه في الداخل والخارج (باريس) في إعادة صياغة المرئيات والمصادر بأسلوب يتصل بحيثيات الواقع المحيط به, وتحويل المشهد الإجتماعي بواقعيته المشخصة المرئية إلى رموز تخلو من التفاصيل المتشعبة التي تبعد الناظر عن خلاصة ربط المضامين الفلكورية الإجتماعية, ولكن تتعوض تلك التفاصيل الثانوية بمهارة التكنيك الذي تميز به مبكرا. لقد كانت هنالك صلة مترابطة بين مهارته التكنيكية في شفافية الألوان مع المرموزات التي تتصل وتعكس الواقع الإجتماعي الذي يحيطه بتقاليده وصلته الوجدانية والمناسبات الشائعة, منها: المزارات, الأعياد, وجود حركة الأشخاص الدائبة, من نساء واطفال ورجال, بمناسبات مختلفة, توحي إلى البهجة والإحتفالات والتآلف الإجتماعي,

مع مايحيطها من أزقة وشوارع وأبنية تراثية, تلك المضامين تزدوج فيها مصادر البعد الإجتماعي والأسطوري, إنها تجسيد لعادات وتقاليد إجتماعية لواقعه الخاص, دون الإنسياق نحو الأساليب الغربية, سوى تطبيق المنطق الحديث, أما المضامين فهي تعكس دواخل شخصيته المرتبطة بجذور الحياة العراقية, إنها علاقة توازن بين الأزمنة ووحدة العلاقات العامة للمجتمعات التي تسهم في تطور تقبل الفنون, وأقترابها من مجتمعه الخاص. لم تكن أعمال الفنان – إسماعيل الشيخلي – إلتزاما بالتصوير الشخصي, وإنما يقوم بعملية قلب ملامح الوجوه والأجساد بأداء حر, رسوم لنساء عراقيات بلفتاتهن وجلساتهن وحركاتهن المتنوعة, حركات وإيحاءات تجلب المشاهد نحو التمتع الإبصاري , يتم ذلك من خلال إضافة تناسق لوني وإنسجام, يستخرج منها شفافية رقيقة, إنه يقترب من الفنان فائق حسن في صيغة قيمه اللونية, ولكن بصيغ أسلوبه المميز الذي يتفرد بشخصيته في أول نظرة لها. تلك الإستقلالية في التفرد من ناحية طريقة الأداء, وكذلك سيادة طابع الإبتهاج والسعادة والتفاؤل والفرح. إنها مفعمة بحيوية الحرية والحركة في وجوه النساء التي تسود أعماله العامة, بحركاتهن وملابسهن الشعبية البغدادية القديمة وبصيغة وجوههن الدائرية,

أعمال تعبيرية يغازل فيها عواطفه بجرأة, وعقب ذلك هنالك تبدلات وتجديدات بأسلوبه الذي يقترب من التكعيبية، إلا أنها لم تبتعد عن صيغ أسلوبه السابق, ذلك يبدوا واضحا تاثير دراسته في أوربا, ومنهم ( بابلو رويز بيكاسو) إذ تتركز أعماله بصورة عامة في الرسم الهندسي بين أشكال المربع والدائري والمثلثلات عبر صيغ ومعالجات واعية وجريئة ومتقنة في الأداء والتنسيق والإنسجام. إنها تعبيرمدرك من خلال تراكم الخبرة وتنوعات مصادرها المحلية والأوربية, يتم ذلك من خلال معالجة المساحات للتعبير عن روحه الشرقية في الصحراء والمرأة بهيئتها الجميلة الحالمة. ومن ناحية الألوان يقوم بوضع تقابل متماثل جريء منسجم ومتضاد لونيا, ومن مميزات افتراقها عن الأساليب الواقعية كأسلوب الفنان فائق حسن, إنها تختزل التفاصيل والملامح للوجوه والأجساد ومفردات الطبيعة, كما تتداحل مع بعض التكوينات، مفردات من الزخرفة الهندسية, ولكن بذات الإسلوب المختزل في الألوان والتفاصيل. وتمتليء خلفيات مساحاتها, أو الفضاءات بألوان مجردة, تمولها غطاءات لونية سائدة, تنسجم مع التكوينات الرئيسة, والفرعية,

وغالبا ما تسود إختيارات تلك الألوان, إقترابها من الألوان المطابقة للبيئة الشرقية ومنها العراقية تحديدا, لما تحتويها من ألوان حيادية ورمادية, و أتربة, وغبار, ولكن ترافقها, أو تسودها ألوان مبهجة, تريح النفس في التأمل والإسترخاء.

تلك الألوان المتدرجة والمترابطة وحتى المتضادة منها, تنسجم وتتوافق مع مضامينها التكوينية التراثية المتنوعة, من قرى ومدن وصحراء, أي تنوعات البيئة التي نشأ وتمعن فيها كثيرا منذ الطفولة, تلك الأجواء التي رافقت بدايات الإنفتاح والتمعن والتعايش, تسكن الذاكرة وتسري في عروقها النفسية, والفكرية, لذلك فإن مثل هذه التجسيدات والإختيارات لم تكن محض تخطيط قصدي مفتعل, وإنما هو إنعكاس لمخلدات باطنية, تصدر من الاوعي أو الاشعور ناجم عن مخزونات الذاكرة العقلية الإدراكية والنفسية الاشعورية.

وحينما تصدر تلك النتاجات الإبداعية بمختلف تعدداتها الأدبية والفنية, ومنها التشكيلية فإنها تتوافق بصدق وأقتراب من تلقيات الإبصار والتبصير من مستلمين تلك الباثات الفنية الجمالية, على العكس من الإلزام القصدي الذي يستجيب إلى متطلبات منفعية مجبرة, قد تكون تلك الإنجازات والصيغ على مستوى التصنيع والفنون التطبيقية لغرض كفيء الحاجات والمنافع الخاصة, بطريقة مهارية متكررة تقليدية, إلا أن هذه الأمور لاتنطبق على المنتوج الإبداعي الذي يتداخل معه الإنعكاس الذاتي والوجداني في ممارسته الحرة. تلك الصيغ من المنتوجات لأعمال الفنان – إسماعيل الشيخلي – قد منحت روافدها التي تم ذكرها, إلى نتائج تسودها المصداقية والإقبال في التمعن, لاسيما أقتراب مضامينها من التقاليد الإجتماعية الشعبية.


وبالرغم من تفرد أسلوبه المشخص نحو الإستقلالية والفرز من قبل المشاهد أو المتلقي, إلا أن أعماله لاتنفصل عن أساليب الواقعية في مصادرها الأساسية, بل أن هنالك صلة وتأثر بأستاذه رائد الفن الواقعي المعاصر – فائق حسن – من حيث قوة اللون وتوزيعه, وإختيار مصادره الإجتماعية, ولكن تبقى الإختلافات واضحة, كنتيجة لمخاض تجارب متعددة, وإنعكاس ذاتي عفوي بين شخص وآخر, يتم ذلك في النتاج حتى في حالة تقليد عمل, أو محاكاة مصادر واحدة للطبيعة, أو أعمال عالمية وتتبين تلك الإختلافات بين فنان وآخر. والأمر لايقتصر على الأداء التكنيكي, وإنما حتى المصادر الشعبية تناولها الكثير من الفنانين, ولكنها تختلف صيغ مظاهر شكلانيتها الإنشائية, بجانب إختلاف طرق تكنيكها المهاري. لقد لمسنا ذلك بأنفسنا عند مراحل الدراسة وما بعدها, حيث كانت مرحلة الدراسة الأكاديمية هي مرحلة إعداد منهجي على وفق خطط وقوانين ثابتة, ومنها النسب الذهبية, والأداء اللوني بأصوله الصحيحة الثابتة, وكذل على وفق عناصر وأسسها التشكيلية العلمية التي تسري تطبيقاتها بالدرجة الأساس على الهندسة المعمارية.

أما بعد تلك المرحلة من التعليم الأكاديمي, فإن الإختيارات والتحرك ليس ثابتا مقيدا, وإنما متجددا ومضافا لها مكنونات الفنان ذاته, وهذا الأمر ينطبق على الخوض الملتزم بأسسه الأكاديمية, وليس على من تجاوز هذه المراحل وقفز نحو ممارسة أساليب تجريدية حداثوية, دون الخوض عبر ممراته الواجبة التطبيق والإلتزام. في هذا المجال نذكر إن الفنان – إسماعيل الشيخلي – قد وجد في الألوان والتكوينات والمضامين أساسات تقوم عليها تجربته الفنية الخاصة, على مدى نصف قرن من الإنتاج الفني, والتجارب, والإبتكار. لقد ألتزم بمجال الرسم بطريقة أسلوبه هذا, ولم يغامر أو يستعير أو يحور أي إسلوب آخر من أساليب الحداثة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية, وإنما جعل تراث الشعوب ومنها العراقي رافدا ضمن الروافد الأخرى تغذي مفهومه ورؤيته للفن, وبذلك أصبح الخطاب الفني عنده خطابا إنسانيا, بما يتضمنه من مضامين إنسانية عامة.

ومن خلال ذلك نضج تكنيكه الأدائي من جراء تلك الإختيارات من المصادر الإجتماعية, لقد كان منطقه الواقعي هو إستثمار لخبرته المعرفية بالإتجاهات الفنية القديمة والمعاصرة لجعله جزء من الثقافة الإجتماعية, المعاصرة والفلكلورية القديمة, تمتاز أعماله بمهارات نغمية, ومرموزات تعبيرية.. ومن جراء ذلك تتسم تجاربه ببعدها الجمالي على وفق السياق الميثلوجي.


ومن المعروف وكما ذكرنا آنفا بأن الفن يتوغل في المنهج الروحي ليعبر عن مكنونات الذات, بما يخص المشهد البصري المعاصر, والفنان – الشيخلي – جعل المشهد الفني تتوافر فيه الشفافية ومنطق التوازن بين الفكر والوجدان.. بين المطلق والنسبي . ونلاحظ في أعماله تركيز على تمسكه العفوي من خلال الوعي الداخلي ( الاشعور) لما وراء المرئيات. ومصادر التكوينات ومنها الطبيعة, الأشجار والسماء والنجوم تشاهد مع الكتل الآدمية مجمع من الإحتفالات لم يتركها الفنان, من خلال ذلك تتكامل عنده معالم البنية التكوينية في منتوجاته الفنية, ليؤكد ديمومة الصلة بين الفن والواقع, من خلال أبعاده الرمزية والأسطورية.

بقي القول إن الفنان – إسماعيل الشيخلي – هو من مواليد عام 1924, توفي عام 2002.
أكمل دراسته بمعهد الفنون الجميلة – بغداد – عام 1945, تخرج في معهد الفنون الجميلة العليا ( البوزار ) بباريس 1951.
أحد المؤسسين لجمعية الفناني التشكيليين العراقيين 1956 \ الزميل الأول لجماعة الرواد 1945.
عمل مديرا عاما لدائرة الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة والإعلام 1986.
رئيس اللجنة الوطنية للفنون التشكيلية في العراق.

شارك
المقال السابقالشر أوسط الجديد والمرأة العربية
المقال التالىمتهم بالتجسس
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

اترك رد