قصة قصيرة – البنفسج


 

– ماذا ستجلبُ لي هدية في عيد ميلادي؟
تقولها بدلع وهي تتخذ من كتفهِ الأيمن مسنداً لرأسِها المُتكئ بأمانٍ مُطلق وكأن الصدق مُجسَّدٌ في هيئة ذلك الشاب العشريني الوسيم،
(ماري) تلك الهائمة بين الوهمِ والخيال – كما كانت تصف نفسها معترفة بخيالها البعيد عن قسوة الواقع – كانت تكبرُ (وسيم) بعشرِ سنين. كان فرق العمرِ مُختفياً في عينها ومن عقلها، الذي راح يُصدِّق كل كلمات الغزل والدلال اللذين كان يُجيدهما وسيم حين يسمحُ لهُ مزاجه.
رفعَ حاجبيه وكأنَّهُ يفكّر.. ما الذي سيناسب ذوقها كهدية ميلاد.
قال بعد أن داعبت أُذُنيه كلمات اغنية من سبعينيات الزمن الجميل:
– سآتي لكِ بالبنفسج.
نهضت من كتفهِ مبتسمة بتساؤل:
– وما هو البنفسج؟!
قال:
– لا أعلم.. لكنني أعدكِ بأنكِ لن تنسيه، او لعلهُ سيكونُ اسماً اسميكِ بهِ يوماً ما.
ابتسمت وقالت عن لغزهِ ممازحةً:
– عسى أنْ ينفعني بشيء. وضحِكا سويةً وعادت الى مُتكأها بعد أنْ حوّطها ذلك الشراع الذي تمثل بذراعهِ الأيمن الممشوق.
توالتْ على ماري انكساراتٌ عدة في حياتِها العامة. لم يكن لديها أدنى أمل في أنْ يسكن حالُها ويصير إلى أحسن المرام.
التجأت لوسيم كثيراً. ولعل حال وسيم لم يكن أفضلَ منها بفرق كبير. إلا أنها بحكم عُمرها تشعر بأنها اكتفت من الكبوات التي توالتْ عليها كقطرات الغيث على فيضان ما.
تجافى وسيم بوصله عنها وإنْ التقى بها لم يُسمعها من الكلام إلّا ذاك الذي يُزيد من الفيضان غرقاً لها. وبعد أنْ شعرتْ بأن لا مُتكأ يحملُ عبء رأسها راحت تتخبط بكبرياءٍ يمنعُ سنَّها من إهانة التجاهل والجحود من جهة، ومِنْ ماكر يعلمُ خفايا احتياجها فيغدقها بدلعٍ يُعيدها الى طفولةٍ وردية.
وعلى جُرف النهر وخلف جذع الشجرة المستندة إليها، جاء صوت يُناديها. تنبهت الى (حُسام)، ذلك الصديق المُشترك بينهما، الذي حرصَ على أنْ يساندها ويقفَ بجانبها حين تحتاج لصدقٍ أبيض، في كل مرةٍ يحلكُ سواد وسيم في سمائها. كان لها كشهقةِ نفسٍ يُنقذها من ذلك الغرق المُضني. كلَّمتهُ وصرختْ وبكتْ وتساءلتْ وأجابتْ من دون أنْ تعرف ما الجدوى من شكوى عقيمة الرد. فوجئتْ بيدٍ تلتفُ حولها لتجذبها إلى حجر استقبلها بحنان. لم تعلم ما تصنيفه ومن أي بابٍ دخل عليها ذلك الصديق مُدعياً المساندة لضياعها. أسندت رأسها على تلك الجهة التي تعودتها مع وسيم، وراحتْ تمنح لنفسها حق الأمان من دون أنْ تترك باب الحذر مفتوحاً لأي أمرٍ كان.
للحظات وحين التفت اليد الأخرى حولها وقبل أنْ تدركَ الالتقاء بينهما شعرتْ بأنَّ القوانين يجب أنْ تُسترد من جديد لتوقف هذا الأمان مبهم النوايا.
افترقتْ روحا ماري ووسيم عن الوصال وكبُرت فجوة البُعد دون أن تُبصر الحبيبة حقيقتهُ. وبعد عام وقبل ميلادها التالي، قال لها صاحب الكتف الأيمن:
– وعدتُكِ بأنْ أهديكِ شيئاً لا تنسيه يا صاحبة الاتكاء على الأكتاف. كُل عام وأنتِ خائنة يا بنفسج!!

لا تعليقات

اترك رد