في ظل رياح العولمة .. الى أين تمضي العائلة في تونس ؟


 

حين كنت صغيرة , كان يلفت انتباهي بيت جدي الكبير الواسع كلما زرت عمتي , وكان بالنسبة لي بيت الحكايات والأسرار والجنيات المخبأة وراء جدرانه, حيث يحلو اللعب والسمر مع العائلة . وحين كبرت , عرفت أن بيتنا الكبير كان رمز الصورة الأبدية لجمال اجتماع الأسرة الكبيرة وامتدادها وترابطها . كان ذلك واحدا من بيوت تونس التي تربت على اجتماع أسر وعائلات تتكون من عدة أجيال يعيشون معا . لكن خلال العقدين الآخرين عرفت الأسرة التونسية تحولا هاما, وهوة شاسعة بين حالتها فيما مضى من الزمان وما آلت اليه في وقتنا الحاضر .فقد تلاشت ملامح ومظاهر السعادة عن معظم بيوتنا , وأصبح الصراخ والجدال والنزاعات هي الجو السائد , أما الهدوء والسكينة والمودة أضحت ضيفا , وغاب عنها التلاحم العائلي في السراء والضراء ومعه “بيت العز يا بيتنا ” ! …فماهي هذه التحولات ؟ وهل يمكن الحديث عن أزمة قيم تعيشها الأسرة التونسية أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تغير في كيان هذه البنية المجتمعية الهامة ؟ والى أين تمضي عائلتنا في ظل تسونامي العولمة ؟

مما لاشك فيه , أن العائلة هي ركن أساسي في المجتمع . فهي الخلية الأولى والأساس داخل كيان أي مجتمع , لما تقوم به من أدوار صعبة , تتمثل في نقل وترسيخ قيم المجتمع , فهي المكان الطبيعي والمحضن الذي يتشرب فيه الفرد القيم الأساسية التي عن طريقها سيقول كلمته غدا , فاما أن يكون مواجها للمشاكل التي تعترض المجتمع أو يكون أحد أسبابها .

لقد كانت العائلة في تونس, ولازالت لها مكانة خاصة داخل كيان المجتمع التونسي , لما تقوم به من أدوار تنشئوية , فهي المجال الاجتماعي الأول الذي ينشأ فيه الطفل وينمو ويصبح شابا , وفيها تتحقق انسانية الفرد وتتكشف مواهبه وطاقاته, فتظهر أمامه معالم الطريق الى المستقبل. كما أن العائلة تغذي أبنائها وبناتها بالحب , وترسم لهم المبادئ والقيم الأخلاقية , وفي الوقت ذاته تسلحهم من خلال الجو العائلي بأسس التفكير والثقافة وكيفية التعامل مع الآخر , فهي راسمة الطريق للمستقبل . الا أن العائلة التونسية عرفت تحولا هاما في بنيتها , فبعدما كانت العائلة الموسعة التقليدية ذات عدة نوى أسرية والتي تتكون من جد وجدة وأبناء متزوجين وأحفاد يقتسمون نفس المسكن ويشتركون في عدة أنشطة, أصبحت الآن عائلة بسيطة معاصرة مستقلة عن مسكن العائلة الأصلي , وتتكون من الأب والأم والأبناء فقط .

ففي الماضي القريب , كانت العائلة التونسية تقيم في منزل واحد , يضم في البداية الوالدين والأبناء والبنات , ثم بعد زواج الذرية تخرج منه البنات المتزوجات ويمكث فيه الأب مع الأم والأبناءالمتزوجون . من ثم يصبح المنزل يضم أربع أو خمس عائلات تعيش أفرادها في كنف التضامن والتعاون والتشاور ومعا في السراء والضراء. وكان لهذا التلاحم والتضامن العائلي دوره الفعال في التغلب على احساس الوحدة والنبذ وتأمين النفقة والحضانة للاولاد من جهة , ودوره في النكبات والمرض والعجز والكبر من جهة أخرى , حيث يتعاون الجميع في خدمة المريض وتطبيبه وفي رعاية الشيوخ وكبار السن حتى لا يصبحوا منسيين أو مهملين . وبالتالي كان الفرد وقتها هو نواة ومحور اهتمام باقي أفراد العائلة, فمشكلته مشكلة الجميع , أفراحه أفراحهم , وأتراحه أتراحهم , اذا تألم أحدهم تداعى له باقي العائلة , وسعى الى تخفيف معاناته. فهل من مقارنة اليوم بين الماضي والحاضر ؟؟؟
ككل المؤسسات المجتمعية في تغير مستمر وقابلة للتبدل المستمر , عرفت العائلة التونسية بدورها كمؤسسة اجتماعية مجموعة من التغيرات , وباتت الأسرة النووية تعرف تطورا كميا كبيرا سواء في المدن أو القرى , وبدأت الأسرة التقليدية في التفكك وتلاشي “الدار الكبيرة ” الى النمط النووي , الذي تتكون فيه العائلة من جيلين فقط وأساسا من الزوج والزوجة وأبنائهما , وذلك جراء حدوث تحولات اقتصادية واجتماعية سريعة . فهي نتاج لظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية , أتاحت للزوحين استقلالية اقتصادية وسكنية وكذلك تعليم وانخراط المرأة في سوق العمل لمواجهة أعباء الحياة العائلية التي تتطلبها الحياة الحديثة .

ففكرة الأسرة في حد ذاتها لدى الذكور والاناث في تونس , تتجه نحو النووية , ظنا أنه كلما كانت الأسرة صغيرة كلما كانت نسبة النجاح كبيرة , ومرده صعوبات العيش ومتطلبات الحياة المتزايدة , تفرض على الشاب أن يعيش مع زوجته وحدهما في منزل بعيدا عن عائلته من والديه واخوته من أجل خفض التكاليف والمصاريف , وبالتالي لا تكون عليهم واجبات أو التزامات كثيرة تجاه عدد من الأقارب . وهذا بدوره يزيد من استقلالية الزوجان وتقلل من امكانية التفاعل بينهما وبين أقاربهم من جهة الزوج أو الزوجة , مما يضعف روابط القرابة معهم أكثر فأكثر .

وبسبب العديد من التغيرات القيمية العميقة التي طالتها , لم تعد العائلة التونسية , في الوقت الراهن , تمتلك تلك المناعة التي تحميها من الآفات والأعطاب كما في السابق . فخلال العقود الثلاثة المنصرمة , جرت حالة من الانفجار المعلوماتي والاتصالاتي والرؤيوي والسمعي معا , باتت فيها العائلة فريسة سهلة للعديد من الظواهر السلبية , حيث طغت النزعة الفردانية والمادية على العلاقات بين أفراد المجتمع . ولم يعد ذلك التكافل والتآزر الاجتماعي حاضرا بقوة كما كان في سنوات خلت , لدرجة أن علاقة أفراد العائلة الواحدة صارت فاترة وباردة . وبات العامل المادي ( المالي ) هو المهيمن في أغلب الحالات , ولم تعد العلاقات الأسرية تنبني على التراحم والتعاطف , بل على كم يتمكن الفرد من الزيادة في موارد العائلة , وذلك راجع في كثير من الأحيان الى الصعوبات الاقتصادية التي تؤثر على العائلة . وصار للأسف العامل المالي هو المقياس الذي تقاس به شخصية المرء وعطاءاته ومركزه داخل العائلة , حتى أصبح الأبوين مجرد ممون للعائلة وحاجياتها ومتطلباتها المالية , وفقدا بالتالي وظيفتهما التربوية والاجتماعية . فأمام اشكاليات الحياة المعقدة وغلاء المعيشة , بات على أحد الزوجين أو كلاهما العمل لساعات طويلة تتجاوز أوقات اللقاء العائلي التقليدية على المائدة , ونادرا يلتئمون فيها , ولم يعد الآخر في العائلة هو محط الأنظار والاهتمام , بل التلفاز والفضائيات والانترنيت تعمل بدورها على اختراق العقلية الأسرية التونسية , وتؤثر تأثيرا واضحا عن الأطفال والمراهقين , يصل الى درجة التقليد الوهمي الأعمى , ويخلق الحاجز بين الأجيال , ويفقد أواصر العلاقات الأسرية وقدرتها على مواجهة تحديات العصر والعولمة , فيضيع الحس المشترك والتعاطف الانساني .
والأخطر من ذلك هو حالة الغزو الثقافي والأفكار التي تطير الينا عبر الفضائيات ومواقع الانترنيت وتعمل على الاحتماء بالتراث السلفي على أساس هو الحل والطريق , مما أدى الى ظهور في مجتمعنا التشدد والتعصب اللذين يقودان الى العنف , وكم من عائلات تونسية وجدت أنفسها أمام حالة أو أكثر من أبنائها قد سعى مسعى متطرفا وراء جماعات ظلامية ارهابية .

فلا يخفى على الجميع , أن العائلة في العصر الحالي تعيش تحديات كبيرة , الأمر الذي كان له تداعيات سلبية على مقومات تماسكها , أدى الى اهتزاز قيمها وجعلها عرضة للتمزق والانشقاق بين عادات وتقاليد محلية وطنية وأخرى دخيلة بفعل العولمة . ومن الثابت أن العولمة تشكل واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة في مجال التنشئة الاجتماعية , لما تحمله من تواصل التهديد للخصوصيات المحلية والوطنية والهوية الثقافية وتكريس لآليات الهيمنة الفكرية والاسهام في التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي بين الناس .وأضحت العائلة في مهب الريح بسبب الرغبة في التقليد , واتباع تلك الأنماط الاجتماعية والسلوكية على مستوى القيم ومختلف أشكال الحياة . مما أدى الى ظهور اضطرابات داخل العائلة , انعكست سلبا على التنشئة الاجتماعية وتجسدت أولا في علاقة الوالدين ببعضهما البعض ومنها الخلافات , عدم التكافؤ بينهما اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا , الانفصال والطلاق ( تفاقم في تونس ) أو الهجر , التضارب في الاهتمامات , الغياب الطويل عن البيت … هذا هو الواقع الجديد للحياة الأسرية في تونس , اضافة الى تدني مستوى الاقتصادي والثقافي وانحراف معايير الأسرة الاجتماعية , غياب وفقدان السلطة الأبوية , كلها أسهمت في تقليص دور العائلة في التنشئة الاجتماعية وأصبحت تشكل تهديدا لها .
وفي ضوء هذه التحديات التي تواجهها العائلة التونسية ومن خلالها المجتمع , صارت العديد من الظواهر متفشية بشكل خطير , ومنها تفاقم العنف والانحراف وبالخصوص تعاطي المخدرات التي تعد من المشكلات الخطيرة على الفرد والمجتمع !
وبما أن العائلة تبقى المكون الأساسي للمجتمع , فلا محالة ستؤثر فيه سلبا أو ايجابا , وبالتالي تحصين العائلة من تحصين المجتمع . لذا أصبح من الواجب على الدولة بمختلف مكوناتها من سلط ومجتمع مدني وأحزاب سياسية ومثقفين , ايلاء العائلة التونسية ما تستحق من العناية والحث على الحفاظ على تماسكها والتحذير من كل مظاهر التفكك وآثارها الاجتماعية والنفسية الخطيرة , حتى تبقى عائلتنا اطارا للانتماء والآمان ! .

لا تعليقات

اترك رد