اتخاذ القرارات


 

تعتبر عملية اتخاذ القرارات واحدة من أهم نشاطات و فعاليات المدير في المنظمة أي كان مستواه التنظيمي, بل ربما تقع على رأس هذه الأنشطة و الفعاليات أهمية و خطورة ، و الواقع فقد ظهرت قبل فترة نظريات إدارية حديثة منها ( نظرية اتخاذ القرارات ) و هي تتمحور على أساس أن جل عمل المدير و محور نشاطاته و خلاصتها, إنما هي قرارات إدارية ..

فمثلا التخطيط و وضع الخطة هي قرار, تعديل أو تغيير الهيكل التنظيمي هي قرار, إقرار برامج عمل و سياسات هي قرار, وضع و إقرار خطة التدريب هي قرار, وضع و إقرار الموازنة هي قرار, تعديل تسميات وظيفية أو تعيين موظف جديد أو ترقية موظف إلى وظيفة أعلى هي كلها قرارات تقع مسؤولياتها على عاتق المدير متخذ القرار ، و هكذا ..

و ابتداء لابد من توضيح مفهومين ربما يكونان على قدر من العلاقة و الإشكال فيما بينهما, و هما : صناعة القرارات – DECISION MAKING , و اتخاذ القرارات – DECISION TAKING ..

و ببساطة, فأن الفرق ما بين الاثنين هو كون عملية ( الصناعة ) تتم من قبل مختلف المستويات الإدارية في المنظمة و من قبل المختصين و المعنيين, الذين تحال إليهم قضية أو مشكلة معينة – PROBLEM, فيقومون بدراستها و البحث في تفاصيلها و تحليل أبعادها و مسبباتها بغية الوصول إلى عدد من البدائل المتاحة لمعالجة هذا الموضوع أو هذه المشكلة, توضع أمام المدير أو القائد الذي يملك سلطة ( اتخاذ ) القرارات, بموجب قرارات أو أنظمة أو قوانين تحدد و تنظم ذلك ..

و هو بذلك سيكون مسؤولا عن القرار الذي سيتخذه بالطبع ، و الواقع فأن القرار الذي سيتخذه المدير أو القائد, و طريقته في التفكير, و سرعته في اتخاذ القرار و توقيته, و جرأته و حماسته, و مقدار تحمله للمسؤولية و للمخاطر المحتملة, و فهمه و إدراكه لحدود

صلاحياته و سلطاته, كلها عوامل تحدد مدى نجاح القرار و فاعليته من جهة, و مدى نجاح و كفاءة المدير أو القائد ..

أن عملية ” اتخاذ القرارات ” تتأثر بالعديد من العوامل البيئية و الشخصية و العملية و الاجتماعية, و ربما يمكن اعتبار كيفية أو ميكانيكية عملية صنع و اتخاذ القرارات في منظمة معينة, مؤشرا عن مدى نجاح السياسة أو النظام الإداري فيها, و النمط القيادي المتبع فيها, و مدى توفر شبكة المعلومات و الاتصالات اللازمة و الكافية, و مدى صحية و كفاءة البيئة الداخلية للمنظمة .. الخ ..

أن ترشيد عملية اتخاذ القرارات تعتبر من أهم الجوانب التي لابد من الإشارة إليها ، فبالرغم من أهمية أن يكون صاحب سلطة اتخاذ القرارات ( المدير ), على معرفة تامة و دراية شاملة بكافة جوانب و متعلقات الموضوع أو المشكلة وذلك لكي نضمن اكبر قدر من صحة و دقة القرار الذي سيتخذ, إلا أن ذلك ليس صحيحا دائما, حيث أملت ضرورات العمل و تعقد و تفرع الاختصاصات و الأعمال في المنظمات المختلفة اليوم, إلى استحالة أن يكون المدير متخذ القرار ملما بشكل كامل بكافة جوانب العمل في المنظمة ..

لذلك تتقدم هنا عملية ” صناعة القرار ” لتأخذ أهمية متقدمة في المنظمات الحديثة, فنحن بهذه الطريق نضمن تقديم ” فرشة ” واسعة و متكاملة من المعلومات و البدائل إلى ” المدير ” ليتمكن بقدراته و خبراته و ” ملكاته ” الخاصة من اختيار البديل الأفضل و اتخاذ القرار الأنسب و الأصح ..

فكلما أتقن ” صناع ” القرار عملهم و مهامهم, و كلما كان اختيارنا لهؤلاء صناع القرار و وضعهم في المكان المناسب صحيحا, كلما جنبنا المدير اتخاذ القرارات غير المناسبة و غير السليمة, و كلما زاد هامش الرشد و العقلاني في البدائل المتاحة أمام المدير و القرار الذي سيتخذه ..

و الواقع فأن عملية ” المشاركة – CONTRIBUTION ” الواسعة من قبل الموظفين و المستشارين في عملية صناعة القرار مفضلة دائما, لكن يجب أن لا يكون ذلك على حساب الوقت و السرعة المطلوبة لاتخاذ القرار ” القرار المناسب و الصحيح يكون في الوقت المناسب و الصحيح ” ..

كما أن مبدأ المشاركة هذا غالبا ما يتعارض مع مفاهيم أو أنماط القيادة ” الاوتوقراطية ” لدى بعض القادة أو المد راء و الذين يحصرون عملية صناعة القرار بأنفسهم أو بحلقة ضيقة فقط ممن يحيطون بهم, و بذلك فهم يحرمون أنفسهم من إضافات ومساهمات و بدائل إضافية, و يعرضون أنفسهم و قراراتهم إلى مخاطر الفشل ..

و ربما خير مثل لمبدأ ” المشاركة ” أو ” الاستشارة ” في صناعة القرارات, ما اصطلح عليه في السياسة بحكم ” المستشارين – ADVISORS ” , و خير مثل عليها في أمريكا, كان في زمن حكم الرئيس الأمريكي ” ريغان ” , حيث أحاط نفسه بشبكة مختارة و كبيرة من الخبراء والاستشاريين والمختصين في مختلف الجوانب الإدارية و العسكرية و المالية و الاقتصادية و السياسية .. الخ, و هذا جعله يغطي على النقص في الخبرة و المعرفة لديه, و الى أن تكون معظم القرارات المتخذة في ذلك الوقت على جانب كبير من الخطورة و الأهمية و الدقة و الصواب ..

جانب آخر لابد من التأكيد عليه هنا, و هو توقيت اتخاذ القرار وإعلانه, فأحيانا تكون كل البدائل واضحة و محددة, و كل البدائل لمعالجة أمر معين قد حددت, إلا أن التوقيت عنصر مهم لابد من قياسه من قبل متخذ القرار ، ففي حالات معينة يكون إصدار القرار بشكل مستعجل و سريع أمرا على جانب كبير من الأهمية نظرا لظروف معينة ..

و في حين آخر يكون تأجيل إصدار القرار هو البديل السليم نظرا لعدم اكتمال الصورة, أو عدم ملاءمة الظروف البيئية داخل أو خارج المنظمة ، و بالتالي لو جازفنا في إصدار القرار في غير وقته المناسب, ربما نكون قد سببنا في ولادة القرار و هو ” ميتا ” ..

أن القرارات عامل حاسم في حياة المنظمات, و الدول كذلك ، فكم من قرارات جريئة و صحيحة كانت وراء تغييرات وتطورات ستراتيجية لمنظمات كبيرة نراها الآن ساطعة في عالم الأعمال ..

منها مثلا قرار ” بيل غيتس ” صاحب شركة ” مايكروسوفت ” في أوائل سنوات عمل شركته في بداية الثمانينات من القرن الماضي, باحتكار بعض البرامجيات المستخدمة على أجهزة الحاسب الشخصية, و السماح لشركة IBM باستخدام برنامجه MS-DOS, في الوقت الذي تخلت فيه IBM عن قرارها باستخدام برامج غير برامج الشركة ، و كذلك قراره التوجه بالأساس إلى سوق المستخدم الشخصي لأجهزة الحاسب الذي جعله الآن إمبراطور البرامجيات من غير منازع و أغنى رجل في العالم منذ سنوات وحتى الآن, في حين كان هذا القرار نكسة و بداية سقوط في نفس الوقت لشركة IBM ..

كذلك الحال بالنسبة لقرار ” هنري فورد ” عام 1896 بالشروع في إنتاج سيارة خاصة به, حيث كان هذا القرار المهم و الخطير و الحاسم هو البداية لتشكيل واحدة من اضخم شركات السيارات على مستوى العالم على الإطلاق ..

نخلص إلى القول إلى أن القرارات الإدارية تلعب دورا مهما و حيويا في حياة المنظمات, و المد راء والعاملين في تلك المنظمات, و لابد على الإدارة من أن تتخذ القرار المناسب

لترشيد و تطوير عملية صناعة و اتخاذ القرارات فيها, لتكون دائما اقرب إلى جادة الصواب, و ابعد عن المخاطر و المشاكل الناتجة عن سوء اتخاذ القرار ..

شارك
المقال السابقبين عبدالحسين عبدالرضا وكاظم الساهر ثقافة شعب
المقال التالىأما بعد .. وماذا بعد ؟
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد