السِبنسَة


 

* لم يكن حادث قطارا الأسكندرية المُوجِع سوى انعكاساً لحجم الفساد والإهمال والتَرَدِىِ الضارب بجذوره فى عُمق مؤسسات الدولة المصرية طيلة عُقُودٍ أربعة أراها من أسوأ الفترات التى مرت على بلادى عبر تاريخها الحديث،
فاتورة جديدة باهظة الثمن يسددها الوطن عن تلك السنوات،
* نعم.. ماحدث فى الأسكندرية وما حدث قبله يتكرر بكل أسف فى قطاع السكة الحديد وفى سائر القطاعات الخدمية والهامة الأخرى بصورٍ ونِسَبٍ متباينة.. لأنه وبمنتهى الوضوح نتيجة حتمية لمنهجية إفشال مُتَعَمد لهذا الوطن بتعطيل أدواته الفاعلة والتفريط فيها بدماء باردة.. والتعامى عن كنوزه وثرواته الكامنة التى وإن اُستُغِلَت على مدار تلك العُقُود لكان لها أثر العصا الساحرة، ولَنُقلَتْ القاهرة إلى مصاف الدول المتقدمة،

* أربعون عاماً مضت بعدما وضعت آخر حروبنا العسكرية أوزارها.. ألم تكن تكفى تلك المدة لبناء دولة حديثة قوية؟! ألم يكن كافياً كل ما لهل وبها من ثروات وميزات وقدرات لتحقيق ذلك؟!
* أعلم عزيزى القارئ أنك مثلى تعلم الإجابة..
أن هناك دولاً تشابهت أحوالها معنا شقت طريقها نحو التحول والصعود من “سِبنسَة” القطار إلى مقاعد الدرجة الأولى فى ربع تلك المدة فقط أو نِصفها على أقصى تقدير بالرغم مع أنها لا تمتلك ربع أو نصف ما تملكه مصر من مقدرات وميزات وثروات، ولكنها حظيت بما افتقدته مصر خلال تلك المرحلة.. “الإرادة الحقيقية لدى القيادة السياسية” التى وإن حضرت ألهمت الشعوب وألهبت حماستها واستحضرت شخصيتها لتصنع بهم ومعهم مجداً يعبر عن حضارتها ويُعَظِم فى المستقبل مكانها ومكانتها،
* أما إذا غابت.. غاب معها وفُقِدَ كل شئ : نِعمَتَىَّ الحلم والأمل، وقِيمَتىَّ العلم والعمل، وركيزة العدل، وفضيلة الأخلاق،
* وقد حدث مع الأسف كل ذلك وأكثر لنا،
هانَت مِصر.. وهُنِّا نحن على من كانوا يحكموننا، أُهمِلت وقُزِمَت.. فتوارت مِصر العزيزة حُزناً وخجلا..ً وتوارى أهلها الكِرام قهراً وألماً .،

*واليوم.. تعود مِصر من غيبتها، عازمة على ترك “السِبنسَة” تتهيأ لأخذ مقعدها، تنهض وتودع سُباتها، تستفيق لتنهى غفلتها، تنتفض وبيد من حمل أمانتها تمسح غبار عقود التيه الأربعة، وبيده الأخرى تداوى أوجاع السنوات المُعضِلة.،
* هى تعلم أن حمله ثقيل وأنه دفاعاً عنها ولأجلها يخوض حروباً متعددة، تثق فى قدرته، وتشعر بصدقه وأمانته، ولكنها فقط تريده أكثر حسماً مع الجُزء المُعوج من جسدها.. فإما إصلاحه أو استئصاله ليحيا الجسد، و ليبقى سائر أعضاءه بمنأى عن مكمن الداء ومصدر الشطط.،
* فلا قيمة للبناء والإعمار والتحديث والتطوير إلى بتطهير وتأهيل عقول البشر . وبإحكام الرقابة وإنزال العقاب لدرء الخطر وجبر الضرر.،
* هى حرب أخرى نخوضها بخيار وحيد ..”النصر”..
فلم تعد رفاهية الفشل أو الهزيمة متاحة الآن.،
* وحتماً.. ستمضى سنوات التيه بكل ما حملته من فسادٍ وإهمالٍ وتَراجُع ، وسنصبر على مصائبنا وأوجاعنا حتى يبرأ الجسد، فما بعد الصبر والضيق إلا اليُسر والفَرَج، وما بعد الكَد وإتقان العمل إلا الحصاد الطيب وارتفاع النُزُلْ.

لا تعليقات

اترك رد