الهروب الى الجحيم بنسخة عراقية

 

أمنيةٌ كان يتمناها أبناء الشعب العراقي في التسعينات وطموحٌ يسعون الى تحقيقه وأصبح الكثير يرددونه سراً وأحياناً علانيةً .. هذه الأمنية وذلك الطموح هو الخلاص من الدكتاتورية بأي ثمن , فكنتَ تسمع الهمس يصل الى مسامعك مراراً (( والله لو يحكمنا شارون أفضل من هذا الوضع )) . ومن شدة الاحباط واليأس الذي سيطر على شخصية الفرد العراقي تقبّل الكثير منهم فكرة تخليصهم من الدكتاتورية بالطريقة البشعة التي مرت بنا وهي طريقة احتلال قوة أجنبية كبرى لبلادنا فأصبحنا نطلق عليهم محررين وليسوا محتلين , ولا ندري هل حررونا فعلاً من أعتى دكتاتورية في تاريخ البشرية أم حررونا من الخوف الكامن في نفوسنا ؟ فاستوردوا لنا ( الفوضى الخلاقة ) منهاجاً لعملنا اليومي وادارة الدولة . نعم إنها الفوضى التي لامست الرغبة الشديدة في التحرر والانفلات من كل القيود ( حتى الايجابية منها والضرورية لضبط السلوك وتنظيم النشاط البشري ) .

الفوضى المنسجمة مع عنجهية راعي البقر ( الكاوبوي ) التي أنتجت خراباً ممنهجاً مدروساً لتهديم مفاصل الدولة ومؤسساتها , لا بل تحطيم أخلاقيات وثوابت المجتمع , لتحل فكرة التسابق في نهب الثروات محل فكرة بناء الانسان العراقي .

الفوضى في فرض نوع النظام السياسي الحاكم في تبني النظام البرلماني و ( التعددية الحزبية المفرطة ) بدلاً من النظام الرئاسي وتحجيم عدد الأحزاب . فلو كان في التعددية غير المنضبطة خيراً لاختارتها الولايات المتحدة الأمريكية وهي راعية التغيير في العراق منهاجاً لنفسها بدلاً من اعتمادها نظام الحزبين ولقامت بريطانيا قبلها في اختياره بدلاً مما تشهده الان من تبني نظام الحزبين .

التعددية الحزبية المفرطة في العراق تحتاج الى تمويل لهذه الأحزاب و ( الدكاكين ) التي تأسست حديثاً , وهذا بلا أدنى شك يدعوها الى سلوك الطريق غير الشرعي لتمويل نفسها , فأخذت تتسابق الى الوقوع في أحضان الدول الأخرى شرقاً وغرباً ومن المؤكد إن لكل من هذه الدول أجندات وأفكار التي أقلها منع العراق من النهوض لأنه يشكل منافساً قوياً لها لما يمتلكه من الكثير من المقومات .

ولم تكتفِ هذه الدكاكين فأخذت تتسابق الى نهب المال العام وتهريب المنهوب واستثماره في بنوك الدول الأخرى لكي لا تسهل ملاحقته . واصبحنا نرى تساقط الوزراء والمسؤولين والمحافظين الذين نكتشف فسادهم بعد أن أتخموا واحداً بعد آخر .. نرى تساقطهم كتساقط أحجار الدومينو ونحن عاجزون ولا نحرك ساكناً

فأصبح الفساد ونهب الأموال ثقافة تطبيقاً لمبدأ ( البقاء للأقوى ) . والشعب في كل ذلك خائف يترقب , وأحياناً كثيرة منقسم الولاءات بين الأحزاب والكتل السياسية .. يراهم ( يخضمون مال الله خضم الإبل لنبتة الربيع ) ويتسابقون الى أداء فريضة الحج , معطلين واجباتهم الأساسية في التشريع وإدارة الدولة , معللين ذلك بالاستطاعة ( من استطاع اليه سبيلا ) وهذه الاستطاعة اُخِذت بالخداع والتقصير في أداء الواجبات . ينهبون , يسرقون لقمة الفقراء ويبنون قصورهم ثم يكتبون عليها ( هذا من فضل ربي ) .

وبعد كل هذا الخراب الممنهج تولدت لدى الفئات المسحوقة من الشعب فكرة الخلاص من الواقع المزري بعد 14 عاماً من التغيير فأصبحوا يفضلون ( البيان رقم واحد ) رغم إنه قفزةٌ في المجهول لكنه قد يشكل رادعاً للذين ( تكرّشوا ) حتى اختفت رقابهم من نهب الأموال العامة وغمط حقوق الناس .

نعم إنه الهروب الى الجحيم لعله يشكل خلاصاً من واقعٍ مرير .

لا تعليقات

اترك رد