“جوع كلبك” نشيد وطني بلا وطن


 

عرفت المغرب السينما منذ ما يزيد علي القرن من الزمان ، عندما أرسل الأخوين “لومير” مصوريهما ، إليها لتسجيل بعض الأشرطة السينمائية ، التي تصور حياة الناس ومظاهرها في المغرب ، لتعرض عليهم لاحقا ، إلي جانب بعض الأشرطة التي روجو بها ، لنشر الفن السابع الوليد ، حيت شهدت مدينة “فاس” أول عروض السينما في هذا البلد. لكن عام 1919 كان بداية إعلان ولادة السينما المغربية ، حيث جاء عرض أول فيلم روائي طويل بعنوان “مكتوب” علي إيدي سينمائيين أجانب ، لكن يؤرخ لهذه السينما بظهور أول فيلم مغربي خالص ، علي أيدي عميد السينمائيين المغاربة “محمد عصفور” وفيلمه “الإبن العاق” عام 1958. ومن هنا استمرت المسيرة ، بجهود عشرات الأسماء من صناع السينما في المغرب ، ومنهم علي سبيل المثال لا الحصر: “حميد بناني” صاحب فيلم “وشمة” عام 1970 ، “عبد القادر لقطع” مخرج فيلم “حب في الدار البيضاء” عام 1991 ، و “عبد الرحمن التازي” وتحفته “البحث عن زوج إمرأتي” عام 1993 . ثم توالي ظهور سينمائين شباب ، قفزوا بالسينما المغربية ، قفزات أوصلتها ، للعروض العالمية ، والمشاركة في العديد من المهرجانات ، وتحقيق الجوائز وشهادات التقدير ، ولعل أبرزهم: “إسماعيل فروخي” ، “نور الدين لخماري” ، “نبيل عيوش” ، و “حسن لكزولي” … وغيرهم من صناع السينما المغربية ، ذات التميز التقني ، والنكة الخاصة.

ويأتي حديثا المخرج الشاب “هشام العسري” Hisham Lasri ليضيف للسينما المغربية العريقة ، بعضا من الأفلام ذات الطبيعة الخاصة ، والتي تتسم بالنكهة السياسية ، والنظرة التأملية ، والحاسة النقدية للمجتمع في المغرب ، حيث قدم أول أفلامه الروائية الطويلة “النهاية” The End عام 2011 ، وجاء فيلمه الثاني “هم الكلاب” عام 2013 ، والثالث “البحر من ورائكم” The Sea Is Behind عام 2014، الذي رشح لجائزة أفضل فيلم في مهرجان “دبي” (2014) ، ولجائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان “القاهرة” عام 2015 ، وأخيرا شاهدنا له “جوع كلبك” Starve your Dog 2015 ، من بطولة: “فهد بن شمسي” ، “عادل أبا توراب” ، “لطيفة أحراري” ، و “بن عيسي جيراري”. ومن المعلوم أن الفيلم رشح لجائزة أفضل فيلم في مهرجان “دبي” 2015 … ويعرض حاليا في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ، في مهرجان “الأقصر للسينما الإفريقية” في دورته الخامسة لعام 2016 ، ضمن إثني عشر فيلما داخل المسابقة من: الجزائر ، تونس ، مالي ، نيجيريا ، جنوب إفريقيا ، مصر ، أوغندا ، ناميبيا ، وساحل العاج.
الصدى وجع كلبك
نعود لفيلم “جوع كلبك” ، حيث يعود المخرج “هشام العسري” بنا لتاريخ “سنوات الرصاص” في المغرب ، التي يمثل وزير الداخلية “إدريس البصري” أحد أبرز وجوه هذه السنوات البغيضة ، في عهد الملك الحسن الثاني ، والتي تمتد من ستينيات القرن الماضي وحتي بدايات التسعينيات منه … تلك الفترة العصيبة ، التي شهدت مصرع مالا يقل عن الستمائة ألف من المناضلين الثوريين ، والتي اتسمت باعتقال واختفاء وتعذيب أضعاف هذا العدد من البشر … علي يد هذا الرجل الذي يعد الرجل الثاني فوق النظام ، بعد سيد البلاد (الملك) ، وزيدت البلة طينا ، عام 1985 ، عندما جمع “إدريس البصري” بين منصبي: وزير الداخلية ، ووزير الإعلام ، واالذي ينطبق عليه المثل: “حاميها … حراميها” أو “أعطوا القط مفتاح الكرار” ، ولم ينجو الشعب من قبضته الحديدية ، وممارساته القمعية ، إلا بإقالته من منصبه ، عند مجيء سيد اللاد “الملك محمد السادس” عام 1999… لكن السؤال الذي يطرحه “هشام العسري” ، هل انتهت تلك السنوات السوداء ، في المغرب ، أو في عالمنا العربي؟.

يؤكد “العسري” في فيلمه “جوع كلبك” أن الحال بقي علي ماهو عليه ، وكأننا كشعوب عربية بليت بحكامها ، لم ولن نسلم من كابوس أنظمتها البوليسية ، الجاثمة علي أنفاس شعوبها ، تكيل لهم مالا يطيقونه من الظلم والقهر ، وتحكمهم بالحديد والنار. ولهذا يبدأ “هشام العسري” فيلمه بمشهد تسجيلي من قلب الواقع المؤلم المعاش ، في مجتمع المغرب اليوم ، حيث نجدنا أمام إمرأة عجوز مسنة ، تشكو فقرها وقلة حيلتها ، وضعف قوتها ، في عهد سيد البلاد الحالي. والغريب أن المارة في الشارع من حولها ، ينظرون إليها ، وكأنها معتوهة خرجت عن الناموس البشري ، أو مجنونة تهذي بكلمات لا وزن لها ولا معني …. لهذه الدرجة من غياب الوعي والتيه ، وصل الحال بالناس ، للامبالاة وفقد الإحساس وتغييب العقل ، والاكتراث بشكوي هذه المشردة المسكينة ، ومثلها آلاف الآلاف من البشر ، ممن يعيشون تحت خط الفقر ، علي فتات الخبز ، وفقر الحاجة ، وذل الحياة وقسوتها.

ويرصد الفيلم حال شعوبنا ، ليس في المغرب وحدها ، بل في غالبية دولنا العربية ، وما وصلت إليه من تردي وتخلف ، وتفشي آفة الجهل ، وقهر المرض ، وذل الفقر ، بشكل أكثر عنفوانا مما كان يسببه المحتل الأجنبي ، وكأن ثروات الشعوب أضحت نهبا مستباحا لحكامها ، بلا وازع من ضمير ، أو نخوة رجولة ، لدي كل من اقتنص كرسيا في نظام الحكم. وقد دلل المخرج “هشام العسري” علي هذه الحقائق المفزعة ، في ظل أنظمة مستبدة ، شهدتها دولنا العربية ، أبان حكم “معمر القذافي” في ليبيا ، “صدام حسين” في العراق ، و “حسني مبارك” في مصر ، وغيرهم من الرؤساء والملوك ، لبلاد أصبح النشيد الوطني فيها ، نشيد بلا وطن … معني بليغ وصل إلينا عبر شريط “جوع كلبك” … وما معني أن نتشدق بنشيد وطني ، بعد أن فقدت الشعوب الوطن ذاته ، المنهوب من شعوبه ، في ظل أنظمة نصبت نفسها ، حكاما علي العباد ، وأصحابا لثروات البلاد.

ويؤكد في نهاية الفيلم المخرج “هشام العسري” علي بقاء الوضع علي ماهو عليه ، من خلال تكرار المشهد الافتتاحي ، فلا زالت المرأة المسكينة تعوي كالكلاب في شوارع المدينة ، ولازال المارة من حولها في سباتهم العميق ، وكأننا أمام نفس سيناريو الأزمنة الغابرة ، وشبح “سنوات الرصاص” ، رغم وجود “السيد الجديد” الذي ذكرت أسمه صراحة … مشهد بليغ لخص الحدوتة ، واللعبة السياسية الكبري ، التي يمتلك خيوطها أسياد البلاد.

الصدى من فيلم وجع كلبك
علي المستوي التقني الجمالي ، تميزت عناصر الفيلم الفنية ، بشكل يتفق تماما مع موضوعة القاتم ، وشكله المأسوي ، إذ نحن أمام مجتمع تتحكم في مساراته حفنة من الحكام يتوارثون كل أشكال القهر ووسائله ، لإحكام السيطرة علي الناس فيه. ولهذا تميز في الفيلم عنصر التصوير والإضاءة للفنان “سعيد سليماني” ليعكس الجو الكئيب والخانق للحالة النفسية عند البشر. وجاء عنصر الأداء التمثيلي من أساسيات التعبير عن الحالة ، وتميزه عند “فهد بن شمسي” ، “لطيفة أحراري” ، “عادل أباتوارب” ، و “بن عيسي جراري”. وبعود الفضل في تجنب تسرب عنصر الملل ، بسبب ضيق مكان الأحداث ، لعنصر المونتاج للفنان “ميكائيل كلوبيه” … وغيرها من العناصر الفنية ، التي أضفت علي الفيلم جماليات ، شكلت أحد أهم وسائل الجذب لدي المشاهدين.

بقي أن نشير إلي أن المخرج “هشام العسري” هو كاتب السيناريو ، الذي برع في إحكام سيطرته علي الفيلم ، سواء كان علي الورق (السيناريو) ، أو بعد تنفيذه في نسخته السينمائية … برغم بعض الملاحظات البسيطة ، التي يمكن التغاضي عنها ، ونحن أما فيلم علي هذه الدرجة من القبول ورد الفعل الإيجابي من جانب جمهور المشاهدين … الفيلم يدق ناقوس الخطر المحدق بنا ، لعلنا نفيق من سباتنا العميق.

شارك
المقال السابققبل ثوانٍ من الرحيل
المقال التالىماضي
ناقد وباحث سينمائي مصري حاصل على ماجستير النقد السينمائي / بدرجة امتياز ( أكاديمية الفنون 1996) و باحث دكتوراه في النقد السينمائي (المعهد العالي للنقد الفني / أكاديمية الفنون). عضو في كثير من الجمعيات السينمائية واهمها جمعية نقاد السينما المصريين و جمعية السينمائيين التسجيليين المصرية. لديه الكثير ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد