أنوثة الطاغية


 

لو دخلت خلسة، تمشي على أطراف الهدوء. تتسلل من شرفة العقل الشرقي؛تلك الشرفة التي نسيَّ أصحابها أن يغلقوها قبل أن يخلدوا في سبات السهو السحيق. ثم رحت تتجول ما بين الممرات الطويلة، وبدافع من الفضول، تبدأبفتح الغرف، الغرفة تلو الغرفة، تندهش عندما ترى الصناديق المغبّرة من الأفكار المتكدسة في زوايا العقل الباطن، وتلك الكراكيب العتيقة المبعثرة على رفوف التناقضات الكبيرة؛ لتبحث عن معنى “الأنوثة الطاغية” وماذا تعني في قواميس الشرق؛ فيصدمك التشابه إلى حد التطابق لشرح الكلمة والأغرب منهذا بأن توحد المعنى، تجده حتى لدى الكتّاب والأدباء والكثير من الشعراء؛حينها يرهقك الوقوف فتتخذ لك مِقعداً في إحدى زوايا العقل، لتقرأ كيف يفسرون هؤلاء معنى الأنوثة.

في قواميس بائسة الشرح، من الورقة الأولى تستشف بأن الذين قاموا على تفسيرها هم قومٌ سذج إذ أنهم يفسرون الأنوثة << هي امرأة باذخة الإثارة بتفاصيل حسية بارزة، تسيّل لعاب الرغبة دون أن تنبس بحرف. لو مشت ارتجفت الأرض تحت أقدامها وحفر كعبها المدبب ندبة في مسامات التراب الملتهب من هول ما عليها من فتنة وإغواء>>

ليست السذاجة في شرح المعنى لمعنى الأنوثة الطاغية؛ السذاجة والحماقة الكبرى هي أن جمع من النساء قد صدقن هو الوصف والتقييم وعملن به.

حين قامت الثورة السينمائية بإنتاج أفلام تجسد هذا الصنف من الأنوثة الطاغية من خلال الشاشة الكبيرة والتي جسدتها ممثلات يحملن نفس المواصفات للتفسير الشرقي للأنوثة الطاغية، وقد استثمر بعض المخرجين والمخرجات ولع الشرق في أفلام شبه إباحية جمعت الحشود أمام شباك التذاكر كانت بمثابة صرخة جريئة وخروج عن النص الأخلاقي مما جعل دور السينما في بعض البلدان العربية تعج بأولئك الذين يعتنقون عبادة الجسد المثير، على أنه هو المعنى الأقوى لشرح الأنوثة الطاغية. كأنموذج وانطباع ترسخ في العقول المتعطشة للماء الساخن.

وفي قواميس شرقية مع مزج خفيف من ثقافة أجنبية، ذات أغلفة أنيقة، بأوراقناعمة وملّونة، حيث الكلمات مكتوبة بخط ارستقراطي الحروف، وحبر مذّهب،أصحابها من الفئة المعتدلة في تفسير الأنوثة، هم ليسوا بالمتطرفين والمتعصبين للجسد بشكل مباشر، يذهبون في شرح الأنوثة على أنها << امرأة لها جاذبية وبريق يشع من شباك عينيها، تنتقي لحضورها ابتسامة صغيرة مفتعلة بذكاء؛ كعزف هرموني يرافق إيقاع الكعب العالي، تختار لكلامها نبرة هادئة، وهم يعتبرون بأن تلك المقدمات وطريقة حياكتها لثوب الوهلة والانطباع الأول، هو ما يمنح المرأة جنسية ” الأنوثة الطاغية” وأخيراً هم يختتمون الشرح ” امرأة تشعل حطب الرغبة لكن على هيئة نار هادئة وهذا الصنف نجده ما بين صفوف الطبقات المخملية والتي تعتمد على موسيقى الكلام المترف بالغنج؛ إذ أنهم ينفقون المال والوقت ويتلذذون بهذا الصنف من النساء اللائي يمتلكن موهبة ” الأنوثة الطاغية” هم يشعرون بنرجسية فاخرة كلما رفعت المرأة من منسوب غرورها وتمنعت بدهاء ومكر أنثوي

وبهذا هم يلتقون مع الفئة الأولى حيث يجدون بأن الأنوثة الطاغية في الإثارة. وهذا الشكل من الأنوثة أيضاً يمارسنه بعض الفنانات وغالباً يفعلنه المطرباتوالراقصات اللواتي اتخذن من أشكالهن وأجسادهن المثيرة سواء بشكل طبيعي أو من خلال اللجوء إلى عمليات التجميل.

هذا الشرح المغلوط وتلك المذاهب المتعددة في تفسير الأنوثة الطاغية هو من شوه المعنى الحقيقي بحيث أصبح المقياس الدارج والمعتمد والذي دفع كثير من النساء إلى ارتكاب حماقات ساهمن في تشويه معنى الأنوثة الطاغية.

وكذلك نقرأ مثل هذه التفسيرات والشروح لمعنى الأنوثة، في أغلب الروايات والقصص والقصائد، إذ يعتمد الكاتب أو القاص والشاعر إلى تجييش حروفه وصوره ومعانيه نحو الجسد، وإبهار غرائز القارئ وليس عقله؛ متناسي اًومتجاهلاً القيمة الروحية وعمق النظرة في وصف الأنوثة الحقيقية والقيمةالإنسانية للمرأة.

كما أن الرجولة هي ليست في البنية القوية والوسامة الشديدة، وليست فيالقساوة وسادية التعامل، والديكتاتورية اللفظية؛ كذلك فإن الأنوثة مطلقاً هي ليست في الرقة والنعومة كما هو متعارف ومعتمد ومختوم في أذهان الشرق.

إن كانت الأنوثة كما تعتقد مذاهب الرغبة، هي جسد وإثارة فأن العين مع مرورالنظر والاعتياد، تمل من أجمل جميلات الكون وإن كانت الأنوثة في الجمال الظاهري فهل هذا يعني أنه علينا أن نحرق كل النساء اللواتي لم يكن لهنحظ الجمال الخارجي؟

إن مفهوم وشرح معني الأنوثة يحتاج إلى صياغة أخرى، وإلى إعادة نظر في تفسيره. وألا نقصي الأثر الروحي كعامل أهم وأقوى في معنى الأنوثة. قديكون أمراً موجعاً حين ينظر غالبية الرجال إلى المرأة على أنها مصدر إثارةحسّية واشباع رغبة البصر والغريزة؛ لكن ما هو موجع أكثر حينما ترضىالمرأة لنفسها مثل هذا الدور الضيق وتتحول إلى “شهرزاد” تنفق وقتها وعقلها فقط لترضي سمو الرجل “شهريار”.

عندما تؤمن المرأة بما تملك وتتكئ على جمالها الداخلي، وتسعى جاهدة إلىتجميل فكرها، وحقن عقلها بما يفيدها؛ وإن لم يُعجب ذلك رغبات واهواء الكائن الشرقي؛ حينذاك سوف تصبح المرأة مدرسة عظيمة من مقاعدها، تنشأ أجيالاً بعقول متعافية، بلا عقد وبدون إرهاصات نفسية وفكرية.

الأنوثة الطاغية ليست امرأة فائقة الجمال، باذخة الإثارة كعارضة أزياء تحرك طاحونة الحواس، أو كعاصفة تثير فيك غبار الغرائز وزوبعة من شهوة. الأنوثة هي امرأة تحتوي كل ما فيك، تُحبك أنت كما أنت، بشكلك البسيط وحالك المتواضع. تسهر معك إلى وقت متأخر من العمر ترتب لك أغطية أحلامك، هيامرأة ثلاثية العاطفة، تصير لك أمٌّ إذا الحياة غيبّت عنك أمك، وحبيبة تعشقك،تعفو وتغفر لك هفواتك وخطاياك، يغريها ما في قلبك من نبض لا تبحث فيجيوبك ولا تقايض ابتسامتها على حجم هداياك. هي امرأة تكون لك مأوى وسكن ووطن دافئ، فلا تنظروا إلى الأنوثة على أنها كومة قش من رغبة؛ فلاتحرقوا وطن الأنوثة بأعواد ثقابكم كما أحرقنا بثقاب الجنون أوطاننا.

لا تعليقات

اترك رد