القطة السوداء

 

تدور رحى طاحونة الكيال، فيما وعته ذاكرتي بأشياء كثيرة تخرج عن نطاق العرف، عادته حين كان يجمعنا في حجرته الطينية،يمثل في مخيلتي الآن شكله الذي وعته ذاكرتي منذ أربعين عاما، يومها كنت أتلمس طريقي وسط كومة من إخوة يبيتون بنصف معدة فارغة، يتركون للماء أن ينساب فيها بحرية، يوجد سرداب طويل يقف عند مدخله حارس يمسك بسيف يقطع رقبة من يخطيء في معرفة سر الباب، الممر المؤدي إليه يوجد في الصفحة الأولى من كتاب عند “الشيخ جاب الله” رجل مبارك نثر كلمات كثيرة في النهر، حين كان الفيضان توزعت في الدلتا أسراره، لم يصبه الملل يوما، في عز الظهيرة الحمراء حيث الشمس تشوي الرؤوس، زرع أشجار التوت، لم يبن له بيتا سكن ضفة النهر كوخه ما يزال ماثلا تحت شجرة الجميز العجوز.

كنا نسخر من هذا الشيخ؛ ثيابه ظلت بيضاء لا أثر للأيام عليها، الصغار يسرقون أرغفة الخبز اليابسة من مخلاته المتدلية من عنقه أسفل ظهره، حين سمعت به غصت بين إخوتي فقد قذفته اليوم بحجر ملأت به كفي، في لمحة كان الحجر يسيل منه دما!

يا للأسى ابتسم الشيخ، أسرع وأمسك بي، تفل في يديه ثم مسح بها على وجهي، ألقى إلي بكلمة غريبة” شربة ماء من النهر” لم أكن أعي دلالتها، أوصاني ألا أنطق بها إلا عند حنية النهر تحت الجميزة العجوز التي تقف وحيدة؛ وأخبرني أن هذا الحجر الصغير الذي قذفته به مبارك، رده إلي وقال : اضرب به جذع الشجرة ثلاث مرات، حين يصعد الشيخ منبر المسجد القبلي.كنت مرعوبا فلم أنم هذه الليلة، الريح تلطم نافذة بيتنا المسدودة بقطعة من بطانية صوف الغنم المهترئة، قطة سوداء تموء في إرتعاشة عجيبة، تسللت إلى خزانة اللبن، أخرجت لها وعاء به قطع خبز من بقايا عشاءنا الأخير،

قدمتها ممزوجة بلبن متخثر، حركت ذيلها في سعادة، في لمحة وجدتها تحولت إلى امرأة كبيرة، ربتت على كتفى،تركت لي ثلاثة أرغفة مدورة تلمع في ضوء القمر،تسللت إلى جدتي، ثم وشوشت في أذنها بهذا، احتضنتي وأعاذتني بالله من الشيطان ونداهة الليل،لكنها وهي الحكيمة، تلمست الأرغفة وجدت لكلامي صدقا، حين وضعتها على شفتيها،كانت لا تبصر إلا قليلا، أوصتني ألا أبوح بهذا لأحد فزوجة خالي طردت هذه القطة بل وأحرقت صغارها في الفرن ساعة صلاة الجمعة بين الأولى والثانية، ربما هي تخوفني بهذا، زوجة خالي بالفعل تولول كثيرا، بل وتجري في الشارع يقولون: ركبها عفريت السرداب، أخبرهم بهذا الشيخ جاب الله!

ربما كانت جدتي لا تحبها؛ لقد سرقت خالي منها، ابنة بهانة هذه كانت شيطانة حمراء:قالت ذلك عنها جدتي.
تجمعت هذه الخيالات ومثلت أمامي وحشا مرعبا، مثل “ثور جادو” الذي أكل قفة فول ومن ثم يهدم أي حائط،ويكسر ناف الساقية في يسر بعدما يسقي أرض الوسية.

لم أكتف بهذا، حين جاءت صلاة الجمعة ارتديت جلباب العيد الذي خاطته لي أمي من الدبلان الأزرق، كنا نتسلمه من يد الست ” عصمت” رحمة الله عليها، تنفحنا العيدية ؛ ثلاثة قروش ومليما لكل طفل وقطعة لحم مشوية وصحنا مليئا بالقشدة.

وحدي انزويت عند الشجرة العجوز، بحثت في تلة الرماد وجدت وصاية الشيخ، ولأنني كنت عطشانا، شربت من النهر، وجدتني عند مدخل السرداب، صوت الرعد يهزني، البرق يحيط بي، اندفعت في فزع داخل الممر، وجدت الحارس فنطقت بالكلمة السر دون إرادة مني، وقع تحطم سيفه، وجدت القطة السوداء يتبعها صغارها، يحيطون بي، أضاء السرداب ديك ذو عرف أحمر، أذن في سعادة غامرة.
بدأت أعرف سر الحرف، كلمة وراء كلمة يدخل الصغار تشرق الشمس .

لا تعليقات

اترك رد