ماضي

 
الصدى - الماضي
لوحة للفنان مراد ابراهيم

النزيل الذي كان يقاسمني غرفتي مات. صاحب الفندق يعرف ذلك. ولطالما هز برأسه مؤيدا. ومساعده يبدي أسفه كلما شاهدني.. “ماضي، الصباغ الأخرس، كان شابا لطيفا”. هكذا تجيبني المنظفة الشابة، فأعيد لها ما رويته مرارا: “في المشرحة، أشار أحدهم الى جثة مشوهة وزعم أنها جثته. كدت لا أصدقه، لولا ذلك القميص اللعين وبقع الأصباغ المنقوعة بالدم.. قلت: لا. رددتها كثيرا للإجابة على استفساراته. لا أسرة له. لا أقرباء. لا معارف. انه مثلي مقطوع من شجرة.

المشرحة تخلصت من جثمان ماضي وسلمته لي. وأنا دفنته في المقبرة. وعدت بقميصه الى الفندق. علقته بمكانه القديم. بالمسمار الذي دقه هو بالحائط وأزعج وقتها النزلاء وأغاظ صاحب الفندق.

ماضي، الصباغ الأخرس قتل في حادث تفجير عمال المسطر. أنا الذي عثرت على جثته ودفنتها. وجلبت قميصه المخضب بالدم. والكل صدق برواية عثوري على جثته. وسجلات المشرحة تشهد على ذلك. ولم يبق إلا أن تقتنع تلك البقع المخضبة بدم ماضي وتكف عن الهذيان.

لقد أشعرتها مرارا برغبتي تلك. وطلبت منها أن تصمت وتدع ماضي في قبره. فصاحب ذلك القميص الذي كان يقاسمني عفونة هذه الغرفة مات. وأنا الذي عثرت على جثته وتحملت تكاليف دفنها. ولطالما رويت ذلك لصاحب الفندق ولمساعده وللنزلاء وللمنظفة الشابة.
غير أن كل بقعة من تلك البقع السوداء والصفراء والخضراء والبيضاء ظلت تبدي عنادا أكثر من غيرها وتصر على سرد المزيد من الوقائع والمغامرات وتنسبها الى ماضي الذي قتل ودفنته بيدي وعدت بقميصه الى الفندق..

ولكنه لم يكن هكذا. قلت للبقع. أحيانا كانت تتملكه مثل هذه الأوهام. فيزعم أن بعضكن تتحول الى طيور كبيرة. تفرش أجنحتها. وتغازله. ثم تحمله الى أمكنة لا يتذكرها.. هو لم يقل هكذا بالضبط. ولكنه تطرق الى تهيؤات غريبة حصلت له في أشد أيامه بؤسا. عندما كان يقضي نهارا سقيما بلا عمل. ثم يعود الى الفندق قبل حلول الغروب.. ماضي صبور وطيب ومكافح. وكان صاحب الفندق ومساعده يفضلانه على النزلاء كافة.. كان يستيقظ مبكرا ويذهب الى ساحة الطيران. الى ذلك المكان الأكثر ضجيجا. ولكن كل ذلك الصخب لا يعنيه. يظل يخطو ببطء، وكأنه يتسكع لوحده. وحين يصل الى نهاية الشارع المكتظ بالعمال. يضع عدة عمله على حجر ويجلس قبالتها. ثم يشرع بمراقبة المارة.

كانت له عينان ماكرتان يصطاد بهما “المقاول” قبل أن يومىء بكفه أو يتكرم بإشارة من ذقنه. وكثيرا ما كان يفخر، وهو يشير الى أنفه مرددا: بهذا أصطاده قبل أن يصل الى المسطر. كان يومىء لي بيديه وحاجبيه وشفتيه فأفقه ذلك.

ماضي صباغ ماهر ونشيط. ويبدو أن جاهزيته المتوقدة تلك جلبت له فرص عمل كثيرة وانتشلته من الإفلاس.

هكذا كانت نهارات ذلك الماضي الجميل. وهي بخلاف القليل من نهاراته البائسة التي لا يشم فيها رائحة مقاول. فغالبا ما كان يتسلل من بين ذلك الزحام. ويعبر الشارع باتجاه مصطبته المفضلة في حديقة الأمة.

أنا تعرفت عليه هناك. ونمت صحبة بيننا على تلك المصطبة. ثم اتفقنا بعد ذلك على أن نتقاسم عفونة غرفة في فندق رخيص.. لقد لمحته مرارا بجلسته اليائسة تلك. كان يمد قدميه ويطأطأ برأسه ويشرع بإحصاء البقع الملونة. البقع المتلاصقة من أعلى كتفيه الى أسفل بطنه، والتي كانت تدعوه لتعرض عليه قصصها. كان يلامسها بأطراف أصابعه. ويتأمل في ألوانها ويبتسم. ثم يغرق في سبات عميق..”لعلني كنت بصحبة أحد الطيور” هكذا كان يعلل غيبته بإشارة محلقة من كفه مصحوبة بأصوات متداخلة تهيئ له ما يشبه الصحوة فيبتسم ويتهلل وجهه ثم يختار أول بقعة.. ” بقعة سوداء، مابها؟. ها، شارع السعدون. نعم الذي نفطر فيه. نحتسي “الشوربة” صباحا على رصيفه. ها، هذه البقعة من طلاء أرصفته. منذ أعوام عديدة. ماذا؟. كانت نهارات جميلة. شاهدت فيها الكثير من المارة. أجانب. أطفال، فتيات جميلات. امرأة جميلة ابتسمت لك. يا شيطان!. إيه. هذه بقعة وردية. أين؟. مسرح؟. المسرح الوطني. ها، ها. مكتظ بالفنانين والجمهور. عائلات، ثياب ملونة، فنانات يرتدين البنطلونان الضيقة. حفلة، موسيقى. يا لبؤسك يا ماضي.. وبعد. البقعة البيضاء. نعم، نعم مدرسة. مدرسة ابتدائية. أطفال، تلاميذ.. المنظفة؟. جميلة وفاتنة. ها، أصحيح ما تقول؟. وأكثر من مرة؟. وكيف حظيت بها!؟. ها، بعد أن غادر المدير والمعلمين والتلاميذ. إيه. وكانت تجلب لك الطعام والماء المثلج. أنت مغامر يا ماضي.. هذه بقعة صفراء شاحبة جدا. من بقايا طلاء بيت فخم، وبعد؟. تسكنه أسرة غنية.امرأة عجوز. جدتهم. عطفت عليك كثيرا. أعطتك مالا وملابس نظيفة. ومنحتك هذا الخاتم الفظي. أنت تحبها كثيرا. تذكرك بأمك رحمها الله. ماذا؟. أأنت تذكرتها قبل شهور؟. وقررت زيارتها. ارتديت أجمل ثيابك. أنت مجنون. ايه؟. الشوارع مغلقة بجذوع النخل. كتل كونكريتية. سيطرات. ماذا؟. قصف مدفعي. بيوت مهدمة. بيوت مهجورة. من؟. أحد سكنة المنطقة إنقظ عليك. ثلاثة رجال. أحدهم وضع مسدسه قريبا من رأسك. انهالوا عليك بالضرب والركل. ارتعدت. سقطت على الأرض. كدت تموت من الخوف. كان قلبك يرتجف. قلت لهم: أنا صباغ وأخرس. جئت لزيارة… تلعثمت. أشرت الى الدار. امرأة عجوز. فتشوا ملابسك. تأكدوا تماما أنك لا تحمل سلاحا. ولم يبعثك أحد. وغرضك هو زيارة امرأة عجوز. ها، انتزعوا من جيبك هويتك. تشاوروا فيما بينهم. قالوا لك أن الأسرة هجرت. هدد أفرادها بالقتل. دفعك أحدهم. قالوا لك: اذهب يا ماضي بسرعة. إن عدت ثانية سنذبحك. إياك أن تعود يا ماضي. نجوت من القتل. نعم، لن أكررها أبدا “.. ماضي أنت تهذي. كف عن النظر في هذه البقع.. كثيرا ما كان يهذي ذلك الماضي الأخرس. ولا يكف عن التأمل في بقع قميصه كلما شحت رائحة المقاول ودقت أجراس أنفه وتسلل الى مصطبته القديمة.

ولكنه الآن ميت. ماضي، النزيل الذي كان يقاسمني غرفتي مات. وأنا الذي عثرت على جثته بعد ساعات من وقوع الانفجار. وتكفلت بدفنها. وعدت بهذه البقع الملونة التي لم تمت بعد. ظلت تهذي مثل صاحبها. تروي أطياف مغمورة من ذلك الماضي المقبور. جذاذات مسحورة ولينة، تشاكس انشغالي. وتعيدني قسرا الى أثر مصلوب وليس الى جثة ماضي التي شهدت غسلها وتكفينها ودفنها. هذه البقع تتناسخ. هذه الألوان المبعثرة لا تموت. مازالت تفوح برائحة ماضي. ماضي بدمه ولحمه. مازالت تهتز وتربو، لتصنع ماضي. ماضي النزيل القديم الذي كان يقاسمني غرفتي..أمس، اتجهت نحوي. كل بقع أصباغ قميصك يا ماضي أقبلت. بدت فرحة ومنتشية. وكنت أراها في المرآة وهي تتراقص على كتفي وصدري وبطني. وراحت تحيي ببطء ذراعيك وساقيك وجسدك. أحيت ذراعيك يا ماضي وحشرتهما في أكمام قميصك. وأحيت قدميك وهاهما يتدليان أمامي. ثم ظهر فجأة رأسك يا ماضي. اعتلى على ياقة قميصك. فلمحت وجهك. هذا هو ماضي. النزيل الذي كان يقاسمني غرفتي عاد. ماضي عاد. ولكن صاحب الفندق لم يهز برأسه مؤيدا،. ومساعده أبدى أسفه أيضا.. ماضي الصباغ الأخرس، كان شابا لطيفا. هكذا أجابتني المنظفة الشابة فلم أجد رغبة بإعادة ما رويته لها مرارا.. حملت عدة عملي وذهبت الى ساحة الطيران. الى المكان الأكثر ضجيجا. ولكن كل ذلك الصخب لا يعنيني. وضعت عدة عملي على حجر وجلست قبالته. ثم شرعت بمراقبة المارة. وحين فرغ المكان من العمال تسللت بهدوء وعبرت الشارع باتجاه مصطبتي المفضلة في حديقة الأمة. مددت ساقي وطأطأت برأسي. وراحت أصابعي تلامس البقع الملونة. البقع المتلاصقة من أعلى كتفي الى أسفل بطني. ثم غرقت في سبات عميق.” لعلني كنت بصحبة أحد الطيور”. هكذا عللت غيبتي بإشارة متموجة من كفي، مصحوبة بأصوات متداخلة، لعابر، كثيرا ما كان يلمحني جالسا على هذه المصطبة.

المقال السابق“جوع كلبك” نشيد وطني بلا وطن
المقال التالىأصبح وطني لعبة الشمس
عبدالكريم العبيدي روائي وشاعر وإعلامي وصحفي. حاصل على بكالوريوس لغة عربية/ كلية الآداب جامعة البصرة – 1983/1984. عمل كرئيس قسم التحقيقات والقسم الثقافي في جريدة الساعة. أحد مؤسسي جريدة المدى ورئيس قسم التحقيقات لمدة عامين ونصف. رئيس قسم التحقيقات في جريدة النهضة... مراسل إذاعة البي بي سي في بغداد لم....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد