بدايات الفلسفة الاولى

 

كثيرا ما نقرا في كتب التاريخ والفلسفة ونسمع من مصادر متنوعة ان اصول الفلسفة الاولى ظهرت مع بداية ظهور الحضارة الاغريقية وسطع نجمها مع بروز اسماء فلاسفة اغريق مثل سقراط ، وافلاطون ، وارسطو … وغيرهم من الذين اعتبروا انهم واضعين اصول وقواعد الفلسفة والتأمل الفكري .

ولكن لنأتي اولا على تعريف الفلسفة والغاية منها. فالفلسفة لغويا كملة مشتقة من لفظة اغريقية فيلوسوفيا وهي تتكون من مقطعين فيلو والتي تعني محبة وسوفيا التي تعني الحكمة فالترجمة العربية لها هي(حب الحكمة ، طلب المعرفة ، البحث عن الحقيقة) .

اما اصطلاحا فقد كثرة التعاريف وتنوعت لإعطاء تعريف مناسب لها فيعرفها البعض مثل الفارابي انها العلم بالموجودات بما هو موجود ، و يرى ابن رشد ان التفكير في الموجودات يكون على اعتبار انها مصنوعات ، وكلما كانت معرفة المصنوعات اتم كانت المعرفة بالصانع اتم.

في حين نجد ان الفلسفة عند ديكارت هي دراسة الحكمة لأنها تهتم بعلم الاصول بما فيها علم الله وعلم الانسان والطبيعة وان فكرة الفلسفة عند ديكارت تكمن في الفكر المدرس لذاته الذي يدرك شمولية الوجود. وهو بذلك يقودنا الى ان نعرف الفلسفة على انها علم بالمبادئ العامة وليس علم يبحث في المعارف الجزئية الخاصة.

بناء على ما تقدم فان الفلسفة في هذا الاطار ما هي إلا طلب المعرفة وهي تشمل ايضا التأمل والتفكير بكل الموجودات وتسعى من اجل وضع تفسير وحلول لكل المشكلات. وإذا ما اعتبرنا ان التفكير والتأمل الذهني هو اصل الفلسفة وماهيتها فكيف يكون ظهور ذلك التأمل في اصل الموجودات والكون والخلق بدا مع ظهور بواد الحضارة الاغريقية وتحديدا في القرن السادس قبل الميلاد. ويجب ان نشير هنا أننا لسنا بصدد انكار فضل فلاسفة اليونان في تطوير علم الفلسفة ووضع قواعد ومناهج معينة لها، لكن نحن امام عدد من التساؤلات عن اهم المدونات والكتابات الادبية التي وصلت لنا من الحضارات التي سبقت الحضارة الاغريقية بالإلف السنين بعيد عن التفكير والتأمل بأصل الاشياء ؟ وهل انسان الحضارات الشرقية بالتحديد بلاد الرافدين وبلاد وادي النيل لم يشغل باله بالفكر التأملي والتساؤلات حول اصل الكون والأشياء واصل الخلق وماهية الاخلاق والحكمة واصل القوانين والسياسة والحكم وهو الذي توصل الى اختراع واكتشاف العديد من الانجازات

الحضارية والعلوم الرياضية والمعارف الفلكية التي توصل اليها؟ في الوقت الذي نجد ان اغلب المدونات الادبية والأساطير مثل اساطير خلق الانسان والكون،والطوفان ، وأساطير الخلود والعالم الاخر فضلا عن قصص الحكمة والأخلاق وان كانت ذات سرد ادبي إلا انها لا تخلو من الوجه الفلسفي ان صح التعبير فأنها حملت في طياتها افكار الانسان وتأملاته الاولى حول الطبيعة وان كانت ذات طابع ديني مبسط فأنها حملت في بوتقتها رؤى فلسفية . فنجد انسان بلاد الرافدين كان دائم البحث عن ماهية الاشياء وأصولها ويبحث عن حلول للمشكلات وان كانت بشكل بسيط غير ممنهج لان هذه الافكار كانت منبثقة من مشاهداته البسيطة ومن واقع بيئته التي يعيشها ويفسرها طبقا لذلك. لهذا نجد ان فلسفته جاءت مستقلة ومختلفة. لكن مع مجيء التجارة وتطورها وخروج الانسان من واقعه واندماجه مع باقي الشعوب المجاورة بدأت تأملاته وأفكاره تأخذ منحى اخر وتعطي حلول وإجابات تختلف عن سابقاتها بحيث اصبح العقل البشري اكثر مرونة وأدق في تعامله مع الاسئلة.

كما ان ازهار التجارة وانتقالها من مكان لأخر اثر في نقل الافكار والمعارف فكان لها الفضل في دخول اغلب الانجازات والاختراعات والمعارف الرياضية والفلكية وحتى الادبية التي انتجها الفكر الرافديني الى بلاد الإغريق. فما بالنا ونحن نتحدث عن الافكار الفلسفية حول طبيعة الاشياء واصل الكون والإنسان فهي ايضا من الافكار التي وصلتهم حالها حال العلوم الاخرى فأخذها الاغريق وبدءوا بتطويرها وفق المعطيات البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشونها هذا من جانب ، من جانب اخر ان اغلب فلاسفة الاغريق تلقوا تعليمهم في مدارس الحضارات الشرقية البابلية ، والفرعونية التي اثرت بشكل كبير على افكارهم وتأملاتهم فطوروها حسب طبيعة مجتمعاتهم التي عاشوا فيها. وهذا يقودنا الى ان نقول ان فلسفة لم تكون وليدة عقل بشري واحد بل هي امتزاج افكار الناتجة عن التجربة البشرية والخبرات التي يستنير بها الذهن البشري فنشأت من خلالها رؤى فكرية ساهمت في الارتقاء بمستوى العقل البشري ليغدو اكثر مرونة وتعاطي مع الحياة .

لذا نقول اننا عندما نتكلم عن علم و فكر معين فان الامانة العلمية تحتم علينا ان نعود الى الاصول الاولى مهما كانت بسيطة وغير ممنهجة وفق اصول وقواعد صحيحة ، لأننا نؤمن بالتطور الافكار وحداثتها ولان كل فكرة وكل علم لابد انه له تراكم معرفي وتجارب يومية ساعدت على تطويره وبلورته بالشكل الصحيح كما هو حال الفلسفة التي كانت عبارة عن تأملات وأفكار بسيطة وأساطير متنوعة المحتوى والمعنى فتطورت نتيجة ذلك التراكم المعرفي والتجارب الانسانية الغزيرة فجعلت منها علم ذا اصول ومدارس متنوعة.

لا تعليقات

اترك رد