هلوسات أب مكلوم

 

(كتب هذا المقال لمناسبة الذكرى الثانية عشرة لإستشهاد ولدي المرحوم وميض الوزان بتأريخ 29-8-2005 )
—————-
تعود مظلوم التردد كل إسبوع الى المطار والوقوف في طوابير طويلة أملا بوصول ولده الشاب وميض البالغ من العمر سبعة عشر عاما بعد غياب 12 عاما .
كان مظلوم يحدث نفسه كثيرا ويؤمن أكثر بالمعجزات ولم يستطع الكثير من أصحابه ثنيه عن ذلك.
وفي ساحة الانتظار المخصصة للمستقبلين في المطار تقدم من احد المسافرين وبادره بالقول بكل لطف:
– أخوية ..يرحم والديك ..هاي الطيارة جاية منين ..( رد عليه ) عمي هاي من إيطاليا…. ( ربت مظلوم على صدره وابتسامة الأمل تعلو قسمات وجهه ) اي الحمد لله ..يمكن وميض طلع لايطاليا عن طريق البحر وعبالهم غركَ..ربك قادر على كل شيء قدير ..بلكي يبين…ليش لا ..شفنا أفلام وقصص عن لم الشمل ..( وبعد خروج جميع المسافرين ومضي ساعة من الزمن توجه بالسؤال لمسافر آخر) :
– إبني هاي الطيارة الثانية منين جايه ( رد عليه أحدهم) حجي من ألمانيا . اي والله خوش ( وهو يحدث نفسه ) ابني أشقر ووجهه كالقمر ودائما اشاقيه وأكَله ..ولك وميض تزوج وحسِن النسل…هسه يطلع بألمانيا..هواية ناس هاجروا لألمانيا ..ان شاء الله منهم ..( فجأة شاهد أحد المسافرين الشباب فصرخ):
– اجه وميض ..هو ..سبحان الله (إغرورقت عيناه بالدموع وصاح ) الله أكبر ..موكَلتلكم عايش …وميض..اني ابوك …كبران وليدي وصاير رجال ..( لكن القادم أزاحه بهدوء وبلغة أجنبية طلب منه فسح المجال له للمغادرة…(اذن انه اجنبي وليس وميض.. كفكف دموعه واستدار ببطء عائدا أدراجه وهو يتمتم مع نفسه )..يله…الاسبوع القادم هم أجي…
وفي الاسبوع الثاني وقف أيضا وهو يسأل هذا وذاك بنفس الطريقة وتكرر الحال ، وفي الإسبوع الثالث صادفه أحد أصدقائه فاستفسر منه عن سبب تواجده فقال:
والله انتظر وصول المحروس وميض !!. ( استغرب الصديق وهو يعي جيدا ان وميض أغتيل عام ألفين وخمسة فاستدرك لما يجري ودعاه للجلوس معه قريبا وذكره بأن أمر الله قد نفد منذ ذلك العام وان عليه التجلد والتصبر والايمان بقضائه وقدره فرد عليه بابتسامة مصطنعة وهو يوميء برأسه):
…نعم أعلم ذلك لكن أيضا أعلم أن الله على كل شيء قدير وان حكايات كثيرة مشابهة عاد فيها الغائبون ..
الصديق: لاحول ولاقوة الا بالله..قم يارجل ودعنى أصطحبك الى البيت فانت بحاجة الى الراحة.
مظلوم : ياأخي مابالك لاتصدقني…نحن شعب مبتلى.. وكل غريب وعجيب يحصل في العراق.. مئات الألوف من العراقيين اختفوا عبر أكثر من أربعة عشر عاما وليس جميعهم قتلوا.. وأنت تعلم ان من يقف خلف ذلك ( العلوج) والميليشيات والتفجيرات وأسباب كثيرة ومازال الناس خانعين يقدمون أرواحهم وأولادهم وممتلكاتهم وتنتهك أعراضهم و….( قاطعه الصديق بلطف وحزن)…
__ كل ذلك صحيح ..لكن يؤسفني يااخي التذكير بأن ولدك أهيل عليه التراب وكنت هناك منذ 12 عاما..قل ياالله واستعذ به من الشيطان الرجيم . هيا بنا ( وهو يسحبه من ذراعه ويتجهان للمرآب فلم يجد الأب الصابر بدا من الانصياع وهو يقول ):
_ لكني سأتشبث بالأمل حتى ولو صح ذلك؟.. وهاهو العيد قد اهل علينا( ثم تمتم بصوت خافت) .. عيدت كلها الناس بس انت ظليت ..جي انت ماموجود يالغالي بالبيت ..لا لا تمر ياعيد من يمنا معذور ..أسود لبسنا وراح نغبش للكـبور. لماذا يحرم العراقيون من تحقيق الأمنيات ..آه يالوجع فؤادي..أيعقل ان هناك الملايين من العراقيين مكلومون مثلي ؟ أي شعب مضطهد وضعيف هذا ؟..فلتسقط أميركا فلتسقط…لكنها لم تسقط ؟ ( مستدركا ) مدننا العربية تتساقط كل يوم وهي لم تسقط بعد بل تحلب بنا في ارضنا..فلتسقط الميليشيات والأحزاب العميلة .ههههه( وهو يكلم نفسه في حين التزم صديقه الصمت وهو يخفي حزنه ) انها هي الأخرى لم تسقط ..طالما جار السوء يحتضنها، فليسقط كل من خذلنا وأغلق أبوابه بوجهنا وقطع صلة رحمه بنا ممن يحسبون علينا أبناء عمومة وإخوة في الدين ، فليسقط الأفاقون والمنافقون والإنتهازيون والمتسترون بالدين والعملاء.. ( في هذه الأثناء اقترب وصديقه من سيارته وحينما حاولا ان يستقلاها استأذنهما أحد المغادرين لإيصاله لأقرب محطة مواصلات كضيف وبالفعل تم ذلك وفي الطريق استمر الأب في الحديث على الرغم من محاولات الصديق اسكاته او في الأقل تغيير مضمون مايتفوه به )
– هل تعلم ياصاحبي ان وميض بعد طول غياب يكون قد أكمل تسعة وعشرين عاما؟ وهل تعلم ان أولاده ستكون بشرتهم شقراء وعيونهم ملونة؟ ميالة يادنيا شلون ميالة ،( ثم أنشد والدموع تترقرق على وجنتيه ) وإحنه مشينة مشينة للحرب عاشكَ يدافع من أجل محبوبته محبوبته ..هذا العراقي العراقي من يحب يفنى ولاعايل يمس محبوبته محبوته ( أجهش مجددا بالبكاء لدرجة النحيب وبيدين مرتعشتين التفت الى من كان بجواره و…)
– لقد إغتالوا المحبوبتين ..البلد والولد ..والناس نيام في انتظار دورهم نحو الفناء.. مرات عديدة أقول لمن تبقى من رحمي في العراق..الغربة تلتهمني شيئا فشيئا..قالوا دعك في غربتك لأننا في أوطاننا مغتربون. طيب.. أعيدوا لي ولدي وخذوا مني حياتي ..واللهِ اني حي معذب والردى اهون لي ….لن أبه بعد اليوم سوى لعودة ولدي…..فلتسقط الطائفية…فليسقط اللصوص ..فليسقط الحكام.. فلتسقط السياسة..فلتسقط الديمقراطية..ماذا ديمقراطية..طيــــــط…نقتل ونسرق وتعاد عقولنا للقرون الوسطى وتباع بلادنا بإسم (المضراطية ) هذه .. فليسقط من يسقط….المهم يعود لي ولدي…شغاف قلبي تشقق عليك ياقرة عيني وحلمي (وكأنه أيقن أن ابنه لن يعود..ثم أردف )
– أمه هي الأخرى تجلس كل يوم خلف الباب وتناديه..يمة ندًك الباب فرحنا وكَمنا بطرك الثياب ..ثاري الهوى والباب جذاب ..يمة وين الفراش الجان مفروش..وين العيال الجانت تروش(2)…صفينا بسبرة الطربوش (3) .. أين انت ياوميض…أنا الآن على أعتاب الستين وقد ضعف بصري وخارت قواي وانتظرتك طويلا وناجيتك مرارا وتكرارا..ولم تعد…آه يافلذة كبدي…من سيرثيك بعد رحيلي..يا لنكبة الآباء في العراق… يا لتأوهات الأمهات الثكالى.. يا لأحزان الأرامل واليتامى.. سبحان الله ..أما من ناصر ينصرنا…أما من مغيث يغيثنا..أما من حر أبي يستنهض همم وغيرة أبناء جلدتنا ؟. من يعيد لنا أوطاننا وأحباءنا من ؟…
هنا استغرب الضيف وهو يشعر بالأسى ثم التفت الى صديق مظلوم محاولا الحصول على جواب فرد عليه:
-هذا حالنا جميعا..وماتراه وتسمعه هو أنين وعذاب أب واحد من ملايين الآباء المعذبين في العراق..إنها..هلوسات أب مكلوم .

1- مكلوم :أي مجروح
2- تروش : أي تذهب وتجيء
3- سبرة الطروش : وتعني الضيوف الغرباء الذين يغادرون المكان

لا تعليقات

اترك رد