النملة


 

هذه الحكاية لا تكرر سابقتها
لم أكن أتوقع وصولها إلى حيث أجلس في فناء داري الذي هو قيد التشييد. ولم أقصد الإحسان إليها بإسقاط فتات الخبز على الأرض.
– جاءت لا أدري من أين ولكنها جاءت تخفّ نحو وليمة انجذبت إليها بفعل الغريزة ولم أكن قد انتبهت إلى قيمة ما سقط من يدي واستقرّ تحت قدمي .
– دارت بالقطعة ثمّ أمسكت بها بكلابتين رخوتين وجعلت تجذبها.(سخرت منها لعدم تناسب حجمها مع حجم فتات الخبز)
– سارت بها زهاء الأربعة أمتار وسرت في أثرها. ثمّ علقتْ في بعض رمل.
– في البدء بدا عجزها وأوشكت على الانهزام أو هكذا بدا لي.
– دارت حول الفتات ثم تمسكت به وجعلت تجذبه إلى أن تجاوزت به الرّمل.
– ها هي تصل حاجزا بلاستيكيا أخضر اللون في شكل شريط من تلك الأشرطة التي يلف بها الآجر.
– توقعت أن تسلك طريقا محاذيا للحاجز. لكنها فضلت أن تقفز فوقه.
– يبدو أنها تعرف جيّدا وجهتها وهدفها.
– أنا الآن شامت في النملة :لقد عجزت عن المضيّ قدما عندما أدركت باب السور.يبدو أنها تعاني مثل البشر من كثرة العراقيل وقلة المنافذ.
– ها هي تترك الفتات وتمضي …بل ها هي تعود .(لو كلّفت أن أدحرج جسما يتجاوز حجمه ووزنه حجمي ووزني مرتين لفكّرت في تأجيل الأمر إلى غد)
– سأمضي وراءها لأعرف من أين جاءت وإلى أين تمضي وماذا كابدت في وصولها إلى حيث كنت أجلس.
– وأحسست بقهقهة عميقة في داخلي حينما رأيتها تعلق في رمل أكثر من الأوّل ورأيتها تدور حول صيدها وتوهمت أنها تنوي تركه.
– أصابتني بالحنق والنّدم والخيبة حينما رأيتها تضغط على أرجلها الضعيفة النحيفة لتعيد تحريك الخبز. وأحسست برغبة في سحقها فالمرء عدوّ ما يجهل : ما هي هذه الطاقة الجبارة التي تحتويها هذه الأرجل التي لا تتجاوز في حجمها شعرة من شعر الرّأس؟ كيف تخزّنها؟ من أين تأتي بها وهي التي تنفق من الجهد في البحث عن الغذاء أضعاف ما تحصّله من القوت الذي تفوز به من ها هنا ومن هناك؟
– ها هي تبتعد عن باب السور.
– مازال ينتظرها امتحان صعب وعسير: النباتات الموجودة في طريقها ستعيقها عن السّير وستدفع بها إلى التخلي عن برنامجها.
– ها هي تقفز وقطعة الخبز بين كلابتيها كأنما تستعين في ذلك بالجنّ.
– فجأة ظهرت واحدة أخرى من بنات جنسها –هذا النمل الذي كنا نسميه ونحن صغار نمال فرنسا- ودون تردّد انضمت إليها وجعلت تدفع حينما تكون الأولى جاذبة وتجذب حينما تكون دافعة.
– لقد شغلتني النّملتان عمّا كنت فيه من أمر.
– ابتعدت النملتان مسافة تتجاوز العشرين مترا
– إلى أين سأمضي وراءها والشمس حارقة جدّا …؟؟؟ لقد جعلت أتقي الحرّ بالورق الذي في يدي.
– لقد جدّتا في السعي إلى قريتهما وتبعا لذلك أدركت معها ظلا فمكثت فيه أرقبها.
– ها هما تسقطان في حفرة أمام البيت المقابل لبيتي.
– الآن تأكدت أنّ للنمل مستحيلا. لا ريب عندي أنهما ستتركان قطعة الخبز التي لا تساوي بالضرورة مقدار ما أنفقتا من جهد. إنهما ستسلمان بعجزهما ومحدوديتهما ككائنين فانيين وأنهما أعجز من أن توصلا هذا الغذاء إلى تلك القرية التي ربما تجاوزت المسافة إليها مائة متر.
– نملتان غير مسيّستين ولا تؤمنان بفنّ الممكن فقط بل بفنّ تحويل المستحيل أيضا :ها هما تخرجان من الحفرة. لا أدري كيف لأنني انشغلت عنهما بنشوة الانتصار الموهوم.
– واتجهتا غربا وقد اختارتا السير فوق باقي ورق أكياس الاسمنت وليس تحته وجعلتا تحثان المسير وهما تقولان لي:عد أيه الشيخ إلى ما كنت فيه فهذا أمر يتجاوزك.

لا تعليقات

اترك رد