كاظم الساهر .. لص محترف !

 

عندما قررت للوهلة الأولى بيني ونفسي، أن تكون مقالة هذا الأسبوع عن الساهر، إحترت كثيراً ماذا وكيف سأكتب، وما هي الكلمات التي سأختارها لصياغة هذا المقال، وما هي الطريقة التي سأنطلق منها، إذ ليس بالشيئ اليسير أن تكتب عن القيصر بأية طريقة وبأية كلمات كانت. ما أن تقرر أن تتناول الساهر في موضوع ما، معنى ذلك، أنه يحتم عليك أن تكتب مئات الكلمات وتستبدلها، ومن ثم تعود وتحذف تلك التي استبدلتها، وتعيد الصياغة مرات ومرّات، لكي تخرج بشيئ أقل ما يتم وصفه من قبل المتلقي بالجيّد، ولو أنني أجدني عاجز عن الكتابة، وكأنني بشلل أصاب عقلي وأناملي ولساني، ليخبرني بأنك لو إمتلكت كل مواهب البشر، ولو كان قلمك بنبوغ أديب ولو إمتلكت عبقرية جل شعراء الأرض، ولو بحثت بين مئات لا بل ألوف الكلمات عن أحلاها، وبين عرائس الأفكار عن أرقها، لما وجدت منها ما يصف القيصر.

ذات يوم من (كانون الثاني) قارصة البرودة، وبينما كنت في إذاعة كلية الإعلام أتابع البرنامج الصباحي، دخل لاستوديو الإذاعة “القاصة والروائية إرادة الجبوري وبصحبتها الكاتبة والشاعرة أمل الجبوري” في زيارة من الأخيرة لمجمع الكلية التدريبي، كانت وقتها أغنية كاظم “ها حبيبي، مو على بعضك أحسك” تعلو أثير الإذاعة، حينها..وقتذاك أسرّت الجبوري ضيفتها أمل سراً لا يخفى على أحد، بأن طلبة الكلية هم من عشاق الساهر وأغانيه، ويعدّونه فنانهم ونجمهم المفضل، وبأن إذاعة الكلية تستخدم جل أغانيه في أغلب برامجها. وقتئذ لم يكن لـ أمل أية كلمات تتفوه بها، فإبتسامتها التي حاذت شفتيها فضحت أساريرها وأجابت عما في داخلها من كلمات كانت تجمعهن وترتبهن واحدة..واحدة لكي تنطقهن في جملة رزينة ومعبرة في آن الوقت. وقتها نسيت شيئا لم تقله إرادة، وهي معذورة في ذلك، كونها منهمكة في عملها الشاق “معاونة العميد للشؤون العلمية” غير ذاك، هي ليست من ضمن الكادر الذي يدير الإذاعة ويسيّر أمورها، حينها نسيت أن تخبر أمل بأن ما تتميز به الإذاعة هو انها تفتتح صباحاتها بـ أغنية “صباحكِ سكّر” للقيصر بدلاً من إفتتاحها البث بفيروز على غرار سائر المحطات.

ما أردت قوله مما ذكرته أعلاه، هو أن تلك (الدائرة) الصغيرة (المضمئلة) التي تكاد لا تعرف، من فرط الدوائر المنتشرة في بقاع العالم أجمع، هو أنها أبسط مثال على حب وعشق وتتيّم جل من في الكرة الأرضية بأسرها لكاظم، فأغنياته أصبحت متلاصقة بآذان الكل، حتى تلك القلّة القليلة ممن يغيضها إسم “الساهر” والتي تكاد لا تتعدى أصابع اليد، أضحى إسمه متلاصقاً لأجسادها وأرواحها قبل آذانها. ولذلك ليس من الغريب أن تدرّس أغنيته “بغداد” في الأكاديمية الأمريكية الموسيقية كمثال للثراء اللحني والمقامي، فهو الفنان الوحيد في العالم الذي لحّن كل أعماله ولم يتغنى بغير لحنه، مثلما هو الفنان العربي الوحيد الذي غنى وأطرب في القاعة الملكية ببريطانيا، كذلك هو ثاني فنان في العالم تسلم مفتاح سيدني بعد مادونا، كما هو ذاته الذي إحتلّت أغنيته “أنا وليلى” السادسة على العالم بين أفضل 100 أغنية في القرن العشرين، أضف إلى ذلك هو أنه الفنان العربي الوحيد الذي أُختير بإستفتاء إذاعة BBC البريطانية كأفضل فنان في العالم، ناهيك عن أنه العربي الوحيد الذي سجل إسمه في شارع النجوم بـ لوس أنجلوس، وهو أول شخصية عراقية تتولى منصب سفير للنوايا الحسنة في اليونيسيف.

وفقاً لكل تلك المعطيات والنتائج التي أحرزتها تلك الشخصية الفذة والفريدة من نوعها، فإن إنتقاد القيصر من قبل البعض ليس بالأمر الغريب ولا بالعجيب إيضاً، خصوصاً وأننا مجتمعات اتخذت الكره والحقد بدلاً عن الحب والإغتفار، والبغض والغيرة بدلا عن المودة والترفع تجاه كل من ينجح ويكرس حياته للنجاح. ولذلك فإن تلك الفئة الضئيلة التي تجاوزت على شخص الساهر بخطاب كراهية هي قلّة موتورة لا تمثل شعبها، ولطالما أثبت الساهر بأنه أعلى وأسمى من أن يرد على تلك الخطابات الموجهّة له بالمثل، وهذا إن دل فيدل على عظمة شخصيته، فهو كعادته عاد ليتجلى رقياً بالرد بكلمات الود والتسامح، مؤكداً أن لا شأن له بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، مختتماً بيانه أنه سيبظل وسيبقى يغني للحب والسلام.

ما يؤسفني هو أن تلك القصة كلها لم تكن مشكلة، حتى قرر الآلاف الرد عليها بخطاب كراهية مقابل! والمؤسف أكثر، إنجرار بعض وسائل الإعلام وراء تلك المشكلة لتبث خطاب الكراهية بأبشع صوره من خلال التفاخر والتذكير بالماضي البشع الذي قام به النظام البائد تجاه الكويت، والذي لا يرضى عليه أي إنسان، وهنا أنا لست بصدد الدفاع عنهم، بقدر ما تمنيت أن لا يكون الرد بتلك الطرق والأساليب، فمثلما الشعب العراقي لا ذنب له بما جرى للكويت أبان الغزو الصدامي، الشعب الكويتي كذلك لا ذنب له بالخطاب الذي خرج بالضد من الساهر. ولذلك أتمنى أن يكون النقد في المستقبل موضوعيا ولا يحمل في طياته أي نوع من الكراهية، فلا شيئ أسمى وأجمل من الحب والسلام.

1 تعليقك

اترك رد