حان الوقت لتشكيل المجلس الأعلى للأستثمار في العراق

 

أصبح استحداث المجلس الأعلى للاستثمار ضرورة تشريعية يتم بمقتضاها تلافي أخطاء المرحلة الحالية التي رافقت مراحل نفاذ قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل حيث لوحظ التشتت في الأحكام المتعلقة بالاستثمار وغياب جهة مركزية تأخذ على عاتقها توحيد الجهود في التخطيط السليم للاستثمار وتنفيذ ما تم التخطيط له ورُبَّ سائلٍ يسأل عن دور الهيئة الوطنية للاستثمار في هذا المجال , نقول إن الهيئة الوطنية للاستثمار ليست وزارة بل هي إحدى المؤسسات ( بمستوى وزارة ) ترتبط بمجلس الوزراء وإن الكثير من المشاكل في الاستثمار تعجز عن إيجاد الحلول لها لكونها خارج اختصاصها , ونأخذ مسألة الاراضي المملوكة للدولة المثقلة بحق التصرف التي نص عليها النظام رقم ( 2 ) لسنة 2009 , ومسألة القروض الميسرة للمستثمرين التي نص عليها قانون الاستثمار في المادة ( 9/ثامناً ) أمثلةً حية ,فنجد وزارة المالية أو البلديات في المحافظات تطرح الأراضي غير الجاذبة للاستثمار كالأراضي الحصوية أو المنعزلة , وتحتفظ بالأراضي والعقارات الجاذبة ولا ترشحها للاستثمار . ومن جهة أخرى قد تطرح وزارة الزراعة الأراضي غير المستصلحة أو التي ليس لها حصةً مائية للاستثمار مما يؤدي الى عزوف المستثمرين الى التقديم على مثل هذه الفرص الاستثمارية .

ويُعد تشكيل مجلسٍ أعلى للاستثمار خطوة إيجابية للتعامل السريع مع المشكلات الأكثر إلحاحاً ولرفع مستوى اهتمام البلد بقضايا المستثمرين وسوف يمكنه التعامل مع مشاكل المستثمرين والاستثمار بشكل أكثر كفاءة وسرعة ويساهم في تجاوز المعوقات والعراقيل التي تضعها البيروقراطية والأجهزة الحكومية نظراً لأن رئاسته تتركز في يد أعلى سلطة تنفيذية في البلاد وهى سلطة قادرة على دفع الوزراء والمسؤولين للعمل بهمّةٍ وحماس . ويحقق المكاسب السريعة ويحل عدداً لا يستهان به من المشكلات الملحّة .

إن تشكيل المجلس الأعلى للاستثمار من شأنه أن يضع الحلول لمثل هذه المشاكل وغيرها لا سيما إذا كان متكوناً من الوزارات والمؤسسات التي لها علاقة وثيقة بالعمل الاستثماري ونقترح أن يتم تشكيله برئاسة رئيس مجلس الوزراء باعتباره رئيس أعلى سلطة تنفيذية في البلاد , وعضوية كل من وزير المالية و وزير الزراعة و وزير الموارد المائية و وزير التجارة و وزير الصناعة والمعادن و وزير التخطيط و وزير النقل و وزير الاتصالات ووزير السياحة والاثار ووزير الاسكان والاعمار والبلديات و وزير الصحة والبيئة ومحافظ البنك المركزي العراقي و رئيس اتحاد الصناعات العراقي ورئيس اتحاد غرف التجارة ورئيس الهيئة العامة للمناطق الحرة و رئيس هيئة المنافذ الحدودية و رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار .. عضواً ومقرراً. مع ملاحظة جواز حضور الوزراء الآخرين أو رؤساء الجهات غير المرتبطة بوزارة الذين يرى هذا المجلس إن حضورهم ومناقشاتهم أمر ضروري.

تجارب الدول الأخرى في هذا المجال :

إن الكثير من الدول في العالم نصت قوانينها على تشكيل مجلس متخصص بالاستثمار على الرغم من اختلاف التسميات فقد أطلق قانون الاستثمار الجزائري لسنة 2013 عليه تسمية ( المجلس الوطني للاستثمار ) حيث نصت المادة ( 18 ) منه على ( ينشأ مجلس وطني للاستثمار يدعى في صلب القانون “المجلس” ويوضع تحت سلطة أو رئاسة رئيس الحكومة , ويكلف المجلس بالمسائل المتصلة باستراتيجية الاستثمارات وبسياسة دعم الاستثمارات وبالموافقة على الاتفاقيات المنصوص عليها في المادة ( 12 ) وبصفة عامة بكل المسائل المتصلة بتنفيذ هذا الأمر .. وتحدد تشكيلة المجلس الوطني للاستثمار وسيره وصلاحياته عن طريق التنظيم ) . وقد تناولت المادتان ( 21 و 22 ) من نفس القانون كيفية إنشاء وصلاحيات الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار التي تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي , وهي تعادل الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق بالمستوى الإداري.

أما في سوريا فإن قانون الاستثمار السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ( 9 ) لسنة 2007يطلق عليه ( المجلس الأعلى للاستثمار ) حيث نصت المادة ( 2 /أ ) منه على تشكيله برئاسة رئيس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء .

وقد منحت الفقرة ( ب ) من نفس المادة الحق لأي من الوزراء الآخرين حضور جلسات المجلس الأعلى للاستثمار عند دراسة موضوعات تتعلق بمجال عمل وزاراتهم أو الجهات التابعة لها . وخولت الفقرة ( ج ) من نفس المادة رئيس المجلس دعوة من يراه مناسباً من المختصين لحضور الاجتماعات .

وقد تضمن قانون الاستثمار السعودي رقم (1) في 5/1/1421 هـ تشكيل ( المجلس الاقتصادي الاعلى ) الذي يضم في عضويته الهيئة العامة للاستثمار .

وتناول قانون الاستثمار الأردني المرقم (30) لسنة 2014 هذه المسألة فأطلق عليه تسمية ( مجلس الاستثمار ) حيث نصت المادة ( 19 ) منه على أن يؤلف مجلس يسمى مجلس الاستثمار برئاسة رئيس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء والمسؤولين .

وفي جمهورية مصر العربية أولت الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي هذا الموضوع اهتماماً كبيراً فأصدرت قانون الاستثمار الموحد عام 2015 ونصت المادة ( 79 ) منه على ( ينشأ مجلس أعلى يتبع رئاسة الجمهورية يسمى ( المجلس الأعلى للاستثمار ) يشكل برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيس مجلس الوزراء ومحافظ البنك المركزي والوزراء المختصين بشؤون الدفاع , الداخلية , الاستثمار , الصناعة , التجارة , المالية , التخطيط , البيئة , رئيس هيئة الاستثمار , رئيس اتحاد الغرف التجارية , اتحاد الصناعات المصرية , وعدد لا يزيد على خمسة من ممثلي القطاع الخاص من ذوي الخبرة يتم تعيينهم لمدة اربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة وتبين اللائحة التنفيذية كيفية ترشيحهم .. )

ويحل رئيس مجلس الوزراء محل رئيس المجلس في أحوال غيابه ولرئيس المجلس دعوة الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة المعنية والجهات الادارية المختصة عند نظر موضوعات تدخل في مجال اختصاصهم ويحق لهم المشاركة والتصويت .

وتنفيذاً لذلك فقد أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً جمهورياً برقم 478 لسنة 2016 ، نشرته الجريدة الرسمية ، بإنشاء المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة رئيس الجمهورية ، وعضوية رئيس مجلس الوزراء ، ومحافظ البنك المركزي ، ووزراء الدفاع والإنتاج الحربى والمالية والاستثمار والداخلية والعدل والتجارة والصناعة ، ورئيس جهاز المخابرات العامة ، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية ، والرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة ، ورئيس اتحاد الصناعات المصرية ، ورئيس اتحاد جمعيات المستثمرين.

ويختص هذا المجلس بمتابعة تطور تصنيف مصر في التقارير الدورية الخاصة بالاستثمار، ومتابعة تحديث الخريطة الاستثمارية على مستوى القطاعات المتخصصة والمناطق الجغرافية المختلفة في اطار خطة التنمية الاقتصادية للدولة ، وكذلك متابعة تنفيذ أجهزة الدولة للخطط والبرامج المتعلقة بالاستثمار وتطور العمل بالمشروعات الاقتصادية الكبرى وموقف مشروعات المشاركة في القطاع الخاص .

كما يختص بوضع الاطار العام للإصلاح التشريعي والاداري لبيئة الاستثمار، ومتابعة آليات تسوية منازعات الاستثمار وموقف قضايا التحكيم الدولي ، وتفعيل المسؤولية التضامنية لجميع الوزارات والهيئات العامة والاجهزة الحكومية المعنية بالاستثمار وتحقيق التناغم في أدائها وحل الخلافات التي تثور بينها في هذا الشأن، واستعراض الفرص الاستثمارية المتاحة في كل قطاع وبحث محاور المشاكل المتعلقة بها ، فضلاً عن أية اختصاصات أخرى تتصل بتحقيق أهدافه.

ويجتمع المجلس بدعوة من رئيسهِ مرةً كل شهرين على الأقل وكلما دعت الحاجة الى ذلك ، وتكون اجتماعاته صحيحة اذا حضر أغلبية الاعضاء ، وتصدر القرارات بأغلبية آراء الحاضرين وفي حالة التساوي يرجح الجانب الذى صوّتَ معه الرئيس .

وتلتزم جميع الوزارات والمصالح والأشخاص الاعتبارية العامة كلٌ فيما يخصه بتنفيذ القرارات الصادرة من المجلس .

ويكون للمجلس أمانة فنية دائمة برئاسة وزير الاستثمار تتولى إعداد جدول أعماله ومحاضر جلساته وتعميم ما يصدر عنه من قرارات وتوصيات على الوزارات والجهات المعنية ومتابعة تنفيذها وعرض تقرير بنتائج المتابعة في كل جلسة . ويصدر بتشكيل الأمانة الفنية ونظام عملها قرار من وزير الاستثمار.

وفي دولة قطر تم تشكيل المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار بموجب القرار الأميري المرقم ( 37 ) لسنة 2001 الذي يتضمن 17 مادة وأجريت عليه التعديلات الكثيرة منذ تاريخ صدوره في 23/10/2001 ونشرهِ في الجريدة الرسمية , وقد بينت المادة ( 3 ) من هذا القانون بأن المجلس يختص بصفة عامة بجميع الأمور المتعلقة بشؤون الاقتصاد والطاقة واستثمار احتياطي الدولة ووضع سياساتها العامة في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية وشؤون الطاقة، و إقرار الخطط اللازمة لتنفيذها ومتابعة التنفيذ ، و إقرار المشروعات الخاصة باستغلال موارد الثروة الطبيعية للبلاد ، والمشروعات الصناعية والاقتصادية الكبرى التي تقوم بها الدولة أو الهيئات أو المؤسسات أو الشركات العامة.

ويباشر المجلس اختصاصاته المتعلقة باستثمار احتياطي الدولة من خلال تحديد الأهداف المراد تحقيقها من استثمار هذا الاحتياطي ضمن الاستراتيجية العامة للدولة ووضع سياسة طويلة الأجل لاستثمار الاحتياطي ، وبرامج سنوية لذلك الاستثمار بالإضافة إلى تحديد البنوك والمؤسسات المالية التي يجوز استثمار احتياطي الدولة لديها أو عن طريقها . وقد بينت المادة ( 6 ) بأن هذا المجلس يُشكل من الأمير رئيساً ، ونائب الأمير نائباً للرئيس ، وعضوية عدد من الوزراء والمسؤولين . ويجوز تعديل تشكيل المجلس أو إضافة أعضاء جدد بقرار من الأمير .

وتأتي رئاسة أمير الدولة لهذا المجلس تأكيداً على أهميته القصوى في دفع عجلة الاستثمار وتحسين الاقتصاد . وتضمنت المادة ( 8 ) بأن للمجلس صلاحية دعوة حضور جلساته من يرى ضرورة حضوره من الوزراء والخبراء ورجال الأعمال وغيرهم للاستعانة برأيهم والمشاركة في مناقشات المجلس ، دون أن يكون لهم حق التصويت .

وقد تضمن قانون الاستثمار التونسي الجديد رقم 71 في 30/9/2016 استحداث المجلس الأعلى للاستثمار في الباب الأول على الشكل التالي : الفصل 11 ـ يحدث لدى رئاسة الحكومة “مجلس أعلى للاستثمار” يترأسه رئيس الحكومة ، ويتكون من الوزراء الذين لهم صلة بمجال الاستثمار ويحضر مداولاته وجوبا الوزراء المكلفون بالاستثمار والمالية والتشغيل.

تضبط تركيبة المجلس وطرق تنظيمه بمقتضى أمر حكومي. الفصل 12 ـ يضبط المجلس سياسة واستراتيجية وبرامج الدولة في مجال الاستثمار.

أما في السودان فقد تضمن قانون تشجيع الاستثمار بولاية الخرطوم رقم (9) لسنة 2015 إنشاء و تشكيل المجلس الأعلى للاستثمار في المادة ( 10/1 ) من نفس القانون . وبينت المادة 11 اختصاصات المجلس وسلطاته .

وفي اليمن فإن قانون الاستثمار اليمني الجديد رقم 15 لسنة 2010( ) نص في المادة ( 15 ) على (أ- يكون للهيئة العامة للاستثمار مجلس إدارة برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء وغيرهم من المسؤولين .

ب- يحدد رئيس المجلس من ينوب عنه في رئاسة المجلس من بين أعضاء المجلس عند غيابه.

ج- للمجلس الحق في دعوة من يراه من المسؤولين في الجهات المعنية لمناقشة أي مشروع يندرج في القطاع الذي تشرف عليه أي من تلك الجهات .

وقد انفرد قانون تشجيع ودعم الاستثمار الأجنبي في جمهورية ايران الاسلامية لسنة 2002 بتسميته ( لجنة الاستثمار الأجنبي ) حيث نصت المادة ( 6 ) من هذا القانون على ( تأسيس لجنة بإسم لجنة الاستثمار الاجنبي للنظر والبت في الطلبات الواردة الى المنظمة ( هيئة الاستثمار ) ويرأس اللجنة معاون وزير الاقتصاد والمالية بصفته رئيس المنظمة وتتألف اللجنة من معاون وزير الخارجية , معاون رئيس منظمة الادارة والتخطيط الايرانية , معاون المدير العام للبنك المركزي , ومعاونين من الوزارات ذات الصلة حسب الحالة ) .

ونود التنويه الى إن حكومة إقليم كردستان قد راعت هذه المسألة فقد نصت المادة ( 14 ) من قانون الاستثمار في اقليم كردستان رقم 4 لسنة 2006 على أولاً – يتألف ( المجلس الأعلى للاستثمار ) في الاقليم من رئيس مجلس الوزراء رئيساً ونائب رئيس الوزراء نائباً له وينوب عنه عند غيابه وعضوية وزراء المالية والاقتصاد , التجارة , البلديات , التخطيط , الزراعة , الصناعة , ورئيس هيئة الاستثمار . ثانياً – 1 – لرئيس المجلس دعوة أي وزير اخر للاشتراك في اجتماعات المجلس لأي مشروع يخص وزارته . 2 – لرئيس المجلس دعوة ممثلي القطاع الخاص المعني بالمشروع . 3 – يقوم المجلس بوضع نظام داخلي له يبين كيفية انعقاد المجلس واتخاذ القرارات فيه .

صفوة القول إن قانون الاستثمار في العراق يحتاج الى تعديل لاستحداث هذا المجلس بغية القضاء على البيروقراطية وتحسين واقع الاستثمار ووجود كيان مركزي يتم اللجوء اليه عند الاختلاف .

لا تعليقات

اترك رد