الخوف يسير موازيا لسنين العمر


 

الخوف الذي يبدأنا في الصغر، ذاك الخوف الذي صنعته مخيلتنا أو حكايات الجدّة في ركن من البيت، سرعان ما يندثر بالضوء ذلك الظلام المخيف، وشيئا فشيء نعلم أن حكايات الغول ما هي إلاّ محض خيال.

يتلاشى هذا الخوف بمجرد أن يشب المرء، ويصبح لا ينازعنا شيء منه، بل تنتج عن كل مرحلة مخاوف وهواجس أخرى فيبدأ الشاب يخاف على مصير حياته وأي مَعلم سيكون لها وأي منحنى ستسير عليه.

أما خوف الفطرة من تهديد محتمل أو من توقع خطر، سرعان ما ينتهي بانتهاء الخطر، وقد تختلف ردّة الفعل من شخص إلى آخر حسب تعلمه وتجاربه الحياتية، حتى تصبح العقاقير دواءا لبعض المخاوف.

أما الخوف الذي نعايشه يوميا فهو نتاج تراكم السنين وأحقاب العمر الأخيرة، فالشباب قد لا تهُّمه الوظيفة الذي نالها من قليل أن تذهب

من يده فهو يرى أنه سينال غيرها بعد حين وربما خير منها، ولا المبيت في أحراش الغابة مفترشا الأرض غير مبالي بوحوشها ولا بالبشر، والشابة في مقتبل العمر تريد مواصفات دقيقة في زوج المستقبل فما زالت في ريعان الشباب والفرص كثيرة متاحة و لا يهّمُها أن ترد من لا يناسب تطلعات حياتها، تلك الحالات سرعان ما تتضاءل وتنقلب إلى تفكير معاكس مع مرور السنين لينتهي بنا المطاف إلى تعلم الخوف وتنّشُق نكهته، ليس متمتعين بطيب ريحه، ولكن مغلوبين على أمرنا فبعد الأربعين يزداد حرصنا ليس على الحياة ولكن على سلامتنا وسلامة من نحب و السلامة بمفهومها المخالف للحرص على الحياة والتهرب من الموت، ولكننا في حقيقتنا ربما لا تخيفنا الموت وإن كانت الهاجس الذي يقلق كل الناس، فإن الكبير يخاف الموت الخشن الموحش ويحبذ الموت الهادئ، سريع الوثوب

أو كما يقال على فراش الطاعة، ولكن يخيفنا أكثر في هذا العمر التفكير فيما قبل الموت وما بعده، فلا يحب المرء أن يكون عالّة على أهله متمنيا الموت في آخر عمره من شدّة ما يلاقيه من مرض أو

عجز، كما يفزعه أن ينتقل إلى الآخرة دون زاد يلاقي به ربه، أو زاده قليل لا ينفس عنه كربات القبر.

ومع مرور السنوات يزداد ابتكار وسائل الإحاطة بأي مستجدات يمكن أن تفاجئنا، فبعدما كان الإنسان في مرحلة ليست ببعيدة لا يهتم أن تزيد سرعة سيارته فوق السرعة المحددة، يصبح الآن ينظر إلى عداد السيارة أكثر مما ينظر إلى الطريق فهو يخاف عواقب سرعته ويقدر ما يمكن أن يفعله أي تهور.

هواجس من خوف قد تنقص حياة الكبير منّا فتصبح المبادرة لتغيير حياته مهما كانت سيئة ضرب من الخيال، ويصبح رهينا لحاضره لا يتمتع بأي روح للمبادرة بل يفزعه التغيير فهو يخاف على وظيفته ومكتسباته الأخرى مهما كانت ضئيلة ويستعمل كل الطرق للمحافظة على ذلك الروتين، هذه المخاوف مجتمعة قد تدخل الفرد في اكتئاب دائم ، يزداد يوما بعد يوم، ربما تكون هذه الهواجس مشروعة بعض الشيء لو لم يلُّفها كثرة الحرص فتنقص لذة العيش، بل أن قناعة الإنسان هي الفيصل في كل هذا، فسبحان القائل:

قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون.

لا تعليقات

اترك رد