منطق التفكير العلمي بين سمتي الخصوصية والشمولية

 

منطق التفكير العلمي بين سمتي الخصوصية والشمولية
أنقيد اشتغال العقل بخصوصية البياني أم نحرره بشمولية العلمي؟

يحرث الظلاميون أرضية اشتغالهم ووجودهم بإشاعة الأميتين الأبجدية والثقافية وبحظر التفكير وتعطيل العقل لتسهيل تفشي الخرافة ومنطقها، فيما واجب الانعتاق والتحرر منهم يقتضي إعمال العقل وتوظيف التفكير العلمي لاستعادة أنسنة وجودنا. وفيما يستند الظلاميون إلى تجيير سمة الفردنة المرضية بعدما يشوهونها، يرد التنويريون بالتحرر من قيد الفردنة باستخدام سمات المنهج العلمي بشموليته للظواهر كافة وتفتحه على قيم التفكير العلمي السامية..

وبالمناسبة، لا تتحدث هذه المعالجة، عن مصطلح (الشمولي والشمولية) ببعده السياسي ومحدداته المعجمية المشروطة بزاوية نظر بعينها، حيث تحميله أو تحديده في نزعات وتوجهات تصادر الإنسان بحقوقه وحرياته في التعبير عن هذا الوجود وتطلعاته. ولكن المعالجة تتحدث عن المصطلح عبر معجم (المفاهيم العلمية) بانفتاحه واشتغاله على (منطق التفكير العلمي و\أو منطق العقل العلمي) ومحدداتهما أو تعريفهما معجمياً وعلى الاتساع باتجاه شمول الظواهر ورفض التأويلات التي تبتغي تجيير أمر بعينه لخطاب ظلامي يستغل الإنسان بحصره بمرجع مزعوم أو آخر.

وفي الخطابات الإنسانية، هناك منطق الخطاب البياني وآليات اشتغاله الذي يجسده الفن والأدب الذي يُصاغ بعملية (تفكير) متجسدة باشتغال الفرد تعبيراً وصياغة لتفاعله مع الآخر، إذ يكون الفرد ويوجد بوصفه مركباً من ثقافة بيئته وخطابها ومنطق اشتغالها وظهورها بتعبيرات ذلك الفرد ومنجزه. ولكن بشأن هذا الخطاب (البياني) المتجسد بالمنجز الإبداعي فإنّه بمرات عديدة يجري استغلال سمة نسبته لـ((الفرد)) وخطابه واجتهاده.

فبينما إذا أردنا قراءة الأمور بسلامة لوجدنا أنَّ هذا التقيد بالخاص ليس انغلاقاً بملكية المنجز فردياً وإنما هناك أيضاً محددات تنفتح بالخطاب على انتماء شخصية الفرد وهويته المستمدة من بيئة مجتمعه زمكانياً وطبعا بإطار قوانين الخطاب البياني وما يستتبع بشأنها. إلا أن سمة الخصوصية والفردية هذه، تسمح لبعض الأطراف (الظلامية) استغلالها وتأويلها باتجاهات بعينها سنتطرق إليها بموضع تالٍ.

تلكم هي آليات اشتغال الخطاب البياني ومنه نستثمره للكشف عن ظاهرة التأويل والاستغلال السلبي، بأن نختار خطاب الخرافة، التي تتمظهر [سياسياً مجتمعياً] بصيغ سلبية ظلامية بخلاف المعرفة العلمية ومنطق التفكير العلمي، التي لا تكون إلا (شمولية) \ (جمعية) من جهة تحققها، لا بحدود الفردي الخاص بل في جميع الظواهر وهي تصدق لدى جميع العقول وتشملها بمحدداتها وتعبيراتها..
وعليه فإنَّ من يقرأ الإبداع الفني الأدبي [خطاباً بيانياً] يقرأه في شخصية مبدعه، بمعنى أنه (مبدئياً) إذ يحتاح بقراءته إلى التحديد والخصوصية في قراءة البياني [ومنه الخرافي] لا يحتاج تلك الخصوصية وضيق محدداتها عندما يريد قراءة الحقيقة العلمية حتى وإن كانت قراءة الخطاب البياني (الإبداعي) تمد جسورها نحو بيئتها؛ فالعلمي جمعي عام أو شمولي، حيث الحقيقة العلمية تبقى مشاعة بين البشر كونها ليست شخصية الوجود والاشتغال ولا حواجز أمام شمول الظواهر ومرورها عبر المكان والزمان بقدر تعلق الأمر بالثبات النسبي للحقائق العلمية.

أما في إطار الخطاب البياني أو إبداع الآداب والفنون؛ فنجد أنها لا تنتسب إلا إلى محددات زمكانية بعينها.. وهناك تحديداً سنجد ظاهرة استغلال آليات اشتغال الخطاب البياني لتمرير منطق الخرافة بالمعنى السياسي المجتامعي، الأمر الذي سيتبدى تناقضه بفجاجة مع حقائق وجودنا الإنساني (معرفياً)، بما يكشفه لنا منطق التفكير العلمي وطابع الحقيقة العلمية من رفض لذاك الاستغلال لآليات بيانية باتجاه الخرافة عندما يراد منها أن تشيع فكراً ظلامياً منتخباً بقصدية استغلالية واضحة..

ولذلك نجد أن إشاعة الخرافة وخطابها ارتبط دائماً بتحضيرات تفرض حرث أرضيتها. حيث الفقر الفكري العلمي بقصد التجهيل وإشاعة الأميتين الأبجدية والثقافية اجتراراً لعوالم وأزمنة غابرة. وهذا الشرط يظل إجبارياً إذ لا تحيا الخرافة ومنطقها وسط مجتمع لا أمية فيه، بالإشارة إلى الأميتين الأبجدية والثقافية\المعرفية.

ولارتباط الخرافة أو خطابها البياني بصياغات أطراف تتحدد بالفرد وصياغته لها، أي لخرافة أو أخرى وكيما تنتعش وتتفشى تُغلَّف بأطر (دينية) تحضيراً لإسقاط القدسية والجلال عليها؛ طبعا عبر بركة الفرد الذي سيسقطون الجلال والقدسية عليه بعد أن يكونوا نسبوا تلك الخرافة إليه.

إن فكرة التبجيل والتأليه وإسقاط القدسية على الفرد هي مفردات تكاملية مع أمور أخرى لتمرير أدوات السطو على عقول الناس بعد نشر الأميتين بينهم. وبهذا تنتشر (رؤى) الفكر الظلامي المرضية كوباء خطير مستفحل أو كالنار في الهشيم لمجرد أنها صيغت بتلوينات لفظية بكل ما تحمله من دجلها وتضليلها، توغل نحو ما تتستر به فتعلن انتسابها لشخصية أو (فرد) أشرنا إلى أنه جرى منحه الجلال والقدسية تمريراً لما يراد تفشيه بين مجتمع فُرِض عليه منطق التخلف وآليات الاشتغال المرضي والتفكير السلبي فيه..
لكن منطق العقل العلمي وأداءه يتناقض وتعطيل التفكير لدى الإنسان كما يحصل في منطق الخرافة والفكر الظلامي الذي لا يكتفي بالتجهيل المعرفي بل ينشد تعطيل التفكير وشلّ أية محاولة لإعمال العقل، تحديداً حظر التساؤل والبحث في السببية.

ومن هنا نلاحظ مصاعب بوجه منطق العقل العلمي على الرغم من أنّ الحقائق مشاعة إلا أن قدرات الأداء والتفكر والتدبر تكون محجوبة بوساطة منطق بياني مشوّه بتأويلات ظلامية، فيجتر قوانينه من أزمنة منقرضة غابرة ومن خطاب الخرافة وآلياتها، إنه بهذا لا يحصر المنجز الفكري بالخاص و\أو بالفرد بل يفرض سطوته كرهاً بالحظر والتكفير ومن ثمّ إنزال العقاب بادعاء تمثيل الخالق على الأرض بوكالة حصرية لهذا الفرد او ذاك لحظة يصطنعون منه مرجعاً، لا يُمس ولا يُقترب من نقده!

وبخلاف تلك الاشتراطات السلبية المرضية نجد العقل العلمي ومنطقه يتطلب الحرية ضد المصادرة والحظر والانفتاح ضد الانغلاق والانتماء للجمعي العام والشمول من السمات بما لا يقبل الحواجز والعقبات الفاصمة التي تريد إغلاق وجود أو حجبه.
إنّ منطق العقل العلمي شمولي للظواهر والامتدادات بمختلف مستوياتها، لا ينتمي لصياغات محدودة ضيقة ترتبط بأداء الفرد، أيا كانت انفتاحاته، إنه [أي المنطق العلمي] منطق شمولي للوجود العام وسنرى بوقت لاحق تجريديته واستقلاليته عن الخطابات التعبيرية المرتبطة بصياغات تنتمي للفرد وصياغاته المخصوصة، بافشارة غلى سمة الخصوصية والفردية التي يمكن استغلالها بتأويلها ومن ثم تجييرها.
أما هذه السمات التي وصفنا بها [منطق التفكير العلمي] فتحتاج لأرضية مختلفة، أولها: محو الأميتين، ثم إطلاق حرية التفكير وإعمال العقل واشتغاله (العلمي) وهذا الاشتغال يجعل بعضهم يظن للوهلة الأولى أن قوى التنوير تجابه مصاعب وعقبات جمة من أجل اشتغالها.. انطلاقا من رؤية تقوم على اعتقاد سهولة تخريب العقل وتشويه التفكير يوم يستسلم العقل الجمعي لمنطق الخرافة بعد تجهيله بمقابل صعوبة طلب تشغيل العقل العلمي بسبب حاجته إلى بذل الجهد بدل الاستسلام لمن يفكر بديلا عن المرء وذاك المستسلم يظل لاهثا وراء قدريات وخرافات يستسهلها ويستسيغها فتبقيه أسير الظلاميات، وطبعا أسير شخص أسقط عليه القدسية وبات مرجعا له ليس في البحث عن جنان (آخرته) بل حتى في ممارسة تفاصيل يومياته وحياته…

من السهل هنا أن ينسب التبريرات لكل حدث في ضوء مسلمات تصير بديهة في حياته؛ فقط لانتسابها لمن بات يُزعَم أنه مرجع يفتي له ويوجهه.. مع ملاحظة عدم تحدّث هذه المعالجة لا عن الدين بأصوله ولا عن الإيمان بأي دين وإنما تتحدث عن توظيف الخطاب المرضي الظلامي، القدسيةَ وسرقتها لإسقاطها على أدعياء من ساسة لا يملكون إلا دهاء ومكراً للسطو على الأتباع والأشياع وتوجيههم لخدمة مآرب وأطماع أفقرت المواطن وأستغلته واستعبدته ولكنها بالتأكيد لم تستطع ارتكاب ذلك إلا لأنها كهدت بأن حجبت عنه الاطلاع على السبب في ضوء تشغيل منطق الخرافة والفكر السياسي الظلامي وحظر التفكير العلمي واختلاق العقبات الكاداء بوجهه.
وبين الخاص واستغلاله (بالتأويل والتشويه) في تشغيل ظلاميات تستهدف استعباد الناس وامتصاص دمائهم وبين العام الشمولي للحقائق والظواهر العلمية تناقض تام، إذ تقع قيم الأول في أرض الأميتين وقاع الاستسلام للسلبية ولغيبيات مصطنعة تُنسب لأفراد تم إسقاط القدسية الزائفة عليهم.. فيما يقع الثاني في أرض الفعل وبذل الجهد، الأمر الذي قد يرى المستسلم أنه غير معني ببذل ذاك الجهد ويستصعبه. والحقيقة أنّ الصعب فعلياً هو الاسترخاء استسلاما، فهو الأمر الذي يؤدي إلى كل أشكال الاستغلال الأبشع للإنسان وإلى كل كوارثه ومصائبه، بخلاف العمل لامتلاك الحقيقة العلمية وتشغيل العقل وأداء مهامنا عبر تفكير علمي ومنهج جدلي فهو الأمر الذي يجعل من وجودنا مؤنسنا سليما صحيا نجني ثمار جهدنا بسلامة وصواب…
ويمكن للمتمعن بهذه المعالجة أن يرصد في النموذج العراقي، تخريب التعليم، تخريب المشهد الثقافي العام ومن ثم إشاعة الأميتين. كما يمكنه أن يرصد شيوع الدجل وارتداء آلاف المزيفين لعمامة التدين تستراً وادعاءً وتضليلاً، وممارستهم مهمة القصخون المجتر من أسلاف من زمن العنجهيات والبطولات الوهمية والحصول على هدايا الأوهام والخيالات المرضية.. وسيرصد قيام أحزاب على أسس الغيبيات المرضية وأوهام الطائفية وتمترسات فكر ظلامي بامتياز مع وجود حشود مؤلَّفة في عضوية تلك الأحزاب بسبب آليات منطق الخرافة وسيرصد جمهوراً يلبي نداءات زعران سياسة يسمونهم رجالات مقدسين لانتساب لاسم عائلة (مقدسة) بالوراثة على الرغم من معرفة هذا الجمهور بأن قيادة هؤلاء للحكم قد جرّت عليهم الويلات… وهكذا مازال بعض الناس يخشون ترهيبا وتضليلا فكرياً و\أو عقيدياً دينياً، أقول يخشون من مغادرة حلقات تقيدهم لبرامج تلك القوى الظلامية خوفاً من غضب الرب الذي يدعي كل منتسب (لعائلة مقدسة) أنه يمثل هذا الرب حصرياً!
وللإجابة عن سؤال العنوان: أنقيد اشتغال العقل بخصوصية البياني وأوهام تحريفه وتجييره للظلاميات أم نحرره بشمولية العلمي لمجمل الظواهر؟ نقول: إنّ الآداب والفنون ذاتها وخطابها يخضع للدرس والفحص العلميين ومن ثم ينبغي أن نحرر الأول من التجيير والتشويه بالخرافي البائس ومما يُضفى عليه من إسقاطات قدسية دعية مزيفة وأن نتمسك بالثاني أداة لتحليل وجودنا وأنسنته واستعادة تشغيل العقل المعطل بالتجهيل وبما أشاعوه من أميتين أبجدية وثقافية..
فكلنا أبناء العصر، عصر التقدم العلمي والإنسان المكرَّم بعقله لا بسلبيته ولا بخنوعه لكائن من كان، كلنا نستحق الحياة الحرة الكريمة التي تحترم إنسانيتنا وحقوقنا وحرياتنا…
وبهذا قد نكون استفدنا من التمعن بهذي المعالجة التي تناولت سمة من سمات العقل العلمي والتفكير التنويري المتفتح ألا وهي سمة الشمول في طابع الحقيقة العلمية وفحصها وتحليلها واستنتاج ما يخدم التقدم بوجودنا إلى جديد منجز البشرية وهذا يساعدنا في تجنب التراجع بوجودنا، عبر تعطيل التفكير العلمي واجترار مجاهل الأزمنة الغابرة وظلامياتها ووحشيتها.
فلنتخلص من قوى الطائفية السياسية حاملة رايات الفكر الظلامي وبرامج التخلف والتجهيل وتعطيل العقل العلمي. ولنتحرر من وقوفنا بجانب من يبتزنا ويستغلنا ويستغفلنا، بالتحرر من منطقه والتمسك بمنطق ينتشلنا ويدفعنا إلى تشغيل منطق العقل العلمي لنحيا وجودنا الحر المستحق.

1 تعليقك

  1. تحيتنا لكم : التعليم عملية منتظمة ومسؤولية موضوعية ، ويبدو ما يجري في البلاد التي تتعرض لهزات عنيفة تفقد سطوتها المركزية ، واول ما يتأثر بذلك هو الجانب التعليمي لكونه على مساس مهم في تطلعات الانسان نحو المستقبل ، وعليه انحدار ضوابط التعليم وتداخل معطياته مع جوانب الخرافة والعشوائية ، سيزيد النار حطبا ، ويغدو المحيط الاجتماعي في حالة من الهذيان السلوكي ، تحيتنا لكم .

اترك رد