الدين للّه والوطن للـ .. متديّنين!


 

ما الذي تغيّر بين عامي 1958 و2017 بحيث تحوّل العراقيون من مجتمع “عالموضة” إلى حشود من لابسي العباءات والعمامات؟ كيف انحدرنا من قانون أحوال شخصية يمنع تعدّد الزوجات عام 1959 إلى دستور يقوم على حكم الشريعة بعد نصف قرن؟
ثمة الكثير، بالطبع، مما قد يقال عن انحسار اليسار و ‘إفلاس’ الحركات اليسارية؛ عن تواطؤ القوى الرجعية، المحلية والعالمية، على تصفيتها وتشويه سمعتها؛ وعن دعم هذه القوى للحركات الدينية لمواجهة “الخطر الأحمر” حتى أصبح هذا “الخطر” الجديد. لكن هل يكفي ذلك لتفسير المدّ الديني الراهن في المجتمع العراقي؟

بدايةً، لنتذكر بعض الحقائق حتى يكون الكلام ذا معنى.
– بخلاف المسيحية وكثير من الأديان الأخرى، جاء الإسلام “دين حياة”، وتأسست دولته الأولى في حياة نبيّه وأثناء تشكّل دينه، أي أنه تغلغل منذ البداية في الحياة الاجتماعية والسياسية للمؤمنين وغير المؤمنين به.

– برغم ادّعاءات الطرفين، خلاف الشيعة والأمويين كان أساساً على الحكم وشكله، أي أنه كان خلافاً سياسياً قبل كل شيء.
– منذ ذلك الزمن، أضيف الكثير على المذاهب المختلفة، من قبل العرب والفرس وغيرهم، بحيث اختلطت الأسطورة بالتاريخ، لكنها كانت في الغالب إضافات، أو إسقاطات، ذات مغزى سياسي.

– لم تكن أنظمة الحكم القومية و’الاشتراكية’ العربية يوماً أنظمة علمانية، بل كانت تستغل الدين تارة، حين يلزم الأمر، وتقمعه تارة أخرى، حين يشكل خطراً على وجودها.

– رغم تفاؤل المتفائلين، عراق اليوم أكثر تفتتاً وطائفية من أي وقت مضى في تاريخه الحديث، وبالتالي أكثر تطرّفاً في أكثر أطرافه، إن لم نقل جميعها.

ولعلّ هذه الملاحظات تجيب على سؤال: ماذا يهمّنا نحن، من كل هذه ‘السياسة’؟ حين نسمع أن وزير التربية العراقي يريد فرض الحجاب على التلميذات منذ عمر الستّ سنوات، وأن المناهج المدرسية العراقية صارت تطبع في طهران وبالانسجام مع توجّهات المرجعيات الشيعية، عندئذٍ لا يكون الكلام من اختصاص المتديّنين والعلمانيين وحدهم. الحديث عن الدين في السياق العراقي الراهن لا يتعلق فقط بالعقيدة والممارسات الدينية، ولا بالحكم والسياسة وحسب، بل كذلك بالمجتمع والثقافة والأدب.. وكلّ شيء تقريباً.
من المفهوم أن شيعة العراق، بعد سنين طويلة من الكبت والقمع وصلت إلى حدّ هدم مقدّساتهم وإعدامات بالجملة، سارعوا بعد سقوط النظام للتعويض عن هذا الحرمان الطويل؛ وأن حفاظ مؤسساتهم الدينية، رغم القمع الصدّامي، على بعض ‘المرونة’ والتواجد في الشارع العراقي -على عكس الحركات اليسارية- سمح لها باحتلال المسرح سريعاً، خاصة مع تفضيل سلطات الاحتلال العمل مع رجال الدين وشيوخ العشائر على حساب القوى العلمانية والديمقراطية. من المفهوم أيضاً أن رجالات السياسة، على عادتهم، ما زالوا يغازلون رجالات الدين ويخطبون ودّهم لتمرير برامجهم السياسية، وهو ما قد يفسّر حصول “قائمة المرجعية الدينية” على عدد كبير من الأصوات في الانتخابات. لكن ما يصعب فهمه (أو بالأحرى، تقبّله) هو إصرار رجال الدين على الاستئثار بهذه المكتسبات والمباشرة بفرض طريقهم على كلّ الآخرين، بحيث أن القوى الأخرى، بما فيها منظمات المجتمع المدني، تكاد تُزاح عن الساحة السياسية وما يتّصل بها من ساحات.

من مظاهر هذا المدّ الديني عدم اقتصار الطقوس الدينية على شهر محرم والمناسبات الدينية، كما كانت الحال قبل حكم البعث، بل امتدادها على مدار العام، وابتكار شعائر جديدة لم تكن معروفة في السابق، بالإضافة لازدياد حجم المشاركة الجماهيرية في هذه الطقوس، وخاصة تلك التي لم تكن تحظى بقبول شعبي واسع في السابق، كالتطبير وضرب الزناجيل.

لا شكّ أن عاشوراء تعكس الحزن المتراكم داخل الشخصية العراقية خلال عهود من الظلم والقمع والحكّام الطغاة، منذ عبد الله بن زياد، مروراً بالحجاج بن يوسف الثقفي، وانتهاء بصدام حسين. ولا شكّ أيضاً أن طقوسها وشعائرها، بعيداً عن المغالاة والإسفاف، تنطوي على الكثير من القيم الثقافية والاجتماعية الراقية، كالمساواة والإيثار والشجاعة وغيرها. ومما يسطّره التاريخ أن الكثير من خطباء المنابر الحسينية وشعراء المواكب الحسينية كانوا من اليساريين الذين نظروا لثورة الحسين بوصفها ثورة على واقع فاسد، فأبرزوا جوانبها المضيئة التي تدعوا إلى النضال ضد الاستعمار والتبعية ومحاربة الظلم والوقوف بوجه الطغيان.

بيد أن ما يقلقنا هو ما يبدو أنه محاولات لتعميم هذا النموذج، أو فرضه، لإعادتنا إلى الدولة الثيوقراطية، حيث السلطات السياسية والاجتماعية والثقافية في يد حفنة من ‘المرجعيات’. وكأن تجارب إيران والسودان وأفغانستان وغيرها لم تكفنا لنفهم أن الحركات والمؤسسات الدينية، عندما تنتهي من مقاومة المحتلّ، ستلتفت إلى مقاومة الديمقراطية.

أخيراً، ربما كان من الملائم أن نختتم بمقولة ماركس الشاب التي ما أكثر ما ظُلمت واستخدمها الرجعيون والمتديّنون والشيوعيون على حدّ سواء منزوعةً عن سياقها: “الدين زفرة المقموع، قلبُ عالَمٍ لا قلب له، وروحُ أوضاعٍ عديمة الروح. إنه أفيون الشعب.”

لا تعليقات

اترك رد