الإرهاب بين الهويّة والحضارة – ج3


 

بين الطوباويّة والأخلاق في كتاب “الخوف من البرابرة “لتزفيتان تودوروف

في خضم جملة من المصطلحات المتداخلة والمتشابكة يحاول تدوروفأن يكون أكثر دقة في تحديد جملة من المفاهيم المشحونة بحمولة فكرية .فبعد تحديد مفهوم البربريّة يحاول أن يفرّق بين الحضارة والهويّة دون أن يلغي مقولة “البربريّة ” التي يجعلها سندا ومقياسا لتعريف “الحضارة ” ، باعتبار أن هذه الأخيرة هي كل ما يناقض “البربريّة ” .فالحضارة هي ذلك الارث الانساني والقيمي المشترك ترتبط بتشكيلات “تاريخيّة تظهر وتندثر وتتميّز بوجود عدة مواصفات ترتبط بالحياة المادّية كما بالحياة الفكريّة ” وهذا ما يعمّق الاختلاف بين معنى كلمة ” بربري “الذي يحمل المعنى النسبي والمعنى المطلق اللذين يشكّلان هرميّة خاصّة .وبين معنى “حضارة ” بصيغة المفرد الذي يدل على العمومية والشّمولية في مواجهة البربريّة.بهذا يحاول الكاتب أن يحدّد معنى التحضّر بأنّه الإقرار بإنسانيّة الآخر. وذلك لا يتحقق إلاّ عبر مرحلتين حسب الكاتب وهي أوّلا حين” نكتشف بأنّ للآخرين أنماط عيش مختلفة عنّا ” وثانيا حين “نتقبّل بأنّهم يتشاركون معنا بالإنسانية نفسها ” وهاهنا فتعريف تدوروف للتحضر يقوم أساسا على الوعي بالاختلاف والتّعدد والقبول به .بل اعتباره جزءا من إنسانيتنا بهذا فكل انغلاق على الذات هو مؤشر واضح من مؤشّرات الحيوانيّة والبربريّة . ويذهب إلى أبعد من ذلك إلى أنّ الانتقال من البربريّة إلى الحضارة ينبغي أن يتّصل بشرط ” الانفصال عن الذّات للتمكّن من معاينتها من الخارج كما بأعين الآخرين ” بهذا فالتحضر إنّما هو الانفتاح على الآخر ومحاولة تفهّمه ومعرفة حقيقة وجوده وطبيعة عيشه لعلّه ضرب من ضروب الاقناع الذي ينهجه تدوروف من خلال منهج حجاجي عقلاني بعيد عن مظاهر الدغمائيّة والتّأثر السلبي بالآخر فهو ينطلق من معطيات الواقع التّاريخي وخاصة مرحلة الثورة العلمية وما اتصل بها من نهضة فكرية وثقافية . لتنبجس للرجل رؤية مزدوجة : رغبة في نسج تاريخي لمسيرة تشكل مشروع الأنوار ، ورغبة في تعيين أصول الانحرافات التي أصابت هذا المشروع ثم يحللها وليست غايته في ذلك التأريخ وإعادة بعث الماضي بل هو من ضروب القياس على الحاضر والرّاهن وكأنّه بذلك ينتقد الفهم الخاطئ للتاريخ الغربي ويحفر في هناته التي جعلت منه كيانا كليانيّا يعترف فقط بمن يماثله من ناحية ومن ناحية ثانية هو ينتدب نفسه لإعادة قراءة هذا التاريخ وخاصة ما تعلق بالأنوار من منظور نقدي يعيد التفكير في هذه الحقبة بوصفها مشتركا إنسانيّا أو فكرا حاملا لقيم الحركة الإنسيّة لفهم الحاضر . وكأنّه بذلك يسعى إلى إثبات مشروعه الحضاري والحوار بين الأطراف المتعادية في ظل مقولة “الغيريّة ” . لعلّه في هذا السّياق ينتقد في معرض حديثه عن الحضارة والبربريّة مفكّري الأنوار الذين يعارضون كل تجديد في القيم الأساسيّة للأنوار ويعتبرهم مجرد مدافعين عن القيم والثقافة الغربيّة وهذا يعني عدم الاعتراف بالآخر كشريك فعلي للثقافة والحضارة الإنسانيّة ليؤكد على إرث الرفض الذي انطلق منذ عصر الأنوار وبدايات تشكّل ايديولوجيا العقل الأوربي الحديث .

وكأن التاريخ يعيد نفسه لكنّه يقر عبر منهج استقرائي وعبر جملة من الفرضيات التي تتصل بالطبيعة الإنسانيّة دون أدنى تمييز . لذلك فالعودة إلى مشروع الأنوار هو ترميم ما علق بها من أعطاب وتصحيح انحرافاتها . والأهم من كل ذلك هو الإيمان براهنيّة منطلقاتها الكبرى وفاعليّتها في مواجهة إشكالات الحاضر بهذا ينتقد بشدة من ناحية أخرى المعارضين الذين يعادلون بين الأنوار والإرهاب في اعتبار ” أنوار تساوي ثورة، وثورة تساوي إرهاب “وتبعا لهذا الاتهام فإن مبادئ الأنوار هي نواة الاستبداد وهو انتقاد يقدم أمامه تدوروف مرافعة لتبرئتها من التهم الموجهة إليها.فيحاول مع كل ذلك أن يعيد دراسة التاريخ دراسة موضوعيّة بعيدة عن الأحكام الذاتية الضيقة والدغمائية المقيتة . وهو في هذا يعيد النظر في فكر كلود ليفي شتراوس ومن خلاله يصل إلى حقيقة مفادها “إنّ الحضارة لا تتعارض معالثقافة ولا الأخلاق مع التقاليد …”

ليخلص إلى أمر هام يتصل بطبيعة العلاقة بين الحضارة والثّقافة بل إنّ الواحدة تتغذى من الأخرى على حد تعبيره. لعلّه مدخل مناسب للحديث عن الهويّة يقول في ذلك : “لم يعد للهويّة الجماعية سمعة حسنة إذ تحوطها الشبهة بأنّها نوع من التآمر على الحرية الفرديّة ” ليؤكد من هذا المنطلق أن الهويات ليست ” بحد ذاتها هي التي تتسبب بالنزاعات . وإنما النزاعات هي التي تجعل الهويات خطرة ” بهذا فهو يفرق بين العديد من أنماط الهويّة : الهويّة الفرديّة ، الهويّة الجماعيّة ، الهويّة الثقافيّة ..لكنه يحافظ في الآن نفسه عن “الآخر المختلف ” بكل ما يمتلكه من ثقافة وحضارة وهو المنطلق السليم لإقامة حوار حضاري مثمر . هو مشروعه الذي يشتغل عليه إن كان تلميحا بكل الانتقادات التي يوجهها للغرب منذ بداية الكتاب أو تصريحا باقتراح الحلول التي من شأنها أن تفتح على عالم متوازن .وهو في هذا السياق يركز على “الآخر” المسلم في علاقته بالغرب فيتحدّث عن الاسلاميين والإسلام في معرض حديثه عن العلاقة بين “صدام الحضارات ” وتصدّع العلاقات الدوليّة وهذا التصدّع إنما مرده أيديولوجي بحت . فكل تصادم يرتبط بالأساس بالكيانات السياسيّة وليس الثقافيّة وينطلق في ذلك من رؤية هنتنغتون “وهو أن الصّدام والنّزاع والحرب هي مظاهر تكشف حقيقة العلاقات الدّوليّة ” بهذا يفترض منطقيّا منطلقا للنزاع الأيديولوجي في عالمنا المعاصر. ومنطقه يفترض أن العدو المسلم هو الذي حل محلّ العدو السوفيتي القديم وتتجذّر هذه الرؤية خاصّة بعد تفجيرات 11 سبتمبر /أيلول 2001 لذلك فالمواجهة ستكون بين الغرب والإسلام ويكون العالم أمام عدو جديد هو “الإسلامي –الفاشي ” وهو خطاب روّج له اليمين المتطرّف. وهاهنا تتعمّق مقولة الصّدام بين الحضارات وتطرح معها قضيّة ” الحركات الإسلاميّة والتوتاليتاريّة ” وفي هذا يطرح تزفيتان تدوروف مقارنة طريفة بين الحركات الإسلاميّة والتّنظيمات الشّيوعيّة ، فيعتبر أن كلاهما يشكو من الظلم الاجتماعي والتّفاوت الطّبقي ،

وجميعهم يدّعون الوقوف في وجه الإمبرياليّة الغربيّة وأنهم طليعيّون وتقدّميون هذا فضلا عن أفكارهم حول الوحدة الأيديولوجيّة لينتهي بعرض الاختلافات بين الحركات الإسلاميّة والشّيوعيّة . ومع هذه المقارنة يحاول المؤلف أن يفصل في حديثه عن الحركات الإسلامية بين الديني والسيّاسي هذه الحركات التي أرسى لها مرتكزات بين الحربين العالميتين ” من جهة في مصر على يد مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنّا ومن جهة أخرى في شبه القارة الهنديّة على يد الباكستاني أبو الأعلى المودودي” لتتطور شيئا فشيئا إلى منتصف القرن العشرين حين سلكت منعطفا أكثر راديكاليّة مع مؤلفات أحد مفكري الإخوان المسلمين المصري :سيد قطب ومن خلال العقيدة التي جاء بها آية الله الخميني الذين عززوا المنحى القتالي عبر مفهوم الجهاد في العقيدة . ويبرر تدوروف ذلك بكونه ردّة فعل على التحول المتسارع للعالم الذي يعيش فيه المسلمون ويندرج ضمن ضرب المثل على تبرير وتحليل مقولة البربريّة التي ولدت من رحم التوتاليتاريّة الغربية لهذا يرفض الربط بين الحركات الإسلامية والإرهاب “لا يجب أن نخلط بين الحركات الإسلاميّة والإرهاب . ليس فقط إن كل الإرهابيين ليسوا من الإسلاميين …إن الانتماء إلى حركة إسلاميّة هو إيديولوجيا لا تقود إلى أعمال عنف إلا في بعض الظروف الخاصّة . أما الإرهاب المعاصر فهو نمط نشاط لا يمتّ إلى الدين البتّة لا في أصوله ولا في أهدافه .

إنّه يندرج بالأحرى في خط الإرهابيين الرّوس في القرن التاسع عشر ، الذين أخذ عنهم تقنية الاغتيال بالمتفجّرات وأعمال القتل الإفراديّة …”يبدو الكاتب واعيا بمشروعه النقدي. وإعادة التاريخ بهذه الشاكلة ليس بريئا ،وإنما فيه إدانة واضحة للغرب تصل حد السخرية والنقد اللّاذع خاصّة في توظيف المقابلات حين يتعلّق الأمر بالسياسة الأمريكيّة والدول العظمى وما ترفعه من شعارات حول حقوق الإنسان والديمقراطية وحرّية التعبير… يقول في معرض حديثه عن الحرب على العراق ” كانت الحكومة الأمريكية تؤكّد على أن الدّيمقراطيّة تترسّخ في العراق وفيها مئات المساجين يقبعون منذ سنوات طويلة في معسكر غوانتنامو بدون محاكمة وإمكانيّة الدفاع عن أنفسهم …ويخضعون للمعاملة المهينة، نرى الحكومة تصرّح بأن الولايات المتحدة تضع كل قواها في خدمة حقوق الإنسان..” بهذا تتحوّل الديمقراطيّة إلى دكتاتوريّة وحقوق الإنسان يغدو إذلالا له وحريّة التعبير مشروطة لصالح الغرب حين يتعلّق الأمر بهم . وهذا من شأنه أن يعمّق الهوّة بين الشرق والغرب وهو برأيه عين البربريّة ” إن القوة المركّزة في أيدي حكّامنا بلغت حدّا يخيفنا جميعا، ويُخشى أن تتحوّل حرب العوالم كذلك إلى نهاية العالم ” هكذا حدّث تدوروف وهكذا بث مخاوفه فهل يمكن أن ينجح الحوار الذي حلم به ؟

لا تعليقات

اترك رد