العلمانية بعد تصريح السفير العتيبة


 

استطاعت العلمانية بمفهومها الإصطلاحي والفلسفي والفكري من فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية في العالم الغربي وذلك بعد عصر التنوير الأوروبي على يد عدد من المفكرين والفلاسفة والحكام أمثال فولتير وتوماس جيفرسون وجون لوك وسبينوزا وغيرهم، وهو ما أدي الي أن تكون غالبية دول الغرب غير خاضعة لسلطة الدين في الدولة، أي لا تتبني الدولة دين معين كدين رسمي للدولة، مع الإحتفاظ بالدين كمؤسسة روحانية تخضع لرقابة الدولة باعتبارها السلطة الحيادية المخولة ضمن عقد اجتماعي بينها وبين الشعب على حفظ الأمن والحريات والسلام المجتمعي.

بينما في مجتمعاتنا العربية، لا يزال الي اليوم يدور النقاش على قضية الهوية المطلوبة للدولة العربية الوطنية بعد الإستقلال، بدءا من القومية الي البعثية والي الإسلامية الخ.. ورغم مرورنا بفترة عرفت بعصر النهضة العربية التى حملت معها والينا فكر التنوير وثقافته ، إلا ان ذلك العصر لم يستمر طويلا، إذ رفضت غالبية الشعوب العربية وقبلهم رجال الدين والفقهاء والحكام العرب مفاهيم الحداثة والتنوير والعلمانية وتداول السلطة، واستعاضوا عنها بعمليات الترقيع والتجميل للدين والتقاليد والفقه خوفا من التغيير والحريات او ربما خوفا من عقاب الله، وهو ما أدي الي تطور المجتمعات العربية بالحداثة التكنولوجية مع الإبقاء على البني الفكرية والذهنية الماضوية كمرجعية تحكم الدول وتتحكم في الشعوب. وأمام هذا التناقض المعرفي والحضاري تم اعتبار فكر الحداثة زندقة والعلمانية كفر والفلسفة إلحاد والتنوير عري وانحلال، فتوقف الانتاج العقلي والنقدي العربي، وسقط في قاع التبريرات بدلا من الحلول، والهروب بدلا من المواجهة، والسلامة بدلا من النضال والكفاح وبذل التضحيات.

مؤخرا، أطلق السفير الإماراتي في واشنطن السيد العتيبة تصريحا مهما قد يكون الأهم سياسيا نظرا لخروجه من مؤسسة سياسية خليجية من واشنطن. فقد أعلن عن رغبة

بعض الدول الخليجية في التحول نحو العلمانية خلال العشر سنوات القادمة كمفهوم حيادي للدولة أمام المتغيرات الحديثة, ورغم ان تصريحه قد واجه هجوما شرسا من مناوئي العلمنة وخصوصا في المملكة السعودية، الا أن التصريح استطاع أن يفرض على الساحة الخليجية بعدا جديدا، ليس فقط في نوعية التغييرات المطلوبة بعد أزمة الخليج مع قطر، وإنما أيضا فتح الباب أمام مناقشات وجدالات تتعلق بالعلمانية مثل حقوق الانسان والحريات والديمقراطية وهو ما كان محرما منذ فترة طويلة.

ففي الحياة الخليجية المعاصرة أصبحت الاصوليات الإسلامية، السنية والشيعية، مرجعيات فكرية ذات حضور طاغي لا يمكن الاستهانة به او التقليل من شأنه. ومع ان الصخب السياسي لهذه الجماعات الاسلامية عال جدا، الا ان المحصلة الفكرية والثقافية لها ضحلة الي درجة السذاجة. وهو ما أخرج مفاهيم دينية تعتبر العلمانية بمثابة الالحاد أو أن العلمانية مروق من الدين. وقد تكررت هذه العبارات بشكل كبير ومقنن في الإعلام الديني والتعليم وعلى مستوى الشعوب حتى اصبحت مهيمنة على الوعي الجمعي للناس. وتكشف محاولات محاربة العلمانية عن هلع متزايد حيال افكار التنوير والتقدم والنهضة التي ما انفكت، منذ اكثر من مئة سنة، من مقاومة اسباب الركود والتخلف في العالم العربي قاطبة. ومهما يكن الامر فان العلمانية مصطلح خلافي بلا شك، لكنه، بتعريف بسيط، يعني حياد الدولة ازاء الدين، وليس معاداة الدولة للدين كما يروج فقهاء الشريعة والحلال والحرام.

فإن كان الغرب قد انتهي من رسم الحضارة الغربية وأبدع في التحكم بها واستمرارها، فإنه لابد لنا الآن وأكثر من أي وقت مضي أن نكون أكثر جرأة في الإعتراف بأزمتنا الفكرية البنيوية التى لازمتنا عقودا وجعلتنا في ذيل الأمم والشعوب المتخلفة. وحتى نصل الي الحقيقة كاملة لابد لنا أن نطلع على التجارب الحالية للدول العربية، وخصوصا بعد نهاية او توقف عصر النهضة العربية واندماج الشعوب والمجتمعات العربية بمخاضات العبث الفكري والسياسي والديني. فقد أصبحت الدول العربية في

غالبيتها واقعة تحت منظومة الفكر الديني في الحكم او في المجتمع، نظرا للتزاوج ما بين الأنظمة والتيارات الدينية بعد انتهاء تحالف تلك الأنظمة مع القوميون العرب في فترات سابقة وقبل انهيار الإتحاد السوفييتي. وقبل هذا، فالدول العربية عموما واقعة تحت تأثيرات متعددة صبغت هويتها التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، منها الاستـبداد السـياسي الـذي شـكل الفترة الأطول في تاريـخ الأمة، والجمود المعرفي والذهني الذي كان ثمرة مرة لسيادة مبدأ النقل والتقليد، ثم يأتي العامل الأهم وهو تحجـيم دور العقل والشك والفلسفة في البحث وخصوصا في نقد الدين والثوابت الاجتماعية كالعادات والتقاليد، وأخيرا غياب العدالة الاجتماعية مع حدة الصراع على السـلطة وفق التفرق المذهبي والطائفي الذي انتج التيارات الجهادية والارهاب الاسلامي المعولم الذي يريد فرض وإحياء دولة الخلافة الإسلامية.

في مجموع هذه العثرات البنيوية الفكرية، قبع العقل العربي ضمن دوامة من التراجعات والإستسلامات لشروط بناء النهضة والوقوف من جديد في عالم اليوم، وعلى الرغم من وضوح الإنتكاسات التاريخية، إلا أن الأمة العربية ومفكريها ومثقفيها مازالوا يراوحون مكانهم، ومازالت السلطة الدينية المتحالفة مع الأنظمة العربية تمارس نهج الاستبداد على حرية الفكر ومنع النقد والتساءل والشك فيما يتعلق بأساس الإنطلاق الي النهضة. فالنهضة العربية والتحول الي العلمانية كما جاء في تصريحات السفير العتيبة لن تبدأ ولن تستكمل العشر سنوات المطلوبة الا مع نقد الموروث الديني وتفكيك سلطة رجال الدين ومنعهم من التدخل في شؤون الدولة والمجتمع. فقد عانت الدول العلمانية كثيرا من التدخل الديني وتوصلوا الي أن السبب الأول في التخلص من عبء الكهنوت المسيحي إنما يكون بتحييد السلطة الدينية ومن ثم بناء المجتمع وفق العلمانية والحريات العامة المحددة للتعامل الخاص والعام ومنها الشأن الديني وحرية الإعتقاد.

إن الأمة العربية بما تملكه من تاريخ قبل الإسلام والقائم على التعددية الدينية والتسامح مع مختلف الديانات، هو المطلوب تفعيله وفق منظومة العلمانية العربية، فالدول الحالية

ومنها بعض الدول الدينية لم تستطع أن تقدم المنجز الحضاري والقيمي للشعوب لانها لا تريد الخروج من مفهوم الدولة الدينية رغم سقوطها تاريخيا وعجز نماذجها الحديثة في السعودية وايران وباكستان وافغانستان والسودان عن مجاراة التطور بعد ان شكلت العلمانية وفصلها بين الدين والدولة الخيار الانساني العميق في معرفة الخلل وكيفية التقدم. إن العلمانية في حد ذاتها لا تعارض الدين والتدين بل تقف محايدة أمام جميع الأديان والمعتقدات نازعة فكرة القداسة عن الأفكار مما يجعل الجميع ينخرط في بناء الدولة الوطنية وفق المؤهلات الاخلاقية والمثل والمبادئ الإنسانية. فعلينا اليوم، وإذا ما أردنا استثمار تصريح السفير العتيبة أن تلفظ الشعوب العربية ما يقيدها فكريا لتستطيع الإختيار في حياتها وفقا للحريات والعمل المدني المؤسس على حقوق الانسان والعدالة والمساواة بين الجنسين. فالتاريخ الإنساني للشعوب الحرة اليوم قد مر بتضحيات وثورات ونضال للفوز بالحضارة والتقدم، والشعوب العربية في تاريخها ايضا عرفت قيمة الثورات الحرة للتخلص من الأنظمة الإستبدادية والإستعمار، وحان الوقت الآن للشعوب العربية أن تنظر الي التاريخ وترى الواقع بعيدا عن أي نظرة دينية متحيزة لتستوضح الفرق وترى السقوط المدوي الذي نعيش فيه، فخيار الدولة العلمانية هو خيار المستقبل الآمن لأجيال تعيش اليوم لتصنع المستقبل والحضارة المفقودة منذ انتكاسات النهضة العربية الأولي.

1 تعليقك

اترك رد