تمثال في المكان الخطأ

 
الصدى-تمثال-في-المكان-الخطا

الصدفة وحدها قادتني الى مكان مزدحم في يسار ساحة الطيران، وعلى رصيف سياج قاعة متحف الفن الحديث، “كولبنكيان” سابقاً، ووسط هرج باعة يستحوذون على الرصيف، وعربات بيع اللبلبي والخضروات، والملابس القديمة، وكراج، يكثر فيه صياح أصحاب سيارات الأجرة، كل هذا جعلني أن ألتفت وأرفع رأسي قليلا من ضيق المكان وضجته، لكي أرى مهابة تمثال للفنان جواد سليم صاحب نصب الحرية الشامخ وسط بغداد، ليكون مكاناً وضع فيه تمثال الفنان ملاصقاً على امتداد سياج قاعة “ كولبنيكان”، الحديدي، بلا فاصلة بارزة غير قاعدة من المرمر، قطعتْ وسط السياج.

بطريقة الثلم. ذهلت، وعبرت الشارع المقابل لكي أشاهد التمثال من أمام القاعة ومن مسافة مناسبة توازن أفق النظر للمنظور بحالته الطبيعية، أول ملاحظة: أن المكان غير مناسب نهائياً، ولا يقع في مكان مكشوف، أو بين تقاطعات طرق لكي يرى من الجهات الأربع، بل كان مكاناً مخفياً ولائذًا لا يستدل به أحداً، لأن زاوية النظر ميتة، وامتداد منسي لا تلمحه العين.

ثانياً: أن اختيار المكان دلالة واضحة على انحطاط الذوق في زمن القبح. ثالثاً: أن التعامل مع رمز مثل جواد سليم، أو أي مبدع عراقي أخر يقام له تمثال يفترض القيام بإعداد دراسة هندسية وفنية، تدرس العمل من جميع جهاته، وأن تتوالى جهة حكومية تتمثل في مجلس محافظة بغداد وأمانة بغداد ووزارة الثقافة، كلها مجتمعة فضلا عن نخبة من الفنانين والأدباء والمثقفين للأشراف والتنسيق فيما بيننا من أجل خلق رأي موحد في تكليف من تناط له مهمة عمل نصب مستقبلاً.

رابعاً: أن الغاية في أقامة نصب هو تعريف الأجيال بالمبدعين العراقيين ومنجزهم الإبداعي بما قدموه لبلدهم، لذلك يلزم الاعتناء والتأني. هذا التمثال لجواد سليم، فنان نصب الحرية الذي غدا نصبه خيمة يستظل بها المتظاهرون، معلنين احتجاجاتهم ضد الإرهاب والفساد، والمطالبة بالحرية والدولة المدنية. أذن من الوفاء والواجب الوطني والإنساني على الدولة عمل تمثال لهذا الفنان العراقي الكبير تثميناً لجهوده وإخلاصه للعراق.

لكن الذي حصل أن الذي عمل التمثال هو النحات خليل خميس وعلى نفقته الخاصة، ضمن مشروع بجهود شخصية وهو بالتأكيد مشروع وطني لرموز الثقافة العراقية من الذين أثروا الساحة الوطنية والفنية والسياسية والشعرية، وبقدر ما تشكر جهود الفنان خليل خميس، المحترمة والقيمة، تشكر أيضاً جهود مواطن عراقي غيور تبرع بثمن المرمر المخصص للقاعدة من جيبه الخاص دون أن يأخذ الثمن ، بعد أن عجزت وزارة الثقافة من تغليف قاعدة التمثال!

لا تعليقات

اترك رد