سهرة بغدادية


 

لم تزر صديقتي بغداد منذ سنين طويلة ، وحين كانت تفد من بلاد الغربة لزيارة أهلها فهي تقبع في محافظتها ولاتفكر يوما بزيارة العاصمة التي احتضنتنا طلبة جامعيين حين قدمنا اليها من جميع محافظات العراق وتسكعنا طويلا في شوارعها حتى حفظناها عن ظهر قلب ..هذه المرة ، دعوتها الى بغداد لتكسر حاجز الخوف منها ..لم تكن مهمتي يسيرة اذ وافقت بعد الحاح وكانت تتصور انها يجب ان تجلب معها جواز سفرها وهويتها المدنية وكأنها تزور بلدا آخر ..أي تصور هذا الذي حملته عن بغداد ..قالت لي انها ستجازف بالمجيء لأنها تخشى من التفجيرات والقتل في الشوارع واختطاف الغرباء ..ادركت ان الاعلام في الخارج يجعل من بغداد مصدرا للرعب وزاد الامر سوءا اختيارها كواحدة من أسوا المدن للعيش لدرجة انها تغلبت في السوء على عاصمة افغانستان وسواها !!
كانت موجة الحر أول شيء استقبل صديقتي التي استغربت خروج الناس للعمل وانجاز اشغالهم رغم الحر ..هل تتصور أن نحظى بعطلة طويلة نتجنب فيها آثار الحر ..من يطعم العوائل اذن وكيف تمضي الحياة في المدينة ..كان لابد لها ان تعرف ان عامل البناء يحتمل الحر الشديد لكي لايمر يوم يعجز فيه عن اطعام عائلته ، وان شرطي المرور لايبارح مكانه تحت الشمس لتسير المركبات بنظام ولايتضاعف الازدحام في الشوارع وان عشرات الباعة المتجولين يعتاشون على بيع الماء البارد والمناديل الورقية والسكائر ولايعيقهم الحر او البرد او المطر ..كان لابد لها ان تعرف ان الحياة لاتتوقف في بغداد ..
كانت صديقتي تتصور ان انفجار الكرادة ومن بعده انفجار مثلجات الفقمة كانا سببا في ملازمة الاهالي لمنازلهم فأردت ان اقدم لها دليلا حيا على صمود الفرد العراقي وقوته التي اكتسبها من مرارة ظروفه وتجدد روحه ورغبته الدائمة في الحياة التي منحتها اياه علاقته الوثيقة بالموت والدمار ..
دعوتها الى سهرة بغدادية على شاطيء دجلة ..طعام بغدادي واغان تراثية اعادت الينا اصوات يوسف عمر ولميعة توفيق وعفيفة اسكندر …صرت استمد متعتي من استمتاع صديقتي بما تراه وتسمعه ..هل هذه هي بغداد حقا ؟..كيف يمكنها ان تتطاول على كل القهر والموت الذي ألم بها وتعيش أيامها بصورة طبيعية ؟..تساءلت صديقتي فقلت لها اننا نصادف الحزن يوميا ويرافقنا القهر والخذلان كلما شعرنا بأننا دمى يلهو بمصائرها السياسيون ، لكننا مازلنا أحياء ..نتنفس هواء بغداد ونشرب من مياهها ونسير على ارضها وهذه ربما أسباب كافية لنصمد ونواصل المسير والاستمتاع بما تبقى لنا من مباهجها ..لااخفيكم انني تساءلت أيضا في سري ..ماالذي يمنحنا كل هذه القوة والتجدد ؟..هل هو الاعتياد على الموت والخسائر ومانفعله ربما هو رد فعل عكسي ؟..ام انه الاصرار على استعادة حياتنا واختلاق السعادة من رحم المعاناة ؟.. لن أفكر في الجواب فما ابهجني حقا هو ان صمود بغداد انتصر على خوف صديقتي وانها ستزورها في كل عام وستخبر كل من تراه في الخارج ان بغداد مازالت بخير وان العراقيين يستمدون قوتهم من معاناتهم وانهم يصنعون الحياة ليقهروا الموت …

شارك
المقال السابقرويدة – قصة قصيرة
المقال التالىراسماليه المحاسيب
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. سيدتي الفاضلة صباحك بغدادي الأصالة .. بغداد حين تخرجت من كلية الطب جامعة بغداد عام 1983 عدت الى بيروت وكأني أحمل بين اصابعي مسلة حمورابي أو نجمة اقنطفتها من السماء ، بغداد تأريخ زهرة رائعة الجمال فريدة من نوعها لا تعيش إلا اذا سقيت بالدم!! ما يؤلمني حقا هو أن اخوتنا وأهلنا العراقيين يتأقلمون مع أي وضع يمر هم ولا يحركون ساكنا وهذا قمة الخطأ وهذا جواب سؤالك سيدتي مالذي يدفعكم للأستمرار ، استغرب كيف لشعب ثار على ملوكه وقطعهم وسحلهم غي شوارع عاصمته وشعب ثورات وانقلابات يرضى ويستمر بهذا الذل والخنوع ويسمح لشراذم عبيد ان يحكموه وهو من أكرم وأءصل وأجمل الشعوب !!!! نصلي للرب لكم ولبغدادنا الحبيبة ان يحميكم ويعم السلام في ربوع وطنكم الغالي على قلوبنا جميعا. دومو بخير لندوم ..محبتي وشتائل غاردينيا وسلام عبق من بيروت ألى شقيقتها الجميلة بغداد وأهلها.
    د.سام دلي

اترك رد