بعد خراب البصرة


 

اغرب ما صدر عن زعيم ديني مصلح في العراق بعد هروب محافظ البصرة الى ايران، هو : ان البصرة تستحق مسؤولا مستقلا نزيها من التكنوقراط!!!.. وكأن البصرة لوحدها فقط من تحتاج الى مسؤولين اكفاء، اما باقي مدن ومحافظات العراق فلاباس ان يبقى الفاسدون فيها يعيثون ويعبثون فهي ليست كالبصرة راس مال العراق وام خيره ونعمته..

يذكر بعض المقربين والمطلعين انهم في مرحلة اختيار محافظ للبصرة عام 2014، وبعد ان تم الاتفاق على ان هذا المنصب من حصة المجلس الاعلى الاسلامي الذي يتزعمه الزعيم الديني عمار الحكيم قبل ان ينسحب منه الشهر الماضي ليؤسس تيارا جديدا باسم تيار الحكمة، لم يجدوا افضل من ماجد النصراوي، فهو بحسب تعبيرهم: ابن البصرة وطبيب ويعيش متنقلا بين استراليا والكويت ويقضي الليل ساجدا راكعا، وغالبا ما يقسم بالله العظيم، وجميع من يعرفه يؤكد على حسن اخلاقه وجميل طبائعه…

هذه اذن المواصفات التي ادت لاختياره محافظا لواحدة من اهم مدن ومحافظات العراق، ولان جميع القائمين على الشان السياسي الذين تم انتخابهم انذاك، لايملكون من الكفاءات والقدرات الادارية والقابليات الفنية والسياسية وليس فيهم من يقيم الليل ساجدا راكعا بقدره فتم اختياره مطمئنين على احوال الناس وعلى احوال جيوبهم بالطبع فليس اقدر من شياطين الليل على تحقيق المكاسب وتنظيم المصالح وتوزيع الخراب والدمار، فخلال العقد الذي مضى قبل انتخاب النصراوي اثبتت تجارب الاحزاب الاسلامية والقوى المسيطرة ان ليس اقدر من الذين يقيمون الصلاة على النهب والسلب ولهم في عبد الفلاح السوداني الذي يؤم اعضاء حزب الدعوة في لندن حتى الساعة، وفي خضير الخزاعي الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية على اساس انه من الدعاة الثقاة والذين نهبوا المال العام ومازال، اسوة حسنة، وهكذا كان فقد برع النصراوي وابنه في لفط الاموال وتهريبها حتى اذا ما شعر الجميع ان كل شيء قد تكشف وبان وان ليس هناك من وسيلة للتغطية، استقال من منصبه وهرب مستعينا بجوازه الاسترالي الى ايران بعد منعه من السفر كمواطن عراقي، وترك المنصب ليبدا صراع جديد بين المجلس الاعلى وتيار الحكمة وقوى اخرى حول احقية كل منهم بالمنصب..

هذا السيناريو هو من طفى على السطح، بعد ان زكمت رائحة الفساد انوف البصريين ومن حولهم ومع ارتفاع درجات الحرارة والخوف من تفجر الاوضاع، يجري اشغال الناس بايجاد كبش فداء لتبدا جولة اخرى من الفساد، اما الزعيم الديني الذي صرح بان البصرة تستحق تكنوقراطا مستقلا، فهو اعلم من الكل ان الفساد ليس منجزا شخصيا بل هو نظام افقي وعمودي يشبه الى حد ما شبكة صيد السمك، فالنصراوي لم يكن الفاسد الوحيد ولم يكن فاسدا لوحده دون شركائه الذين قدموا له الحماية والتسهيلات وتقاسموا معه المال والغنائم، واولئك ليسوا هم الناس البسطاء بل كبار الزعماء والقادة والمسؤولين وزعماء العصابات والميليشيات..

تحدث بعض المطلعين ايضا، ان قضية فساد النصراوي كانت اهم الاسباب في انسحاب عمار الحكيم من رئاسة المجلس الاسلامي الاعلى وتاسيسه تيارا جديدا باسم تيار الحكمة ليسحب البساط من زعماء وعمامات ناصبته العداء بسبب صغر سنه وعدم احقيته رئاسة المجلس، وهذه لوحدها تعطي الدليل على ان وجود عمار وهو زعيم ديني يقيم الليل ساجدا راكعا ايضا، كان بمثابة غطاءا للفاسدين وحماية لعبثهم ولصوصيتهم واستهتارهم باموال ومصائر وقوت الناس لزمن ليس بالقصير، وانه حين انسحب تكشفت عوراتهم وذلت اعناقهم..

غير ان السياسة دائما ما تحمل اوجها متعددة، الظاهر منها او الذي يراد له الظهور الى العلن يخفي دائما ما هو عكس ذلك او انه يراد به، تحريك المشاعر باتجاه معين او اشغال جهات معينة او الناس عموما بقضية ما لتبرير قضية اخرى او للوصول الى هدف اخر، وهنا علينا ان نعيد الحكاية منذ البداية، فالسيد النصراوي كان قد عرف بفساده منذ الاشهر الاولى لتسنمه منصبه، تناوله الاعلام وتناوله الناس البسطاء المظلومون ومنافسوه وقدمت ادلة ووثائق كثيرة لاغبار عليها، وكان عمار الحكيم اكبر المدافعين عنه،

فلماذا الان يجري هذا الضغط المفاجيء السريع، اذ ترسل قوة امنية خاصة لاقتحام بيته لغرض القاء القبض على ابنه فيهرب الابن من الباب الخلفي ثم يقدم الاب استقالته من منصبه فيصدر امرا قضائيا بمنعه من السفر ولكن يسمح له بالسفر الى ايران بحجة انه يحمل جواز سفر استرالي؟..

يتحدث بعض المراقبين، الى ان السيناريوهات التي كانت معدة لما بعد تحرير الموصل، كان احدها هو الصراع الشيعي الشيعي ( كنت قد كتبت في الصدى مع بدء عمليات تحرير الموصل عن هذه السناريوهات) ويبدو ان مقدمات هذا السيناريو قد اخذت طريقها الى الوجود، وربما جاءت زيارة مقتدى الصدر الزعيم الديني الشاب الى السعودية لتفجر هذا الخلاف اذ تعرض بسببها الى لوم وتقريع تصاعد شيئا فشيئا الى تهديد ووعيد من اطراف شيعية منافسة ثم اعلن دون التثبت من صحة الوقائع عن تعرضه لمحاولات اغتيال واعتباره هدفا قائما لجهات منافسة تتهمه بالخضوع للارادة السعودية وخروجه عن طاعة الولي الفقيه، سبق ذلك كما ذكرنا انسحاب الحكيم من المجلس الاعلى الذي يبدو اليوم اضعف الكيانات الشيعية بعد ان كان اقواها، ثم انتشار معلومات عن مخطط لاغتيال شخصية دينية كبيرة في النجف لخلق اجواء من التوتر وربما لتفجير الصراع الشيعي الشيعي الذي حان ودنا وقته، ليس بهدف اخراج ايران من الساحة كما يعتقد البعض بل لاستكمال صورة الخراب والدمار الذي لم يمس مدن الجنوب والوسط مثلما حصل في محافظات اخرى، وربما ايضا لالهاء الجميع عن الدور الكردي المرتقب لتمزيق وحدة العراق..

بعد عقد ونيف من الاحتلال يظهر جليا ويتاكد ان الهدف الرئيس في القضية كلها هو استمرار عملية الهدم والتخريب والتحطيم للبنى التحتية وللانسان العراقي والعربي ولهويته وشخصيته وكرامته، فالعراق بما يمتلكه من تاريخ وثروات ومن كفاءات وعقول قادر حين يلتقط انفاسه، وحين تتوفر له اية فرصة للاستقرار، قادر عل النهوض والعودة الى ميدان الحياة، هكذا علمنا تاريخ هذا البلد العجيب وهكذا كتب له ان يكون كالعنقاء يحترق ليولد من جديد..

لا تعليقات

اترك رد