الألحاد ظاهرة أم عادة


 

نعيش الأن فى القرن الحادى والعشرين ، ومازال الجدل حول الوجود والخلق والخالق قائما منذ خلق الله الإنسان .

القدماء المصريين سجلوا فى معابدهم ورسموا صورا لإله واحد خالق كل شيء أمون العظيم ..وتناول فلاسفة الإغريق الوجود بحثا وتفكيرا ، سقراط وافلاطون وارسطوا ..منهم من نادى بوحدة الوجود ولابد ان يكون له واجد ومنهم من قال ان هناك شيء اكبر من ذلك ..وتناول هوميروس فى الإلياذة والأوديسا تعدد الإلهة ..إله البحر وإله الريح وإله الجمال .

وتأتى الفلسفة الحديثة فى القرنين الماضيين ..ظهر فلاسفة مثل نيتشا وسارتر وشوبنهور وماركس وهيجل وكل له مدرسته الفلسفية فى الوجود واثباته او نفيه .

فكان دور الفلسفة الجدل والسفسطة والنظريات .

وعلى الجانب الأخر ..كانت الأديان ورسالتها من خلال رسل وانبياء ارسلهم الله ليخبروا الخلق ان هناك خالق

عظيم ومبدع لهم ولكل الكون والوجود ولاشيء قبله ولا شيء بعده .

ولكن طبيعة البشر والعقل دائما ماتحاول ان تستقل بتفكيرها وبحرية أرائها ، فكان هناك ومازال منكرون عن قصد وميل وجود الخالق فى بيئة ومجتمعات الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام .

وإذا تحدثنا عن ظاهرة الإلحاد فى الغرب فى عصرنا هذا وليس فى عصور سابقة ..حيث كانت هناك عصور ضبابية وعصور ظلام كانت صكوك الغفران تباع وتشترى كانت هناك عصور إبادة لكل ماهو دينى . ..نجد أن المجتمع الغربى بما يملك من حرية الفكر والإختيار.. نجد انه مجتمع متصالح مع نفسه ، يؤمن بما يشاء وينكر ما يشاء ولا حجر ولا كبت ولا مطاردة له من اي فريق معاد له فى الفكر والعقيدة .

ونأتى إلى مجتمعنا العربى ..المجتمع الى تكون به الأغلبية المؤمنة نظرا للرسالات السماوية التى نزلت عليه فهو مجتمع اقرب ما نطلق عليه أنه مجتمع دينى .

والإلحاد فيه رغم وجوده كان دائما ما يتخفى ويرتدى أقنعة الدين ذاته ليتخفى وراءها .

ولكن الذي حدث فى القرن الماضى وحتى الأن ..ان تمرد الإلحاد ونزع أقنعة الخوف وجاهر كل ملحد بإلحاده وأعلن ميله وعصيانه وانكاره لكل ماهو دينى ويستوى فى ذلك كل الأديان .

وتفسير ذلك هو انفتاح المجتمع العربي والشرق المتدين على الغرب لأسباب كثيرة .

منها الاستعمار الذي صدر فكره لكل بلد يحتله .

ومنها البعثات الدراسية والتى كان يأتى بعدها الدارس لفكر الغرب بفلسفات نيتشه وماركس وهيجل ، وتنتقل من خلالها تلك الفلسفات والافكار الى الشباب والى الاوطان وأكثر النظريات التى حظت بمكانة وفكر ونادوا بتطبيقها كانت النظرية والفلسفة الشيوعية لما لها من بعد اقتصادى وبعد اجتماعى ..كثير من العرب اعتنقوا الماركسية كبعد اقتصادى واجتماعى لكنهم ظلوا على ايمانهم بالوجود ووحدته وخالقه ..وكثير منهم ايضا من أمن بالطبيعة وانكر الخالق .

وهناك ايضا الفلسفة الوجودية والتى انتشرت كثيرا فى اواخر القرن الماضى ومازالت تنتشر فى اوساط المثقبين العرب ..واعتنقها ايضا الكثير من الكتاب والادباء ..فهناك وجودية مؤمنة وهناك وجودية ملحدة

وكل منهما يبحث فى الانسان ووجوده وحياته وسلامه الداخلي مع نفسه والعالم والوجود ..لكنه دائما يعيش فى حيرة وقلق دائم اسمه الوجودية .

وتطل علينا فى ساسلة هذا الفكر العلمانية وهى مشتقة من العالم والعولمة والعلم والمناداة بحرية الفكر والعقيدة واستخدام العلم والفكر فى كل مايخص العالم الذي أصبح بمثابة قرية صغيرة ووحدة واحدة ..بما يحقق للإنسان امنه ورفاهيته فى مقابل ترك الدين وتنحيه وتدم تدخله الحياة وقوانينها وحكمها وسياستها وجعله قاصرا فقط على الكنيسة والمسجد والمعبد … والعلمانية مثلها مثل الوجودية داخل المجتمع العربى ..منها علمانية مؤمنه ..تؤمن بالوجود لكنها تنكر على الدين والمتدينين التدخل فى شئون الحياة ، ومنها العلمانية الأخرى التى تؤمن بوجودها وعالمها فقط .

هذه النظريان الثلاث والأكثر شيوعا فى المجتمع العربي ساهمت بشكل كبير فى خلق اجيال تنكر وتشك فى كل ماهو دينى وماهو سماوي .

لكن الجديد فى خلق جيل جديد من المنكرين والملحدين فى هذا العصر الذي نعيشه ..هو الدين نفسه …كيف ؟

اذا عدنا لعقود سابقة وخاصة عقد الخمسينات والستينات ومابعدهما ..نجد أن هناك تيارات دينية طفت على سطح المجتمع العربى بأسره .واي كان سبب نشأتها ومن أوجدها وكيفية وجودها كيفية سطوع انجمها وأنظمتها السرية والعلنية ..الا انها كانت حقيقة ووصلت الى رجل الشارع والعامة .

وتمثل ذلك فى خلق مايسمى بتيار الاسلام السياسي والذي مثلته جماعة الاخوان المسلمين وغيرها .

نما هذا التيار وتصاعد واستغل الضعف والجهل وعاطفة الرجل العربى تجاه الدين ..فضغط على ذلك الوتر ..وتاجر بكل شيء حتى كانت ثورات الربيع العربي فى يناير 2011 ..ووصل هذا التيار لهدفه ..وهدفه كان السلطة والحكم ..لكنه سرعان ماسقط .،

اذ تخلى عن الدين وعن كل الشعارات التى تاجر بها .

فكان من اثار هذا السقوط المروع ..خلق جيل لا يثق فى اى شيء يمس العقيدة ..وبدأ يشك ويشكك فى كل شيء ويتخلى رويدا رويدا عن دينه .

ولأنه جيل فقد الثقة فى كل رمز دينى وفقد الثقة فى موروثه الثقافى والأدبي والعقائدى ..تلقفته الأفكار والمعلومات المنقوصة التى تصدر لعقله عن عمد عبر

العالم الافتراضى الذي بات يسكنه ليل نهار ويتلقى منه كل معلوماته ولا يهم عنده ان كانت مزيفة ام صحيحة .فهو قد تمرد على كل ما يمت للماضى بصلة.

كل ما سبق يجعلنا نقول عن الإلحاد إن كان ظاهرة ام عادة قديمة ؟

لو تأملنا الظاهرة والعادة نجد أنهما متلازمتان ..ويمكن تمثيلهما بمنحنى بيانى مقابل منحنى الإيمان ..فهناك عقود او عصور يرتفع فيها منحنى الإيمان ..فيهبط منحنى الإلحاد ..وإذا مارتفع منحنى الإلحاد هبط منحنى الإيمان .

ومن هنا نقول ان الإلحاد ليس ظاهرة جديدة على المجتمع العالمى وخاصة المجتمع الشرقي المتدين خاصة وليس أيضا عادة قديمة فى كل المجتمعات .فوجود الإنسان على الأرض سوف يصاحبه دائما الشك والإيمان وبين الشك والايمان يعيش الانسان رحلة البحث عن الحقيقة ..حتى وان كانت ظاهرة وواضحة امامه كالشمس والقمر .

لا تعليقات

اترك رد