اكتمال المعنى في دائرة العشق المطلق


 

“اسجدوا للرّب في زينة مقدسة” (مزمور 2:29)

لطالما اعتبر السّجود فعل خشوع، يسهم فيه الجسد بالتّعبير عن حالة الإنسحاق التّامّ. فإذا ما أراد الإنسان أن يتوجّه إلى هذا الفعل الإرادي فعليه أن يتّخذ وضعيّة الجسد المشترك مع الرّوح دليل اعتراف على تواضع القلب والجسد وإقرار بالاحتياج. لكنّه في الحالة الصّوفيّة الشّعرية يتّخذ تعبيراً عن العشق. ولا بدّ من التّمييز بين العبادة الّتي تنطلق من الواجب وتكرار الحركة كفعل إلزاميّ، والسّجود كتعبير عشقيّ يطوّع فيه الإنسان عقله وباطنه بل كيانه كلّه لحالة العشق الّتي يحياها.

وقد جسدت أقوال القديسين وأشعار الشّعراء الّتي تتّخذ المنحى الصّوفيّ هذه الحالة. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: “في كلّ مرّة نسجد فيها إلى الأرض نذكر كيف أحدرتنا الخطيئة إلى الأرض، وعندما نقوم منتصبين نعترف بنعمة الله ورحمته الّتى رفعتنا من الأرض وجعلت لنا نصيباً فى السّماء”. فعندما يتم نقل هذه الحالة من اللّاهوتيّ إلى الشّعريّ نتبيّن حركة السّجود العلائقيّة بين الأرض والسّماء، بين الموت والحياة، بين الظّلمة والّنور. ما لم تكن حركة السّجود بهذا العمق الفكريّ والرّوحيّ فلن تأخذ إلّا معنى الحركة الجسديّة التّقليديّة الخالية من الذّوبان، فالحركة الجسديّة تجسّد العقل، والقلب، والرّوح بسجود عشقيّ إنسانيّ كامل في حضرة العشق. وقد يعبّر السّجود عن حالة الدّهشة أمام الحضور الإلهيّ الّذي يفوق قدرة الإنسان على الاستيعاب. وكأنّي به دخل كون العشق وخرّ ذائباً بأنواره.

إن الشّعراء التّائقين إلى العشق الإلهي ليسوا ببعيدين عن هذا النّفس العشقيّ فيترجمونه في قصائدهم سجوداً كيانيّاً عشقيّاً. فيستحيل السّجود قصيدة عشق، تفجّر من الأعماق رهافة الحسّ الإنسانيّ النّبيل الّذي يكتبه العشق في قصائدهم. ففي قصيدة للشّاعر التّونسيّ محمد بن جماعة يمنح الشّاعر السّجود دلالة العشق المندهش الّذي يحوّل الشّاعر إلى حالة عشقيّة ليمنحها بعداً كونيّاً سماويّاً.

“عندما أخرُّ عاشقًا
أقتفي أثرَ الكون المطلق
من العمر السّريع..
لا أتعجّل النّهايات
حتمًا سيُغلق البابُ.. لا
يبقى إلاّ السقف بلا جدران
لا أرى فيه
سوى زوايا الحبّ القائمة
في رقصة غافية
بفستان غضّ”..!

وإذ يفتتح الشّاعر قصيدته بقوله (عندما أخرُّ عاشقًا/ أقتفي أثرَ الكون المطلق) فهو يمنحها بعداً رؤيويّاً يُخرج الشّاعر من حالته الأرضيّة إلى الحالة السّماويّة.

ويرادف لفظ (سجدة) في قصيدة أخرى للشّاعرة التّونسيّة فريدة بن رمضان معنى الانتماء، وقدرة الشّاعرة على التّسلّط على المكان والزّمان والخروج منهما لترتقي إلى عوالم الله. فتكون السّجدة بمثابة الاستغناء عن مباهج الأرض ومجدها الباطل للولوج في العالم الإلهيّ.

يناوشني اللّيل:
“في قلبي لكِ كلمة”
يهمس في أذني الشّعر:
“حان أوانُ الغزل”
أختلسُ غفلةً
من زمنٍ هجيع
وأفرُّ إلى سجدة!

وأمّا في بعض من شذرات الشّاعر التّونسيّ يوسف الهمامي، فسيأخذ السّجود بعداً كونيّاً، فيضع الشّاعر نفسه صلاة على شفاه الخلق (أنا الكلمات السّاجدة /في أنفس الخلق). كينونة الشّاعر السّاجدة الّتي رمز إليها الضّمير (أنا) هي محور الكون والخلق، فيمسي الشّاعر في حالة سجود كلّيّ، إن من ناحية سجوده، وإن من ناحية حضوره السّاجد في الخلق. وكأنّي به يقول إنّه يسجد عن الخلق بكلماته. إنّها ذروة حالة السّجود الّتي تشكّل علاقة عاموديّة مع السّماء وأفقيّة مع الإنسان.

لا قاع لغرفتي
لا سقف ..
ولا جدران ..
أنا قائم في العراء ..

المحيط من سجود
يتمدّد كيان الشّاعر كما يحدث لحالة القدّيسين؛ ليطال الكون بأسره فيجعل منه مكاناً للسّجود، ما يدلّ على حالة السّجود العقليّ والرّوحيّ للشّاعر والقديس سواء بسواء. وسيأخذ سجود العقل بعداً استناريّاً فيتخطّى الحدود بالرّوح المنطلقة اللّامحدودة. يدخل كلاهما في سرّ الله، في حالة عشقيّة تامّة، يحييان من خلالها الله على الأرض بالرّجاء والحبّ (أنت – أنا/ ثَانِينَا الله..).

وهكذا ينكشف الجمال الإلهي ويتجلّى شعراً وصلاة تعبّر عن الرّوح واندماجها بالجسد تأكيداً لهذه الحالة الّتي تشير إلى منبع واحد حيث التّوهّج المطلق لاستحضار لحظة خاصّة لها مدلولاتها العميقة المطلقة في التّجربة الإنسانيّة.

لا تعليقات

اترك رد