القرد والقراداتي


 

لم نلتقِ منذ أكثر من عام، هالني مرآه اليوم شاخ وكبر، أصبح في أواخر الرحلة شيخاً كئيباً خطت الأيام والساعات والثواني في روحه شروخاً لن تندمل مهما طال بها وقت العلاج، أرتمى بجسده الواهي وروحه الواهنة على مقعد، أَنً المقعد من حِمله رغم خفة وزنه إلا أن أطنان الحزن أثقلته .. نعم أقعدته . وإن شئت فقل: هزمته مراراً وتكراراً. وكأنها مباراة من جانب واحد ، فضل أن يكون فيها حصالة لأهداف الأيام في مرماه، غارت ملامحه تحت زخم من قسمات الحزن الغائرة في روحه ، تساقطت أسنانه معلنة أنه قد فضل الصمت لغة للحوار مع محاوريه وأنحنى ظهراً رأيته بالأمس ممشوقاً فتياً ، للوهلة الأولى صدقاً لم أعرفه إلا من صوته ولكن عيناي أكدتا أنه ليس هو !!

لكن تأكيد أصدقائنا أنه هو هو بعينه ، وحرارة السلام من يد فاترة تجاهد أن تبعث الروح في أطراف كلت من الاهتزاز في لقاءات روتينية ، أنكرته لبرهة لكن فضولي أبى إلا أن يفتش في بقايا ظل بشري جعلتني أدنيه مني وأقصي أولئك الأحياء بالجسد الأموات بالأعين عنه ، أدنيته مني وأنا أمسح على كتفه منكرا لكل هذه الأحمال فوق خيط رفيع ! ، نعم إنه ذلك الصديق القديم الظريف الذي أذكره عندما كان يدعي مهارة في ترويض القرود ، ما بالك أيها الحاوي العجيب ؟
لماذا جرت بك عقارب الأيام إلى الأمام بهذه السرعة دون سابق إنذار ؟؟
قال : هل لاحظت شيئا من التغير عليٍ؟
أجبت: وهل تصدق أنت أنك أنت أنت ؟؟
قال وهو يتصنع الابتسام وكأنه قرر أن يلقي بالحجر الأخير في بركته علها تفور بحل أو تنقص حملا أو تقبض روحا ، قرر أن يثور على استحياء من نفسه ، وكأنه يلومني على سؤالي أجاب بصوت ينبعث من كهوف الظلام في بلاد التيه من العوالم السحرية المقبورة التي كنا نسمع بها في الحكايات قديما

قرر أن يتحدث ، وظني أنه من أشق القرارات التي أتخذها في حياته منذ شهور . قال : إنني من أمهر من عرفت في ترويض القردة، أخذت في تدريبهم من الكرامات مالم يفتح الله به على أمثالي !!
وما من أحد استشارني في أمر يخص قرده إلا وعلمته كيف يسوقه كيفما شاء .

أطرق وقد أخذ يسارقني بمحو عبرات تلخص سلسلة طويلة من الفشل الذريع مع قرده الأثير، تابع : أحببته كما لم يحب أحدُ قرداً من قبل ، ومع تقادم الأيام بيننا امتدت نيران الحب إلى روحي ، حتى غطت على بصيرتي ، ظننت أنني صنعت منه القرد المعجزة ، رأيته وقد نمى فيه قلب آدمي وروح يمامه في جسد غزال .. ثم أغمضت عيني عنه وأنا أحلم بالعيش مع هذا الكائن الجديد ، وفجأة أيقظني بعنف .
يا الله !!! ما هذا؟؟
محال. .محال !!
ما زال قردا ؟؟
لا لا لقد صار غوريلا باردة !! جمدت ملامحه وجفت فيه الروح ، ومع الأيام عظمت قدراته وشهواته ، كلما ضعفت قوتي وخارت أمامه فك قيوده ووضعها في عنقي وأخذ ويال الهول !!! يعاملني كنخاس محترف ، لم يبع جسدي فحسب بل أخذ يحصي على حتى أنفاسي ، إنه يطارد أحلامي ، يخنق أوهامي ، يقتل كل قطرة تنبع في بستان عقلي ، صيرني آلة لا تدري للأيام لونا ولا طعما ولا رائحة ليس كقرداتي حتى ، صيرني قرده الذليل القابع في طرف كمه أينما يوجهني أسير !!!!
قلت : وكيف ترضى أن يسوقك قرد وأنت الحاوي العجيب ؟ كيف ترضى أن تخرج من آداميتك ؟

أجاب : ليس العجب في ذلي له و تفاني في خدمته لهان الأمر، الكارثة أنه ما عطف على يوما ولا عاملني كما عاملته من قبل !!!
تدري أكثر ما يؤرق صحوي ويكدر نومي : خوفي أن أموت فلا يجد من يحنو عليه بعدي ، غدا سيعلم قردي أنني خادمه الأمين الذي تفانى في خدمة القطيع كله صغيره وكبيره وما طمعت في غير ابتسامة أو كلمة نفاق تطيب خاطري ، ولو طلب أن أكون مئة قرد بعد ذلك لصرت له ألف ألف قرد لأرضيه ، لكنه لا يفهم أنني شمعة احترقت من أجله ثانية ثانية ووهجي اليوم هو أول منازل الرحيل .
تدري سيعلم غدا أنني القرد الذي تفانى فيه فتاه في طريقه !!

قلت محتدا : ألهذا الحد تخافه ؟ وتخشي عليه من سيد جديد يفضح ضعفك بين يديه ؟
أتخاف أن يأتي قرداتي جدير بالقيادة فيرده لحجمه ويعلمك أنك القرداتي الأخرق في وسط هذا السيرك الهزلي ؟
ألا تعلم أيها الحاوي الحالم أنه ناقم عليك ؟ غاضب منك لك عليك ؟
ألا تعلم أن قانون الفطرة أن يخضع القرد لملاعبه ، لا أن يقود القرد حاويه !!
أن قردك في أعماق نفسه لو نطق لقال لك : رحماك أيها الحاوي البليد بي ؟
أنني ألعب دور القرد والسيد والمتمرد والمجرم والقاضي والحكم و…..و ….. و …..
وأنت فقط تمثل دور الضحية لهذا القرد اللعوب !!

قلبت معك وشوشا شتى لأحرك فيك خيوطا لسيد عشقته ، ومناني أن أكون به ومعه سيد السيرك الأول بلا منازع ؟ ثم أعطاني أدواته وملابسه وسبح في أوهامه وقالي لي بعد أن كبلني بكل قيد حريري : لقد أعطيتك كل شيء فقم بواجبك ؟؟
وما علم أن واجبي أن أظل قردا أنفذ وأنفذ وأنجز كل ما يعلمني الحاوي .!!
ما علم أنه بجنونه وتهوره هذا قتل فيً قردا تمنى أن يصل لقمة القمة مع أمهر مُلاعب في السيرك للقرود .
يلومني أنني صرت مسخا ، أجل أنا أكثر من مسخ فأنا صنيعة يديه ، فليبصر جيدا إنني صورته الباهتة التي يخفيها عن الدنيا ومن فيها .
نعم أقوده وأقتله وأعذب روحه ، لا ليموت هذا الغبي الأبله ، لالا لست مجرم قط ، ولكن لعل هذا الجسد البالي أن تُبتعثُ فيه الحياة من ضرباتي القاسية .
لو أنصف لعرف أنه قتل فِيً حلم الكمال بأن أكون سيد القردة لا سيد المسوخ.
تمتم بكلمات كثيرة ألتقتطت منها أذني كلمة صدقت صدقت …
ساد الصمت بيننا لفترة ، أدرت وجهي فإذا أصحابنا يتابعون حوارنا باهتمام كبير .
تعجبت من حالهم ، قررت أن أنهي حوار ما كتب له الفناء .
قلت : إنك تحبس نفسك في فقاعة من صابون زلجة كبيرة ضبابية لكنها ليست أستارا أو أسوارا كما تظن وتدعي مجرد فقاعة من الأوهام ويال العجب تعصب بها عقلك ، إن حريتك أو عبوديتك قرارك أنت . نعم أنت وحدك . وأنت أيها الحاوي العزيز من تحاول أن ترقص على أوتار عقولنا واجتهدت أن تجعلنا نتعاطف مع هذا الخبل الفكري ، لكن هيهات هيهات أن تسرق عقولنا وتجعلنا من أتباع هذا المسخ الجديد ،
قولا واحدا تمرد. أو مت مسخا مشوها . أما أن تسرق عقلي محال .
عقب بالتأمين خلفي على كل ما قلت وأنصرف وقد نوى أن يشتري قردا جديدا عله يكون أكرم من قرده القديم ،
قبل أن يختفي لمحته من أخر الطريق وقد سقط عنه قناع الصديق القديم وظهرت ما ينبئ أنني كنت أحاور القرد لا الحاوي .
أدرت وجهي ومضيت ونويت ألا أنظر خلفي مرة أخرى مهما كلفني الأمر .

2 تعليقات

  1. لا يمكن أن ينصرف القرد هنا إلى البنية السياسية لأن القرود لا تنتصر في العالم العربي والحواة لا يهزمون والكلاب النهمة لا تتوقف عن نهش البنية الإنسانية في عالمنا العربي الكالح الفاشل .. أما رده إلى البنية الاجتماعية فهذا جائز فلكل حلقة اجتماعية ضاقت أم اتسعت قائد أو حاوي قد يكون ناجحا وقد يكون فاشلا … لكن السؤال الموجهة للكاتب : لماذا اللجوء إلى رمزية القرد والقرداتي .. وهي رمزية مبنية على الاحتراف ؟! وهل المجتمع العربي يدار بهذه الاحترافية ؟! على أي حال المقال ممتاز والعنوان جاذب …

  2. جزاكم الله كل خير يا دكتور ،والقردة مرادف موضوعي للمهارة والبهلوانية فلا يستبعد أن تكون موجهة توجيه سياسي ، ملازمة القرد للقراداتي حتى أنهما من طول التلازم أصبح من العسير أن ينفكا عن بعضهما البعض وبها رمزية تراثية أكثر من معاصرتها لكن تحوي دلالات خدمت السياق العام للفكرة

اترك رد