كيف تصنع جاهلا؟ – ج5


 

تولد الأفكار لامعة وكلما تفاعلت مع بيئات متباينة إزدادت توهجا، لكن هناك نوعا آخر من الأفكار لا يولد، بينما يتشكل ويتموقع وينمو حولنا ذاتيا دون أن نشعر!. فالأولى تفقد قدرتها على البقاء ويختفي بريقها بضرورة الإحتكاك المباشر وغير المباشر، ومع مرور الوقت ينطفئ ضوئها شيئا فشئ، ومن ثم تسقُط على صفحات التاريخ بكل ثقلها، أما الثانية لا وزن لها فهي هشة _وهي الأخطر في تقديري_ فمع مرور الزمن وتعاقب الأحداث والمواقف اليومية تستقر في العقول على هيئة عادات أو تقاليد أو مخاوف أو تحت أي مسمى آخر يمكن استدعاؤه ليصف درجة تشبعها، لكن المؤكد _كما أتصور_ أنها شفيفة لا لون لها أو وهج يميزها، لذلك تحتل مكانا داخل الفرد على حسب درجة انفراجة ثغرات تفكيره وميوله النسبي لتقبل أو إلتقاط الأفكار السابحة في مجتمعه المحيط، وتحيا معه وكأنها صفة أصيلة في تركيبته “النفسذهنية”!.

كان ذلك بديهيا حقا، وكان أيضا الفخ الكبير الذي حُفر من تحت أقدامنا لنتأخر في الصعود إلى السطح مرة أخرى ونلبي موعدنا مع الدولة المدنية الحديثة في المستقبل القريب، حيث أن الأمر تفاقم وأضحى بيئة عامة خصبة تجذب آلياتها لصناعة الجهل ذاتيا!.. كيف؟!.

“الواقعي والإفتراضي” هما بُعدان لعالمنا لا ينفصل إحداهما عن الآخر بل مكمليين ومتكامليين لبعضهما البعض ومعبريين بشكل أو بآخر عن وجودنا الإنساني منذ الأزل، ومع ظهور مواقع التفاعل والتواصل الاجتماعي بشتى أنواعها، بدى الأمر أكثر تعقيدا حيث انعدمت الفواصل، وأذاب ما تبقى منها على حدودهما تدفق الآراء والأفكار والمواقف المعبرة عن الثقافة العامة للفرد،فأضحى لكل فرد “أو عضو في المجتمع” حزمة من إنسانيته الخاصة موزعة ومعبرة عن واقع أفكاره وحقيقة نشاطه الذهني وقناعاته الشخصية على صفحات عالمه الإفتراضي “الأكونت”، ما وصل به الحال إلى أن تقيمه العقول أخرى “الأعضاء في المجتمع المحلي والعالمي” متابعه له تنتقده أو تؤيده والعكس صحيح.

ووصل الأمر من جانب الدول في هذا السياق إلى اتخاذ هذه الآراء المنشورة والمتاحة للتواصل والتفاعل الإنساني كوثيقة تضع صاحبها تحت طائلة القانون وتدينه بها “خصوصا في الدول الشمولية والتي تعرف وتصنف عالميا بـ دول العالم الثالث”، أو كما شاهدنا على جانب آخر من السُلطة الدينية الفاشية حالات متكررة لإغتيال شخصيات عامة تنادي بالحرية _بمعناها الواسع_ على يد الجماعات المسلحة المتأسلمة والإرهابية فكريا أيضا.

ثمة مشروع تجهيلي خبيث تتكشف ملامحه شيئا فشئ!، فهل شعرت بإطلاق وعيك كاملا يوما ما؟ أم أنك تشعر الآن بأنك تشبه كرة التنس التي يقذفها مضرب لاعب قوي ومحترف من فوق شبكة قصيرة الإرتفاع لتسقط على أرض اللاعب الثاني ليقذفها بدوره هو الآخر.. وهكذا؟ الإجابة على هذه الأسئلة لن تخرج عن سياق موضوعنا الذي بدأناه ألا وهو الإجابة على السؤال الرئيسي.. كيف تصنع جاهلا؟.

ويقدم لنا حاضرنا المهيأ للإكتشاف الكثير من الإجابات _رغم الأجواء العامة الخانقة_ خصوصا بعد خلع “مبارك”، وعزل “مرسي” واستمرار تفعيل أنظمتهم السياسية المدمرة في الحيز “الواقعي / الإفتراضي” على حد سواء عبر شبكة معاونيين لهم أخلصوا لدولة الفساد لمصالحهم الشخصية من ناحية،ومن ناحية أخرى لسفك الدماء على يد الفاشية الدينية، وحيث أنهم أيضا أنموذجين تجسد في وجودهما الفعلي مفهوم صناعة الجهل وتجهيل الشعب المصري، وصناعته محليا خلال خطوط إنتاجية (قانونية) و(فتاوية “إن جاز المصطلح”) لا تتوقف ساهمت بطبيعة الحال في تعليب الجهل وتوصيله للمنازل مغلفا بغلاف كتب عليه تاريخ الإنتاج “عام 1952” وترك مكان تاريخ الإنتهاء شاغرا!.

وتأتي أيضا أهمية ذكر هذان النظامان تحديدا لأنهم استخدموا النوع الثاني من الأفكار “التي لا تولد”، بينما تتشكل وتتموقع وتنمو حولنا ذاتيا _دون أن نشعر_ على أكمل وجه واستعانوا بآليات خبيثة هدمت البناء الثقافي والمعرفي لطبقة عريضة من الشعب المصري، وتأسس نظامهما السياسي على مبادئ متشابهة إلى حد بعيد، فكلاهما استخدم الجهل بشتى أنواعه ليُظلم أكبر مساحة تمتد إليها سلطته من عالمنا المتواضع، وكان الظلام يشتد ُظُلمة وقتامة حينما تعاونا معا في مراحل وحينما أيضا تناحرا وتصارعا على كرسي السُلطة في مصر على حد سواء من وقت قريب.

للوهلة الأولى يبدو أن هناك تناقض بين هذا المزيج المكون من نظاميين روج كل منهما على مدار سنوات عديدة لمشروعه السياسي بطريقة في ظاهرها مخالفة ومتناضة للآخر، لكن إن أمعنا النظر وتأملنا جوهرهما السياسي وشعار مبدأهم المشترك الذي كان ينطق بـ “من ليس معي فهو عدوي” سنجدهما متطابقين إلى حد يثير الذهول، ويفسر بلا أدنى شك ما نحن عليه الآن.

لا تعليقات

اترك رد