مظاهر التطرف


 

يعتبرالتطرف ظاهرة هامة في البلدان المتعددة الطوائف والديانات وتنتج عن الرفض وعدم قبول الآخر بإختلافاته والتعصب للرأي والدين. وأصبح المشهد التونسي حاملا لسماته وخاصة أنّ هذا التطرف تتحكم به أطراف وتوجهه حسب حاجياتها الخاصة.

فأصبح الدين سند سياسي لبعض التيارات الإسلامية تسعى به لفرض شرعيتها،وتحول الاسلام بدوره الى مشروع سياسي حامل شعارات ورموز تحص قوى معينة دون غيرها ” فتنشط تبعا لذلك التصور النزعة التبشيرية لمنظومة سياسية وقيمة طهرانية تستشعر واجب انقاذ البشرية من الظالمات وانقاذ أوامر آلية وشرائعه الجلية في الأرض والنقدي لنوازع الكفر والبدع التي تمثلت لها الاطروحات الخارجة عن دائرة ما يعتقد انه الفرقة الناجية “.

و الفضاء السياسي غني بالإختلافات والتنوع وهو ما دعم ظهور التوظيف الديني في الشأن العام واختصت به أطراف وقوى وحركات سياسية دون أخرى. وتكون به رأسمالها السياسي الخاص بها ويترك أثرا هاما على مستوى الممارسات فأنتج العدوانية ضد الخصوم من خلال الخطاب ورفض الأفكار المختلفة. وهو سبيل العديد من الفاعلين اللذّين يرغبون في تحصيل المراكز والسلطة ويغلبون الوازع العدواني لإقصاء غيرهم و” هناك ما يمكن التعبير عنه إجتماعية الإنسان. فالإنسان مدني بالطبع لايصح وجوده, ولا تستقيم أحواله إلا بعيش مع غيره بني جنسه. إنّ إجتماعية الإنسان تفرضها ضرورة التعاون من أجل تحصيل الغذاء الديانة قوام وجوده، وهناك من جهة ثانية للطابع العدواني الذي في البشر” وهو آثار القوى العدوانية” فيهم ضمن أخلاق البشر فيهم الظلم و العدوان بعض على بعض امتدت عينه الى متاع اخيه ، امتدت يده اخذ هالا ان يصده وازع “.

و لم تنحصر المنافسة السياسية في تونس بين الفاعليين على مجرد صنادي الإقتراع و إعتلاء مراكز السلطة فبلغ التطرف أقصاه لتوجيه الإتهامات و يعاد إنتاج آليات إحتكار الدين و التشكيك في إيمان الآخارين و نعتهم بالإلحاد و التعدي على الذات الإلهية .و تسعى بعض التيارات الدينية الى هدم المجتمع و إعادة تأسيسه و إعادة إنتاج إيمانه و قوانينه و دساتيره ، ” و يرى المتطرف أنّ هدم المجتمع ومؤسساته هو نوع من التقرب من الله، و جهاد في سبيله ،و ذلك بحجة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، أو لتحقيق المبادئ التي يؤمن بها الفرد أو جماعتة الدينية أو السياسية أو الفئوية فإنّه يخرج من حدود الفكر الى نطاق و يتحول الى و يتحول الى ارهابي ” .
و كانت العديد من الحركات و التيارات الدينية رافضة للحوار و المشاركة في الشأن السياسي و تعتبر أنّ الديمقراطية كلها مشاريع لاتمت للإسلام بصلة مستوردة فيقعرفضها . و تنص على ضرورة إعتماد الشريعة كأساس سياسي لإدارة شؤن العباد . و يعتبر المشهد في تونس عامة متأرجح بين مشروع إسلامي و آخر حداثي و هو ما أجج الصراع بين الفاعليين بل دفع بعض القوى السياسية إلى مواجهات عدوانية على مستوى الخطاب و التبادلات في فضاء الفعل أنّ الأعوان القائمين على بعض التيارات الإسلامية يعبرون عن اقصائهم لآخر ” حق الاختلاف في حدود الشرعية …..لا اقبل الديمقراطية اصلا .” و تعتبر تصريحات القيادات و الأعوان في بعض الحركات الدينية على غاية الفاعلية فهي تقدم بوضوح عدم قبولها لبنية القوى الفاعلة بإعتبار هذه الاخيرة حاملة لمشاريع مخالفة تماما لما تدعو له هي ” و قد يكون الغلو و التطرف في المجال السياسي ، فقد يكون رجل السياسة متسلطا لا يقبل الحوار او الراي الاخر ، او ترفض جماعة سياسية الحوار مع مخاليفيها ، او تتمسك بفكره او مجموعة افكار صماء او جامدة . و يرتبط التطرف هنا بمحاولة اقلية جامدة فكريا ان ترفض رؤيتها و اسلوبها في التفكير على الاغلبية ، و مثل هذا الغلو و التطرف يولد مشاعر متزايدة من الاحباط ، و الكبت السياسي و فقدان الثقة بين المشتغلين في المجال “.
و تعتبر التيارات الاسلامية الساعية لانتلاك السلطة في تونس قادرة على انتاج نموذج ثقافي خاص بها لكن لم تخفي النزعة العدوانية في الفرض الرمزي الذي تمارسه على الاطراف المعارضة لها في الراي كما ان هذه التيارات اتسمت بالانفعال مما قدها الى اعتماد اسلوب متطرف لتدافع عن مرجعياتها و التي تعتبر اساس الاستحواذ على الشرعية و هذا ما يجعل هذه التيارات في حقل تنافس و صراع مع باقي الحركات السياسية التي تعزز علاقات تحدد موقع كل طرف من مازين القوة القائمة في حقل الفعل ” تخضع علاقات التنافس بين المرجعيات للمنطق الخاص بحقل الشرعية موضوع المعاينة ( مثل حقل سياسي ،ديني او ثقافي ) دون ان تمنع استقلالية الحقل النسبية خضوع هذه العلاقات لموازين القوى ،فالشكل المخصوص بالتنازعات بين المرجعيات الطامحة الى الشرعية ،ضمن حل معين ،ياتي دائما كتعبير رمزي مجمل الى حد ما ، عن موازين القوى السائدة خارجه ( الديني او السياسي )”.
و عبؤت العديد من الحركات الاسلامية عن توجسها من بعض الفاعلين و انها لاترغب في المشاركة و الفعل فتصريح ابو ايوب :” اليسار ركز على ضرب الاسلاميين ،لانه يعاني من فراغا و لن يقدم شيء للشعب العلمانية .ماهي مشاريعهم عري و فسق و فجور ” ، و هكذا اصبح التطرف جوهر الممارسة السياسية في تونس و خاصة الاطراف التي تسعى لتقديم مشاريع مجتمعية تقوم على الشرع و الخلافة و تغلب الشان الديني على السياسي و بذلك يقع توليد العدوان في السلوكات بين الاعوان ” و على المستوى اللا نفعالي يتسم المتطرف بشدة الانفعال و التطرف فالكراهية مطلقة و عنيفة للمخالف او للمعارض في الراي . و الحب الذي يصل الى حد التقديس و الطاعة العمياء لرموز هذا الراي . و الغضب ينفجر عاينا عند اي اشارة . و على المستوى السلوكي تتسم الشخصية الاندفاعية و العدوانية و الميل الى العنف “.
1- واقع العنف الرمزي في المجال السياسي:
مثلت الساحة السياسية التونسية بمختلف فاعليها وأفكارهم مجال قابل للتبادل والتفاعل وإنتاج علاقات سليمة وتعددية تكفل اللإنتقال الديمقراطي. وتحقق المطالب والحاجيات الإجتماعية, وتبدو عملية التحول من مرحلة استبدادية الى مرحلة تنعم بالحرية مليئة بالصراعات والإختلافات الصارخة ،فتولد العنف والعدوانية تريد بها أطراف معينة ضمان إستمراريتها في السلطة ،والحصول على مواقع ومراكز القوة في فضاء اشتغالها. ويعتبر التنوع الهام للقائمين على حقل الفعل السياسي لسبب واضح في تغيير الممارسات عامة والسلوكات خاصة ومنها ما انعكس ايجابيا بكتابة الدستور واقامة انتخابات وحماية الحريات وخاصة حرية المعتقد والتفكير ولكن في جانب آخر عكس الأحداث المتتالية من إغتيالات وعنف متجدد وإرهاب إنتشر في أنحاء عديدة من البلاد على غرار الشعانبي, قبلاط, القصرين, سليانة, الكاف, بنزرت والعديد من المناطق الأخرى. ظهور خلافات وخصومات سياسية قائمة بين الفاعلين وأنها عدوانبة ،وعدم قبول الرأي المخالف ورفض التعايش معه في فضاء مشترك.
كما ساهمت في تنامي دور تيارات دينية وسياسية داخلية تزيدان أنّ تثبت فاعليتها وتنتج ممارسات خاصة بمشروع إيديولوجيا وسياسي شعاره الأبرز إقامة شرع الله ويعود بذلك إمتزاج الدين بالسياسة والبحث عن الشرعية والتفويض باسم الشريعة وهو ما تسعى له أطراف سياسية و”معظمهم من التيارات الإسلامية، نظروا بغير قليل من الريبة الى الشعارات المدنية والمطالب العلمانية للقوى الشبابية, وثم لم يلبثوا ان انتقلوا سريعا من الاستخدام الاستهلاكي العام لمقولة “الدولة المدنية” مجاراة للعلمانين وللشباب, وطمانة لهم الى التشيد على مرجعية الشريعة في التشريع”P134 (الثورة في الانتقال الديمقراطي).
فأغلب هذه الحركات تستقي أفكارها ورأسمالها السياسي من الإسلام عامة والشريعة خاصة وذلك مكنها من إعادة إنتاج تطبع يضمن لها الإتصال المباشر بالجماهير وركزت على الجانب الدعوي والخطاب وإستغلال الرموز الدينية كالمسجد والإيمان لتثبت تفوقها برأسمال ديني يميزها عن باقي التيارات الفاعلة في المجال السياسي و”الحقول هي اسواق لرؤوس اموال خاصة”…..وفيها يعقد ويعمل الفاعلون وفقا،بواسطة ولمواردهم الخاصة من مجموعات متنوعة من رأسمال.”P22 (Dictionnaire B
وسعت هذه التيارات جاهدا لتبرز قدرتها على احتكار نوع خاص من السلطة والدين والشريعة ومنه توجيه الجماهير بالتاثير على ادراكاتهم وايمانهم الخاص. وتعمل كذلك على استثمار صفات ربانية وسحرية تخص علمائها وقيادتها وشيوخها واعم من ذلك من هم قادرين على اعادة انتاج نموذجها على المستوى الجتماعي والسياسي والثقافي “مثل نظرية السحر, نظرية العنف الرمزي, تقع على نظرية الايمان. او افضل على نظرية انتاج الايمان, وعمل التنشئة الاجتماعية.” وبين السحر والعنف الرمزي كان لهذه التيارات الطامعة في السلطة فترة على انتاج فاعلين خاصين بافكارها ومشاريعها ويمنحونها حق التفويض لتنوبهم وتمثلهم في مجال الفعل.
التيارات الدينية كان لها دور فعال في بلورة السلطة السياسية والتدخل في الشان العام واصبحت قادرة وفاعلة بانتاجها لنماذج ايديولوجية تمكنها من ارساء احزاب وحركات سياسية تريد بها الوصول الى السلطة.
وفي تونس خاصة ومنذ ثورة 14 جانفي كان ميدان الفعل السياسي مفتوحا امام الحركات الاسلامية لتتسع جميع المجالات ” ووفق هذا المنظور اعتبر ان استشار الجماعات الاسلامية المعاصرة بمثابة نوع من رد الفعل على اخفات البنية السياسية في بناء نظام عام يحظى بالشرعية.”P317(الدولة والقوى الاجتماعية).
ويعتبر صعود الحركات الاسلامية لقضاء الفعل هو تاكيد منها انها قادرة على منافسة باقي الاحزاب والحركات السياسية التي تكون حسب تقديرها غير مؤهلة لانقاذ المجتمع من ازماته أو أن المشاريع المطروحة لا تخدم مختلف الطبقات الاجتماعية وخاصة “المتدينة” فتسعى تارة الى اسلمة المجتمع و ترنو الى فرض الهيمنة الكلية على تدين الجماهير والسلطة.”واصبح الاسلام وحده هو الحل الاصيل لمصالحة هذه المشاكلات.”
وتسعى العديد من الاطراف لاعتماد الدين كاداة فعالة للاستحواذ على الفضاء السياسي المجتمعي والسياسي على حد السواء ومنه امتلاك الحاجات الرمزية الضرورية ورؤوس الاموال الخاصة ومواردهم التي تمكنهم من عولمة مبادئهم واعادة انتاج الاسلام وفق مشروع سياسي يراد بها انتاج تطبوعات لدى فاعليها ومنه تدعم قوتها الرمزية وتثبتها:”ضمن تشكيلة اجتماعية معينة, يكون للمقرارت المادية أوالرمزية الايجابية الايجابية والسلبية المسندة قانونيا او غير التربوي. ويكون لها مزيد من الحظوظ في ان يعترف بشرعيتها اي ان قوتها الرمزي تكون اعظم… بقدر ما تنطبق على جماعات أو طبقات تجد في اطارها فرضا لتثبيتها والتأكيد عليها”.P30 (العنف الرمزي).
كما يشهد الواقع السياسي التونسي بروز حركات دينية أكثر اصرار على تطبيق برامجها ومشاريعها وشعارها الشريعة الاسلامية, واقامة حكومة اسلامية, واقرار “مؤسسة الخلافة ” وهذا بدوره ما انعكس على قضاء الفعل لدى القائمين على الحقل السياسي مما جعل جميع القوى الفاعلة في مواجهة غير معتادة تحمل تقسيم للعديد من الفاعلين “اسلاميين” و”علمانيين” وكل يدافع عن رؤوس امواله الخاصة,أو يدفع بخطاب يعبر به عن نموذجه الذي يراه أصلح للشأن العام, فانتهجت بعض الأطراف العنف واعادة انتاجه, التمكن من احتكار نوع خاص من السلطة والشرعية:”وترى الجماعات المتطرفة ان الصراع من أجل الاطاحة بالحكومات الفاسدة وغير الشرعية” يعتبر واجبا دينيا, ويرى البعض ان العنف هنا أداة مشروعة من وجهة نظر الضعيف والمضطهد”.
✓ العنف باسم الدين :
يعتبر الدين ركيزة اساسية في حياة جميع الشعوب و يلعب دور هام في تحديد السياسات و خاصة ان وقع توظيفه و اعادة انتاجه ضمن استراتيجيات تغذي بها اطراف قوتها و نفوذها و منها تبسط هيمنتها على المجتمع عامة . و مثل الدين راسمال يساعد العديد من الفاعلييين و خاصة السياسين من خدمة مشاريعهم و بلورة افكارهم و تعبئة راسمال اجتماعي يساعدهم بدوره على اقامة الفرض الرمزي الملائم ليتمكنوا من امتلاك الشان العام و استبطان الديني لخدمة المصالح و الغايات الايديولوجية ” ان انسحاب الديني من الثقافة ظاهرة جوهرية لتطور الديني في الحقبة المعاصرة . و هي نتيجة للعولمة ووسيلة لها في ان و تفسر جيدا نجاح الاشكال الوصولية للديني “.
و في تونس يعد الدين مصدر العديد من الحركات السياسية الفاعلة في المجال و تقوم بانتقاء الحاجيات الرمزية لتساعدها في عملية التعبئة و التنشئة “لقد حلت السياسة محل الدين ، و لكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية بمعنى اخر اصبحت السياسة دينا معلمنا و كما في الدين فقد اصبح البشر عبيد ا لتصوراتهم الخاصة بالذات “.
وفي اطار التنافس الذي تعيشه الحركات الدينية و السياسية من اجل امتلاك السلطة و الحول على الشرعية تسعى لتوظيف الوازع الديني و العقائدي للاثر الذي يرسخه بالمتقبلين ” و كلنا نعلم مدى تعصب العقائد الدينية و مدى الهيمنة الاتبدادية التي تمارسها على النفوس”.
و يرى القائمين بالفعل لدى التيارات الاسلامية ان اعتماد العنف مشروع في ظل ما يتقاطع مع افكارهم و تصوراتهم المستشرفة لادارة المجتمع و السلطة ” عنف عند طائفة عدد مبرر عندي راسمالي ديني وقت يتعدا على ديني …..الدين يسمحلي ان نمارس العنف وقت يقع الاعتداء على المقدسات “.
ووقع تطويع الدين لاعتماد العنف و منه لاحتكار” العنف الرمزي المشروع ” لتدعمه بسند ديني لممارسته و شرعنته بهدف تحصيل راسمال رمزي يجعل من هذه الحركات القادرة على امتلاك التفويض الجماهيري ،فباسم الدين و الشرعية يبرر الاعتداء و الاقصاء من فضاء الفعل السياسي و منه عزل جميع الاطراف المخالفة في الراي و المنهج ” و من هنا نفهم ان نبحث( المرجعيات او مؤسسات) التي تطمع دون ان تستحوذ دفعه دفعه على السلطة التربوية ، اي ممارسة نفوذ يقوم على العنف الرمزي ( مروجون ،اعلانيون …) عن كفالة اجتماعية من خلال التطاول ،على المظاهر الخاصة بالممارسة الشرعية ،على بالكاهن ….”.
و اتجهت الاطراف الساعية لتسيس الدين و استغلاله لغايات سياسية خالصة ليقوم بالتاثير على الجماهير و استمالة مشاعرها و توظيف حماستها لفرض قوة رمزية على الاراء و المواقف و تغذي غريزة العنف لديهم و العدوان لان الفرض الرمزي الموجه للمتقبلين قادر على انتاج تطبعات خاصة به ” ما ان ينضم للجمهور حتى يصبح منفردا بغريزته و بالتالي همجيا …وهو عندئذ يتصف بعضويته الكائنات البدائية و عنفها ….و حماستها و بطولاتها ايضا “.
و ان العامل الديني يدعم الفعل السياسي و يؤسس له مقولات وهو ما يحصل بعض التيارات الاسلامية اكثر نفوذا من غيرها و تعمل على اعادة انتاج الدين لاستثمار راسمالها الخاص منه ” اذ لايمكن تشكيل فكرة عن السياسة و اقوال تداولية تعبر عن المكان العمومي الذي تتفاعل فيه التجارب البشرية “.
و العنف باسم الدين هو موقف وقع انتاجه في المجال السياسي و خاصة على مستوى الممارسة ، و بالتالي يتم توجيه العنف ضد الدولة و السلطات القائمة باعتبارها حكومات غير اسلامية و لا تستعيب مشاريع التيارات الاسلامية الفاعلة ” تصريح الخطيب الادريسي :” …..لكن الاختيار في شرع اللله ليس هناك اختيار في شرع لله ……و الامة كلها تقريبا لاتحكم بشرع اللله و حتى تونس ليس هناك احكام شرعية “.
و بعض الاطراف تعيد انتاج خطابها لتبرر اعتمادها للعنف انه شرعي لقيام افكارها و ارائها في الشان العام و الفعل السياسي خاصة ” ان احتكار الشرعية الثقافية المهيمنة هو دائما موضع تنافس بعض المرجعيات و العملاء “.
✓ الدين اداة للتحريض و التكفير:
يعتبر الدين اساس روحي و عملي لكل انسان فهو مرتبط بالقيم و المعتقدات و اسس الاخلاقيات السامية كما انه متصل بالفرد مجتمعه و من خلاله الممارسات و الافعال التي يقوم بها فهو غير منفصل عن التطبعات المختلفة التي يكتسبها خلال عملية التنمية الاجتماعية ، و خاصة عند قد عملية اعادة الانتاج الدين و الاستعدادات الموجودة لدى القائمين باعادة انتاجه . و الملاحظ في المجال السياسي التونس ان الدين وقع انتاجه وفق قوالب حزبية و فئوية ذات غايات سياسية ضيقة ” ان خاصية السلوك الديني انما تعتبر مجرد وظيفة يحددها الموقع الاجتماعي للطبقة التي تظهر وسطها كما لو كانت هذه الشريحة حاملة الميزة لهذه الوظيفة او انها لاتمثل على سبيل المثال ايديولوجيتها ، ا وان لاتكون الا “انعكاسا” لموقع هذه الشريحة من وجهة نظر تمثيلها للمصالح المادية و الفكرية “. وسعت الاحزاب الاسلامية لتوجيه الدين حسب مصالحها و افكارها كلنا اختلفت شعارات ؤلاء الاعوان تنوعت عمليات انتاج السلوك الديني حتى يتواف مع مصالح كل شعار باعتباران (المصالح المادية و الفكرية ) الافكار هي التي تتحكم بالسلوك الانساني. ”
ان استغلال الدين لغايات حزبية من اجل تحصيل مراكز سياسية و فرض هيمنة و سلطة في الفضاء المجتمعي و هو منهج اعتمدته العديد من الحركات الاسلامية في تونس و انها تعمد لتعزيو الفرض الرمزي الذي تمارسه عن طريق الايات القرانية التي تثبت بها وجاهة موقفها و صحة ارائها و قدرتها و نفوذها لتحقق اصطفاء حولها و يقع استخدام الدين كاداة عنف و تحويله نحو ضرب الخصوم و اقصاء المعارضين ” ان القوة الرمزية هي شكل للسلطة تمارس الاجساد مباشرة خارج كل اكراه جسدي كما يفعل السحر لكن ذلك السحر لايعمل الا اذا استند الى استعدادات مودعة ، كمحركات في اعمق اعماق الاجساد “.
و يقع تحريف المعاني الموضوعية للرموز الدينية فبدل ان يفهم الاسلام في اطار وقائعه و ان تعتمد ايات وفقا للوضعيات التي انزلت فيها تخرج عن سياقها التاريخي ليقوم الاعوان لدى التيارات الاسلامية باعادة انتاج سياق لاتاريخي يراد من خلالها السيطرة و الهيمنة على الفاعليين ” ان الافعال المعروفة و الاعترافات العلمية للحدود السحرية للمهيمنين و المهيمن عليهم التي يثيرها سحر السلطة الرمزية التي يساهم من خلالها المهيمن عليهم, من دون علمهم غالبا ،و ضد مشيئتهم احيانا ، في تمرير الهيمنة عليهم عبر قبولهم الضمني بالحدود المعروفة “.
ونضيف ان الاستعمالات و التوظيفات المفتعلة من طرف القائمين في بعض التيارات الدينية في تونس اثرت على الفعل لان الغاية سياسية و الوسيلة هي الدين وصولا الى التحريض و التكفير لباقي الفاعلين و المخالفين فيقع تقويض ايات التسامح و الرحمة و يعد انتاج نموذج ديني استبدادي يحقق العدالة و المساواة بين من يتقاسمون الدين كايديولوجيا و مشاريع و كل من يحمل شعار اخر كافر و واجب اقصائه ” تتخذ القيم و الشرائع الدينية نسبيتها و تفصل عن سياقها التاريخي الاجتماعي و تصبح في نظر المتشددين مطلقة و ازلية ،باعتبار ان مصادرها الالهة و ليس المجتمعالانساني ، و تؤدي المقولات القائمة على المفاهيم المطلقة و الازلية بالضرورة الى الانغلاق و الحرفية و التكفير و بالتالي عدم التسامح ، و تسويغ العقاب الشديد ” .
و يعتبر الدين اداة فعالة تستجب لها كل ارادات التعصب و التشدد و التي ترغب اساسا و اولا امتلاك السلطة و القوة ليؤدي ذلك الى واقع سياسي عدواني و شان عام يهيمن عليه الخوف و الرعب ” فيما قال ارسطوا ان الدين يرى ان الجماهير لايمكن السيطرة عليها عن طريق الاقناع بل عن طريق الرعب الغامض و المخاوف الماساوية . و ذكر مونتسكيو ان المشرعيين الرومان ارادوا ان يوحوا للشعب الذي لايخاف شيا بالخوف من الالهة ، و استخدموا هذا الخوف في توجيهه حيث ارادوا “.
تمكنت بعض التيارات السياسية ذات التوجهات و الشعارات الدينية من اثبات فاعليتها في فضاء اشتغالها الفاعليين و ذلك لارتكاز على اساس جوهري هو راسمال جماهيري هام لانها تدرك القوة و النفوذ و التويض الذي ياتي من انخراط الجمهور في الفعل و خاصة الطبقات الاجتماعية المهمشة و الفقيرة في تونس و نخص بالذكر ” احداث التضامن مواجهات عنيفة بين عناصر السلفية و قوات الامن ” ،و هذه الحركات قادرة عل استيعاب السند الاجتماعي من طرف المهنيين و الطلبة و غيرهم مستغليين مشاعر السخط و الحرمان التي تعاني منها الفئات المهمشة في تونس ” ان الدعاية ذات اساس لا عقلاني يتمثل بالعقائد الايمانية الجماعية و لها اداة تتمثل بالتحريض من قريب او بعيد ( اي بالعدوى ) “، و نضيف ” ومن المعروف ان نشوء الحركات الدينية اقترن بالازمات الاقتصادية و السياسية ،و انكشاف فشل الطبقات الحاكمة ، كما حدث في اثر هزيمة الخامس من حيزان ….1967″.
✓ فاعلية الخيمات الدعوية :
مثلت الخيمات الدعوية التي اعتمدتها التيارات الاسلامية الفاعلة في المجال السياسي التونسي محرك اساسي لنجاحها في البروز كقوة رمزية في فضاء الفعل .و كان للحركات الاسلامية استعددات في الخطاب و الايديولوجيا تساعدها على انتاج تطبعات تعزز من نفوذها الرمزي لتمتلك حاجيات السلطة و الشرعية .
و ان هذه التيارات الاسلامية اتبعت استراتيجيات متنوعة ليتم الاعتراف بها و تمنح لها التفويض و منه فرض هيمنتها الكلية على المجال ” نمو تقسيم العمل في المجال الديني و التقسيم الطبقي :”من بين ما يؤدي اليه ، الى ان يسلب اولئك الذين ليسوا رجال دين ،ادوات الانتاج الرمزي “.
و تمثل الانتاجات الرمزية التي تفرزها هذه الاشكال من الدعوة الموجهة للجماهير حاجيات دينية ذات غايات سياسية تخدم بعض الاطراف لتعيد إيديولوجيتها و تعزيز رأسمالها الرمزي عامة و الثقافي و الاجتماعي خاصة “و تلبي الدعاوة حاجة الفرد عندما تكمل الحاجة الى التجمع هذه و نشعر من يخضع لها انه ينتمي الى رهط ،غير ان الرهط من جهة اخرى بعض المعتقدات و هذه المعتقدات نتيجة لحاجيات اعضائه ،هذه المعتقدات اما ان تكون عبارة عن ايدييولوجيا اساطير او احكاما ” .
و ستسعى الحركات الاسلامية لتعميم و ارساء دعوتها ظاهرا وفي مضمونها هي دعاية سياسية بحة يراد بها لاعتراف بها كطرف فاعل في ة الفضاء المجتمعي و السياسي و لها القدرة على التغيير و التعبئة . كما ان لهذه التيارات استعداد لابراز قوتها العددية في مثل هذه الخيمات من خلال الشعارات المرفوعة ، و الالبسة، و الهتفات و الخطب و تعمل هذه الاطراف على تعزيز لالاندماج بين مناصريها ” ابراز الرهط في نظر الفرد عن طريق الطقوس و المراسم ، و الرموز ، و الالبسة الرمزية الخ….و كلمات الامر ايضا ، و كلما كان النظام صارما كانت كلمات الامر ملحة شعر الفرد بشدة اندماجه للرهط “.
و داخل هذه التيارات لايكون الا منقادا بواجب ديني و الامتثال لامر لله و هو راسمال ثقافي تعمل الاطراف الفاعلة في التيارات الدينية المتنوعة باعادة انتاجه في عملية الدعوة التي تقوم بها ” تشجيع الفرد على العمل في سبيل الرهط و هذا عنصر هام جدا في الدعاوة اذ يعتنق المرء الحقيقة عن طريق العمل “.
و لم يقتصر المشهد التونسي على عمل دعوي يقوم به بعض الاعوان بال ان يعاد انتاجه في العديد من المناطق و باستقبال اطراف فاعلة في مجال الدعاوة ” اجوا استقبال محمد حسان بمطار قرطاج “و رفع اثره شعارات دينية و هتفات التكبير و نضيف ” كانت هذه الحركات كالاحتفالات الهمة عبارة عن وسائط دعاوة قوية جدا في خلق غليان الاهواء و بوجه خاص ما كان منها نمط عدواني (دافع المقاتلة) و ذلك يعرض الرموز المصورة ، و الافتات مع شعارات ،و الالبسة الرسمية ، و الرايات ، و الهتافات ز الاناشيد و الموسيقى”.
و لتيارات الاسلامية توجهات و طموحات سياسية اثبتتها الهتفات المتعالية لمناصريها و الاعوان القائمين بالفعل ضمنها و يرفعون شعار ” الشعب يريد تطبيق شر لله ” و نضيف ،”لان الدعوة في حقيقتها –دعوى سياسية تهدف الى الحكم و السلطة ، و السبيل الى الحكم و السلطة على مدى التاريخ – كان على الدوام – قتلا و سفك دماء و حروب و ارهاب ، اما السبيل الى الدين فهو على الدوام – الكلمة الحسنة و الجدال الهادئ و المثل الطيب و القدرة الصالحة “.
و لكن اتجه العمل الدعوي الى اعادة انتاج النزعة العدوانية من خلال الخطاب الموجه لبعض الفعليين السياسين ، الصحافيين ،النقابيين ، و غيرهم من القوى الفاعلة في المشهد التونسي عامة .فالعدوانية تماسست اولا في الاوساط السياسية من خلال تتالي عمليات التكفير و انتاج الياتها “” هو الرحوي معروف بعدائه للدين و كفر علماني… الدستور ليس فيه كلمة اسلام دين …”.و يتم كذلك اعادة انتاج التكفير و التحريض من طرف بعض الساسة “انما جزءا الذين الذين يحاربوا الله و رسوله . و يسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا و تقطع ايدهم و ارجلهم من خلاب ا وان ينفوا من الارض “، ومن هنا فان العنف الرمزي كان له وقع و اثر في الواقع التونسي خاصة انه اصبح سمة اساسية للممارسة ” ان ممارسة العنف الرمزي من خلال التشكيك في ايمان المواطن او من خلال تكفيره يمهد الطريققق موضوعيا لممارسة العنف المادي اما في شكل اقامة الحدود او في شكل تصفية جسدية “.
و التحريض بالقتل لم تستثمره التيارات الاسلامية ضد العدو الغربي حسب افكارهم التي يقدمونها و مع ذلك انتج واقع قائم في المجتمع التونسي و يقع توجيههه ضد الخالفيين في الاراء.
✓ استغلال المساجد :
شهد الواقع التونسي اليات ووسائل دعائية متعددة ليعبر الفاعلين عن قدرتهم على المشاركة في الفضاء السياسي و الشان العام .فوقع اعتماد الشوارع و المقارات الحزبية و الفضاءات و الاماكن العامة ،لتقوم بعملية التعبئة الجماهيرية و يسعى كل طرف سياسي لابراز نمذج ثقافي مخصوص يكون قادرا على انتاج تطبعات خاصة “حيث ان نجاح اي نشاط تربوي يبقى مرهونا بدرجة اعتراف المرل اليهم بسلطة المرجعية التربوية و بدرجة تحكمهم بالرموز الثقافية ، او الاتصال التربوي ، فان نجاح اي نشاط تربوي محدد ضمن تشكلة تربوية محددة …..”.
و اتجهت اطراف سياسية اخرى لاعتماد الرموز الدينية كاامساجد من خلال الخطب و المنابر التي تسعى لتسيس الدين و القيام بدور الوصاية على ايمان و افعال العباد . و يمثل المسجد مركز لانتاج الحاجيات الرمزية الضرورية للحركات الاسلامية و منه تستمد نفوذها و قوتها في مجال الفعل ” يعد المسجد من اهم وسائل الدعاية السياسية التي احسن استخدامها سواءا من قبل الامويين او خصومهم . وجاءت الوظيفة الدعائية للمسجد امتداد للدور السياسي الذي اضطلع به المسجد في حياة المسلمين ،حيث كان مقر للحكومة الاسلامية و مقر لادارة شؤن الدولة الاسلامية “.
و في الواقع التونسي وقع استغلال سياسي واسع لاماكن و المقدسات الدينية حسب توجهات التيارات الاسلامية و انها تنزع الى انتاج المعرفة و ان تتحكم في انتاجها و توزيعها مصرة على الغاء باقي الاطراف باعتبار ان المساجد لا تقتصرعلى انها اماكن عبادة بل افضل من ذلك اصبحت تحتوي خطاب ديني موجه ، اضافة الى لقاءات دعوية ،لان المسجد مؤسسة تعليمية بامتياز تهدف بعض الاطراف من خلال استغلاله الى اعادة انتاج نظام تربوي مؤسسي مخصوص “عندما يحولون علاة الاتصال التربوية الى لقاء اصطفائي بين المعلم و “التلميذ “اي عندما يتجاهلون في سياق ممارستهم المهنية او ينكرون من خلال خطابهم ، ما لهذه الممارسة من قيود او شروط موضوعية ، الى التصرف موضوعيا كما يقول لفيبر ، و كانهم صغار مستاجرون من بل الدولة تميز علاقة الاتصال التي يعدها الفاعلون ( او المرجعيات ) الذي يمارسون نفوذا يقوم على العنف الرمزي بغياب اية سلطة ( صلاحية ) مسبقةو مستمرة ،و يضطرون تبعا لذلك الى انتزاع و اعادة انتزاع اعتراف المجتمع بهم “.
وسعى بعض الفاعليين السياسين لابراز فاعليتهم في الفضاء من خلال تحويل بعض المساجد الى سلطتها الخاصة و بذلك تحتكر النوع الخاص من الفرض الرمزي الذي تمارسه على الجماهير ، و لم يقتصر الشان الديني في تونس على اعلام و شيوخ بل لاحلال دعاة اخارين في اطار ندوات فكرية و دينية ووفع استغلال يوم الجمعة باعتبار ان الجماهير تتوجه باعداد هامة و منها تستغل هذه الاكثرية لاعادة انتاج المعرفة الخاصة بالتيارات الاسلامية لفرض انتاجاتها الرمزية و في احدى الخطب ” الاعتصام بالاه هو سبيل النجاة …..اعلم ان تونس كمصر و غيرها تمر بازمة ….. اقدم مخرجا شرعيا لاسياسيا ….الاعتصام بالله ….لا عز لتونس الا بلاسلام و لا كرامة لامة كلها الا بالاسلام …..القران دستورنا ….” .
لم يقتصر الخطاب و المنطوقات الواردة في الخطب على الوعظ و الوعيظ ،ذلك ان الجانب الدعوي ايجابي في حد ذاته ،لكن ما قد يخفيه المتحدث من استراتيجيات مختلفة قد تنحرف بحقيقة الدعوة و الفضاء الذي تشتغل فيه و افضل من ذلك، الغايات التي يسعى الى خدمتها من خلال استثماره للتفويض الذي تمنحه له الجماهير المتبلة لمضمون دعوته “يمنح للمتحدث مجمل القوة للتحدث و العمل باسم المجموعة و اولا على الجماعة بفعل السحر و كلمة السر ،يتم استبدال للجماعة التي وجدت فقط من خلال التفويض”.
و عكس حقل التنافس بين مختلف القوى الفاعلة في المشهد باختلافها دينية و سياسي صراع حول امتلاك شرعية الخطاب و تمثيل الجماهير الواسعة من خلال القيام بعمليات احتكار و تجيش لاعوان الاجتماعيين في مختلف الفضاءات ،و ما نلاحظه ان عدد المساجد في تونس تطور من 167 الى 187 مسجد و ذلك في تصريح لمدير ديوان وزارة الشؤن الدينية “عبد الستار بدر” ان 187 مسجد (بنيت بطريقة فوضوية بعد 14 جانفي) خارج سيطرة وزارة الشؤن الدينية “…..و من بينها 40 مسجدا بسيدي علي بن عون مؤكدا ان طريقة بناء هذه المساجد كانت فوضوية و دون ترخيص من سلطة الاشراف مؤكدا ان بعض الائمة الذين تمت تنحيتهم بسبب خطبهم المتشددة تحولوا الى هذه الجواع لنشر ارائهم و افكارهم المتطرفة ….”.
و ان غياب دور الدولة و السلطة عامة في تنظيم المؤسسات و المجتمع و التركيز على المصالح و الطموحات الفئوية و الحزبية ادى الى توظيف المساجد في العمل السياسي و انحرف لابالفعل الدعوي نحو اتجاه لتوليد العنف و اعادة انتاجه في الفضاءات العامة ليؤثر بدوره على الجماهير التونسية و ليبقى الفرد ” عبد التحريضات التي يتلقها ” و نضيف ” ان الانفعالات التحريضية المختلفة التي تخضع لها الجماهير يمكنها ان تكون كريمة او مجرمة ،بطولية او جبانة …..و لكنها سوف تكون دائما قوية و مهيمنة على نفوس الجماهير الى درجة ان غريزة حب البقاء نفسها تزول امامها “.
2- واقع العنف المادي :
لم يكن للعنف الرمزي القائم في حقل الفعل السياسي الا انتاج تطبعات عنيفة و يعتبر المشهد العام في تونس متجه نحو العدوانية و التطرف في مختلف الحقول ” فهكذا تقاس مثلا سطوة الديني بدرجة توليد التطبعات الذي ينتجه نشاط المراجع التربوية المرتيطة به ،لممارسات تتطابق مع مبادئ النموذج التعسفي المرسخ في نطاق اوسع ذلك الذي تهيمن عليه صراحة العقيدة مثل السلوك الاقتصادي و الخيارات السياسية “.
و اتجهت سياسات بعض التيارات الدينية نحو العنف و التطرف في السلوك و الممارسة و ان الفاعلين في هذه الحركات ثابتين على ارائهم و مواقفهم و يلجون للنزعة العدوانية و اعادة انتاجها ليستمروا في عملية الفرض الرمزي في الفضاء الجتمعي و السياسي التونسي “اصبحت العدوانية اليومية نصيبا يوميا لكل فرد . نسير تدريجيا نحو التفكك بمعناه السوسيولوجي .و د بدا للبعض ان العودة للدين هي المنققذ من العدوانية .لكن دعاة العودة للدين لهم منطلقات عدوانية و اساليب عدوانية .ان الدين تحول الى عدوان لانه مراة للعدوان العام الذي يسود العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ، من هنا يبدو جليا ان الدين ليس فوق التاريخ و المجتمع ،بل هو طرف في الصراع من خلال القوى التي تشوهه و تستغله من اجل اشباع ارادتها في القوة و السلطة “.
✓ الاعتداءات و حرق الاضرحة:
تطور المشهد العام في تونس ليصبح حاملا الى صور عنف و اعتداءات متنوعة شملت العديد من المناطق و تتالت عمليات حرق ” تواصل عمليات الحرق و الاعتداء ضد الاضرحة …..34 ضريح للحرق و الهدم …..كذلك القبور ….قبر الحبيب بورقيبة …..النقابي فرحات حشاد….الطاهر الحداد “.و عكست هذه الاحداث في جانب منها الوازع العدواني الذي تتسم به السلوكات الانسانية في تونس عامة كما تحيل في مضمونها ان هناك اطراف فاعلة تريد احتكار النوع الخاص القوة و العنف لتتقاسمه مع السلطة القائمة لان الدولة المسؤل الاول و الشرعي عن العنف كالية تنظيم اجتماعي لاعوان لكن صعود اطراف اخرى ساعية لامتلاكه هو في حد ذاته تطرف ” ما من سلطة الا و تقوم على عنف منظم ،فالدولة تسوس المجتمع بالاعتماد اساسا على اجهزتها القمعية مثل الشرطة، الجيش ، القضاء، كما تستعين اجهزتها الايديولوجية ايضا مثل المسجد و المدرسة و الحزب السياسي … وما يجعل عنف الدولة منظما و مشروعا كونه يتاسس مبدئيا على عقد اجتماعي ن توافق ادنى “.
كما ان واقع المشهد العدواني في تونس يدل عاى وجود فاعليين ينتقون افكارهم من مصادر متطرفة في حد ذاتها و تسعى لنشر العنف و امتلاك السلطة لتجعل من ارائها انتاجات ذات فاعلية عل المتقبلين و بالتالي لتؤثر فيهم و تولد لديهم استعددات عدوانية و دائمة و من اهم منابع التي ينتقي منها المتطرف سلوكه ” حرم ابن تيمية زيارة الاولياء و زيارة القبور مدينا كل اشكال الشفاعات و مساويا بينها و بين ما تبقى من العادات الوثنية المكروهة التي تستحق قطع الدابر”.
ومع حضور الجانب الدعوي و الخطاب التحريضي الذي يعاد انتاجه ثم يتحول الى واقع مادي يعززه الوازع العدواني و الغريزة الوحشية ” فما دامت الحاجة الى الوازع انما تفرضها الطبيعة العدوانية التي في البشر ، و العوان يعتمد دوما على القوة و الغلبة .فان الوازع الذي يراد به دفع هذا العوان لابد ان يكون هو الكفر قوة غالبة و يدا قاهرة “.
✓ الاغتيالات :
يعتبر العنف الرمزي الية فعالة لاطراف الساعية لامتلاك السلطة و اعادة توزيعها وفقا لمصالحها الخاصة . و المشهد يتجه في تونس في جانب منه الى منحى اصولي باعتبار ان الحركات الاسلامية تولد العنف و العدوان فتعمل على التصعيد في الاعتداءات نحو الاغتيالات المنظمة ضد الخصوم و المخلفيين في الراي ” ان الاصولية بكل تعبيراتها التنظيمية ارهاب بالضرورة لانها استعمال مندمج للعنف الرمزي و المادي في فرض نموذج معين للدولة الاسلامية . و يمكن ان نرى الاصولية امتداد عصري للخوارج الاسماعلية ، و من حيث لاانها تلتقي معها في استعمال العتف من اجل اقامة الدولة الدينية قصد اخضاع الحكم للسلطة الدينية “.
كان العمل الدعوي شان هام في دفع الفاعلين نحو العنف و منه الاغتيالات ان التدرج في ارتكاب العدوان متكرر. وكانت اعمال التحريض مفتعلة و قادرة على انتاج سلوكات عدوانية تصل للتصفية و القتل و هذا متجذر في ذهنية المسلمين باختلاف مذاهبهم ذلك ان ” “ثلاثة من الخلفاء الراشدين د قضوا اغتيالا”.
و كانت بعض الاطراف المشاركة في فعل التيارات الاسلامية لها القدرة في توجيه الجماهير و استمالتها و ان لها استعددات لاستيعاب راسمال اجتماعي يخدم غاياتها و يكون فاعل في تنظيماتها و يستبطن رموزها و انشطتها و تعمل هي بدورها على ترسيخ نماذجها الخاصة في هؤلاء المتقبليين و تنتج تطبعات مستمرة لتحافظ بها على نفوذها و فرض قوتها على الفاعلين ” النشاط التربوي _عملا تربويا ….و عمل ترسيخي ،لامن ان يدوم بما يكفي لاحداث تاصيل يتصف بالدوام ، اي انتاج تطبع تربوي habitus من خلال استبطان المبادئ التي ترسي تعسفا تربويا قادرا على استمرار بعد ان يتوقف النشاط التربوي .وتبعا لذلك ادامة مبادئ التعسف المستبطن في سياقات الممارسة التربوية “.
و نضيف ان الترسيخات التي تعمل التيارات الاسلامية لاستثمارها ترتكز اساسا على اثارة الجماهير و التاثير في افعالها تجاه غيرها “فان حسن المبالغة و التظخيم لدى الجماهير يرتكز غالبا على العواطف الشريرة التي تمثل بقايا وراثية عن الاتسان البدائي .ومن المعروف ان الخوف من العقوبة يجبر دالانسان الفرد المسؤل على قمع هذه العواطف ، و هكذا يمكننا تفسير السبب في استسلام الجماهير لابشع انواع الممارسات و اكثرها تطرفا”.
و تنوعت عمليات الاغتيال في الواقع التونسي فشملت جميع الاطراف ضد الصحافيين ” اضرب اعداء الاعلام اضرب هؤلاء المفسدين ،ضد خصم سياسي الموت للسبسي ،نطالب براس نجيب الشابي و امثالهم ..رؤسهم مطلوبة في جرجيس.”كما وجه القتل و التخريب ضد المؤسسات الدولة و الامن و الجيش ومن خلال الهتفات :” خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود”، و التيارات الدينية و منها الاسلامية تستهدف السلطة لاعادة هيكلتها حسب تنظيمتها الخاصة و نصرة رايتها و شعاراتها الحاملة لطموحاتها الحزبية الضيقة :”و لله العظيم سيرفرف علم “لاالله الا الله محمد رسول لله ” فوق” وزارة الداخلية “.
ان التشكيك في ايمان و اسلام الفاعليين السياسيين و الاجتماعيين على حد السواء و استغلال الدين لتحقيق غايات حزبية يولد تبادلات و ممارسات عدوانية تنحرف بالمبدا الاساسي للفعل الحر في الفضاء السياسي “تاويل الاسلام كادارة قوة باسم الشريعة فهو الذي يجعل منه رهانا في حد ذاته اسلمة المجتمع بالعنف المادي و الرمزي”.

3- العنف و الارهاب في سياق العدوانية و التطرف:
ان مايجعل من ظاهرة الارهاب هامة في تونس اليوم ليس فقط المعطيات الميدانية و الوقائع الحسية القائمة بل نضيف اى ذلك اشكاله الضمنية و العميقة التي يتخذها . و هناك اطراف تقوم بهيكلتها في تنظيمات و مؤسسات و ذلك بتوليد ممارسات عنيفة و عدوانية و متطرفة و هذه العناصر التكوينية لاتنفصل عن الفعل الارهابي لانها تتكامل معه وظيفيا ” فاذا كان الارهاب هو بشكل من اشكال ممارسة العنف في اقصى تجلياته سواء كان ماديا او رمزيا ،فان التطرف هو تجسيد للحالة العدوانية في اقصى مستوياتها ،و اذا كانت العدوانية هي الاطار المرجعي على المستوى الذهني و السلوكي الذي يدفع الفرد او المجموعة الى ممارسة العنف فان التطرف هو الاطار المرجعي بنفس القدر و الوظيفة باانسبة لمن يمارس الارهاب “.
و مع ظهور النزعة العدوانية و الرغبة في افناء الاخر و خاصة هياكل و مؤسسات الدولة و المجتمع الفاعلة في الحياة السياسية بحيث يسهم كل فعل عدواني باقصاء الخصوم و ينعكس ذلك على الاوساط الاجتماعية لتصبح سمة اساسية لعلاقات التفاعل بين الافراد و المجموعات ” ان وجود هذا الميل للعدوان الذي نستطيع ان نلمسه في اتفسنا و بالتالي نستطيع التاكد من وجوده لدى الاخارين هو العامل الذي يفسد علاقاتنا بمن يجاورنا و يجبر المدنية القيام باستهلاك جهد كبير .و بنتيجة العدوانية البدائية للبشر ، يتهدد المجتمع المتحضر باستمرار بالفناء”.
و بوجود خطاب سياسي يتبنى الدين كمرجعية خاصة تقتصر على اطراف دون غيرها انتج بدوره ممارسات متطرفة تقسم الفاعلين في المجتمع التونسي .فالعدوانية لا تعتبر مجرد نزعة انسانية في اطار صراع سياسي و اجتماعي يروم به طرف السيطرة على طرف اخر و اخضاعه لأوامره بل أفضل من ذلك تصبح تطرفا و مواقف متشددة لألغاء الاخر سياسيا او اجتماعيا او دينيا “فان التطرف هو الاطار المرجعي للارهاب الذي يمثل بدوره ترجمة حسية و عدوانية للموقف المتطرف”.
ان عملية التغيير التي تشهدها تونس على المستوى السياسي و الاجتماعي على غاية الأهمية احدثت اولا تحول على مستوى الخارطة الحزبية و بروز فاعلين قادرين على انجاح العملية الانتقالية و ترسيخ مبدا التداول على السلطة ، لكن انتج ذلك استعدادات ضمنية ساهمت في توليد ممارسات عدوانية و متشددة في نسق التفاعل بينهم ،و اما التغير على المستوى اللاجتماعي برزت جماعات هجينة تتبنى ايديولوجيا و افكار تتقاطع مع الابستمية الثقافية للمجتمع التونسي وهو ماعمق ازمة التغيير لتصبح عملية تقسيم تفكيك للبناء الاجتماعي و عدم تجانس داخله ليؤثر بدوره على العلاقات بين الجماعات ” ولايمكن فهم التفاعل الاجتماعي دون اخذ نسقي “الثقافة و الشخصية ” بالاعتبار. اذ لايمكن الفصل بين المجتمع و الثقافة و الشخصية ………..،اما في الواقع العملي فالنسق الاجتماعي يتداخل مع النسق الثقافي.”
(IIاسباب التطرف:
يعتبر الواقع التونسي الذي انتجته مختلف التفاعلات السياسية و الاجتماعية بين الاعوان القائمين على مختلف الفضاءات و حقول الفعل اساس لاغلب الممارسات القائمة في اليدان عامة .وتعتبر التبادلات في فضاء الفعل متارجحة بين احاث التغييرات وتحويل المشهد نحو اتجاه ديمقراطي تعددي و سلمي يضمن مشاركة جميع القوى الفاعلة لكن من الملاحظ ان العدوانية و التطرف ميزت جانب اخر من الافعال في الشان العام .و ساهمت العديد من الاطراف الساعية لاحتكار السلطة السياسية و الشرعية على حد السواء من توفير الظروف و العوامل الملائمة لظهور فكر المتطرف و لتطوره ليصبح سمة من سمات الفعل .
وان صعود تيارات وحركات سياسية ذات مرجعية دينية و تعتبر الشريعة دستورا و اساس السلطة المستشرفة و تعمد بدورها لتقويض المؤسسات المدنية القائمة له اثر على الفعل و الممارسة عامة وان بعض الاطراف اصبحت تبحث عن الاعتراف بها اوتقوم بانتزاع ذلك من الدولة و المجتمع و هو مايولد افعال اصولية و متطرفة “انه ارهاب بعض الحركات الاجتماعية الاسلامية التي لم تتماسس بعد ،اي التي لم تحصل على الشرعية او التي تبحث عن الاعتراف بها من منظور الشرعية القائمة المتمردة الثورية هي التي تمارس الارهاب ،او باسم فهمها البسيط الاسلام.”
2- بروز العنف السلفي الديني :
يعتبر صعود التيارات الاسلامية للمشهد السياسي و الاجتماعي مكسب حققته حرية الاختلاف و قبول اراي الاخر ،و تشارك في الفضاء العام مع باقي الفاعليين .و تسعى هذه الاطراف للفعل في المجال العام و تعبر عن اشتغالها لتحقيق مصالح العباد و الدين في البلاد ” و خير مثال الحركات السياسية الدينية في البلدان العربية و البلدان الاسلامية المجاورة هو الاخوان المسلمون و الحركة الخمينية ،كجبهة الانقاذ في الجزائر ،النهضة في تونس ،و الجماعة الاسلامية و الجهاد الاسلامي في مصر …”، و نضيف ان هناك تيارا ت منتمية لاتجاه السلفي و تعاظم دورها و هو ما انعكس على تطور الحركات الاسلامية في تونس “هو الصحوة الاسلامية منذ الربع الاخير من ق 19،حين تمثلت بالحركة الفكرية التي قادها جمال الدين الافغاني و محمد عبده و رشيد رضا و عبد الرحمن كواكبي ….”
وكان الاطار العام التونسي النتسم بالتنوع و التعدد قابل لبروز التيارات الدينية لكن هذه الاطراف الفاعلة منطلقات ضاربة في القدم و هي تعيد انتاج نماذجها الخاصة انطلاقا منها “ان لفظ السلفية اكتسب دلالة اصطلاحية مذهبية مع ابن تيمية 661 /728 هجري و تلميذه ابن القيم 751 هجري و قد عاب ابن تيمية على المسلمين في عصره جملة من السلوكات التي عدها انحراف عن منهج السلف الصالح ….كالتوسل لاولياء الصالحين و التمسح على القبور “.
و تسعى السلفية لاثبات قدرتها الرمزية و فرض نفوذها السحري على الجماهير و هي ربدورها تنحدر من حركة سياسية تستمد منها ايديولوجيتها و افكارها و تعمل على دعمها ماديا و معنويا في مجال الفعل التونسي ” وتعتبر الحركة الوهابية النسبة الى “محمد بن عبد الوهاب 1703/1792م” الترجمة السياسية للعقيدة السلفية على ارض الحجاز. ”
وليس بالجديد على الواقع التونسي ان يكون الطرف السلفي حاضرا و يدعو باقي الاطراف و القوى الفاعلة لاعتبارها فاعل اساسي في المشهد و ان اتباعها امر شرعي و لا يجب تجاهله و ابرز مثال على ذلك ” الرسالة الوهابية التي ارسلها محمد عبد الوهاب الى اهل تونس سنة 1803م يدعوها فيها الى العقيدة السلفية ب”الحجة و البيان ومن لم يجبها دعونا بالسيف و السنان….”.
و تعتبر السمة الاساسية لهذه التيارات هو الاستمرارية في انتاج نماذجها مستغلة في ذلك الاسلام لخدمة مصالحها الفئوية و الحزبية لتضفي به الشرعية على افعالها و تحصل التفويض من طرف الاعوان الذين يتقبلون مختلف الانتاجات الرمزية الموجهة لهم “اذن يتجه العمل التربوي في جميع الاحوال ،من حيث انه يؤمن استمرار مفاعيل العنف الرمزي الى انتاج استعداد دائم ….لانتاج الاستجابة الصحيحة ….على ما تبثه المراجع المزودة بالصلاحية التربوية من ميراث رمزية ،وهذه الصلاحية التي تجعل العمل التربوي المنتج للتطبع التربوي ممكنا “.
و انتج المشهد الجديد تيرات دينية ذات توجه سلفي جهادي و اخرى سلفي علمي و كل واحدة تسعى بدورها لفرض نفوذها و سلطتها في مجال الفعل و القرار في الفضاء السياسي رغم انها تشترك في الجذور الفكرية التي تغذي ايديولوجيا كل واحدة منها ” ثم عرفت المنطقة العربية تيارا سلفيا معاصرا امتداد السلفية الوهابية الام ولكن شهد التمايز عنها يمينا او شمالا ،و افضى الى تيارين هما السلفية العلمية و السلفية الجهادية”.
و تدعو السلفية باتجاهاتها المتنوعة الى مشروع سياسي مختلف عن ما تقدمه غيرها من الحركات الدينية فهي تحتكر النوع الخاص من راس المال الديني لترسي “حكومة اسلامية” وهي تقوم اساسا على مبدا الحاكمية لله وحده ،و ان البشر و قدرته عامة عاجزة عن ادارة شؤنه “ولقد رفع شعار “ان الحكم لله” في مجال خصومة سياسية و ينهج الساسة و اسلوب الطغاة ،اوهو يرفع في ذات المجال و بنفس المنهج و نفس الاسلوب ،كجدل سياسي و شعار حزبي و اسلوب للمعارضة و طريق الوصول للحكم”.
و يعتبرون ان الحكومات القائمة غير اسلامية وان محاربتها واجب بهدف احلال “شرع لله” و هذه الاطراف في تونس فاعلة و توجه خطابها الى غيرها من القوى السياسية مرددة “انصروها و لاتدعوها لئؤلئك الذين باعوا دينهم بالفرنك الفرنسي ….اصروا دين لله تبارك و تعالى”، وتصريح لاحد القياديين حول نوعية الحكومة التونسية “لا لا ليست حكومة اسلامية ….” ، و نضيف “يلح تيار السياسة الدينية (او تسيس الدين ) بكل فصائله –المتناحرة دوما و المتصارعة ابدا-على ضرورة اقامة الحكومة الاسلامية ،وهو اتهام صريح بان الحكومات القائمة غير اسلامية ،كما انه دعوة واضحة الى القلب نظام الحكم ،ولو بالعنف الذي يقتضيه الجهاد – كما تزعم بعض الفصائل ،او بالعنف الذي يوجبه تغيير المنكر _ كما تدعي فصائل اخرى”.
و كان التيار السلفي تاثير هام على الجماهير لاستمالتها و توجيهها و ان القدرة الفائقة لاستغلال الرمز الديني انتجت تطبعات خاصة لدى الفاعلين الاجتماعيين في الواقع التونسي لرفع شعارات اقامة “شرع لله” و غايتها سياسية بحة فيحة لان القائمين بالفعل في تيار تسيس الدين لهم استعددات تؤهلهم لتطويع ادراكات من منحوهم التفويض مصالحهم الخاصة “يهدف الى ضرب مشاعر الجماهير و استغلال العبارات الدينية في مقاصد سياسية غير شرعية ….يؤكد ان ثمة شعار بدا يرفع وهو ينادي بان هاما ، الشريعة و الا فاذنوا بحرب من لله.”
(3التدافع الاجتماعي:
تعتبر فكرة التدافع الاجتماعي ذات تاصيل ديني بالاساس ،وتولد تطبعات غير قائمة على التبادل و فبول الرأي المخالف ويبدو كانه قائم على التنافر و التضاد ،”المجتمع الاسلامي في اول امره كالمرجل يغلي فتنبعث منه الافكار الجديدة و الحركة الدّافعة .إن الإستقطاب الإجتماعي و الفكري لابدّ من ظهوره في مثل هذه الظروف ،وكلما إندفع قوم في جانب إندفع خصومهم نحو الجانب اللآخر ،ونحن لانستطيع ان نلقي اللوّم على قوم دون قوم فكلما حدث التجاذب و التنافر في عالم الكيمياء و الفيزياء يحدث كذلك في المجتمع “.
اتسع مجال الفعل السياسي في تونس ليشمل مختلف الحركات و التيارات الدينية التي” تتناغم انتقائيا مع اطروحة صاميا هنتنغتون حول الفوضى الخلاقة” دون اقصاء اي طرف .لكن بعض الاعوان اتجهوا نحو دفع افكارهم و ارائهم ،اكثر من غيرهم ،وكل فاعل يعزز موقعه في ميدان التنافس ليحصل راسماله من السلطة و السياسة .و العديد من التيارات الاسلامية و الاحزاب المختلفة استخدمت في صراعها على ابراز راسمالها الاجتماعي لتدعم به حضورها في المشهد و ركزت على دفع الجماهير مستغلة الوازع الديني ،او تعيد انتاج ايديولوجيتها وفقا للشعارات التي اعتمدها الفاعلين لكسر حواجز الصمت و القمع المفروضة ،” اننا نجد ان نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التي لايستطيع ان يهددا اي شيء ،وهي القوة الوحيدة التي يتزايد هيبتها و جاذبيتها باستمرار ،ان العصر الذي ندخل فيه الان هو بالفعل عصر الجماهير”.
و تمكنت بعض التيارات من خلق “عصبية” على حد عبارة ابن خلدون لتضمن بها قوتها ،معتمدة على تفويض الذي تمنحه العصبية ،و ان استغلال مشاعر الجماهير للتجيش و التحريض لها نتائج هامة و منها السياسية “العصبية مفعولها السياسي .و من هنا كان ما يهم ابن خلدون في العصبية هو النتائج السياسية التي تترتب عليها في اعلى درجات وجودها ،و ارقى مراحل تطورها ،اي تلك المرحلة التي تصبح فيه العصبية عبارة عن اتفاق الاهواء على المطالبة .”
و عمات العديد من الحركات الاسلامية اعادة انتاج علاقة موضوعية بين العصبية التي تحتكرها .و راسمال الديني الذي تستغله لتفرض قوتها الرمزية في مرحلة اولى وهذا ملاحظ في الواقع التونسي من خلال التجمعات و الاكثرية العددية التي تحتكرها هذه التيارات “الجهاد الناعم بالعمل بالكلمة ماتقى القيروان ….15 الف مشارك…..50 الف …..80 الف مشارك و نضيف” ان العلاقة بين العصبية و الدين ،كما يفهمها ابن خلدون ،علاقة تازر و تعاضد و تكامل :الدين يزيد من قوة العصبية بالتخفيف من مظاهر التعصب ،كالأنانية و الاعتداء بالأنساب و روح القطيع و ذلك يتوجه اهل العصبية كلهم الى لله ،اي الى العمل الصالح ….والعصبية من جهتها تمنح العوة الدينية وة و فاعلية.”
و تعتبر القوى السياسية الفاعلة في الفضاء التونسي و منها الاسلامية المعتدلة تنتقد لاستغلال الديني في الشان العام الاان هناك اطراف تتسارع لاقتباس مفاهيم كالديمقراطية و الحرية و توظفها في انتجاتها الرمزية لتحافظ على مجمل الثقة التي تتمتع بها ،لكن بقيت شعارات بعيدة عن الممارسة و الفعل القائم في ميدان اشتغال الفاعليين عامة و السياسيين خاصة . و هناك اطراف فاعلة في المشهد لكنها رافضة لمبدا الانتخابات و الديمقراطية “قرر حزب التحرير مقاطعة الانتخابات على غرار ما كان في انتخابات المجلس الوطني التاسيسي …..لم يشاركوا فيها بدعوى انها تجري في حاضنة غربية “فاسدة” ….السلفية العلمية التي مازالت تقتصر في نشاطها على الجانب الدعوي فقط دون الخوضفي الجانب السياسي ….السلفية الجهادية ترفض الانتخابات و النظام الديمقراطي ….و يعتبر هذا الشق من السلفية ان الانتخابات و الديمقراطية بدعا خلقت من اجل الابتعاد عن “تحكيم الشريعة الاسلامية” ،و رغم التعارض القائم حول المشهد السياسي التونسي بين مختلف الاطراف الفاعلة فيه الا ان هناك فاعلين متعاوضيين يسعون لترسيخ” مقولة التدافع الاجتماعي و التي تتناغم مع مقولة صامويل هنتنغتون و نظريته حول الفوضى الخلاقة و صدام الحظارات”، ومنهج مخصوص بالنماذج الاسلامية ،و حتى يتسنى لاسلاميين فرض هيمنتهم في حقل الفعل السياسي ، و الملاحظ ان المصطلحات و شعارات التي ترفع لهذه التيارات تنتقي مواردها من الحقل الديني و تحتكره حسب استراتيجياتها و ان اختلفت النماذج فان الافكار وادة و المناهج متشابهة” حيث انه لابد لنظام تعليمي مؤسسي من انتاج الشروط المؤسسية التي تسمح لفاعلين متعاوضيين (فاعلين لاستبدال في مابينهم ،بان يمارسوا بصورة و دائما ،اي يوميا،وعلى اوسع نطاق ممكن ،عملا مدرسيا يعاود انتاج نموذج التعسف التربوي الموكل اعادة انتاجه ،فانه يميل الى ضمان هيئة من الفاعليين المختارين و المعدين لتامين الترسيخ ،اي الشروط المؤسسية متناحرة و متضاربة ،اي افضل الشروط لتلاقي اية ممارسة لاتتلاءم مع وظيفته المتمثلة لمعاودة انتاج استيعاب المرسل اليهم الشرعيين ،فكريا ، و اخلاقيا….” .
و تعتبر الاطراف السياسية و بقية القوى الفاعلة و المختلفة ايديولوجيا و فكريا عن التيارات الاسلامية ان مشاريعها المقترحة غير مؤهلة لخوض الصراع و مرحلة التنافس لانها تعتمد المزج بين الديني و السياسي في الشان العام وهو بدوره ما يفظفي ممارسات عدوانية تنحرف بجوهر الفعل الحر ليصبح عدوان و تطرف ضد كل اختلاف في مجال التفاعلات و المبادلات و الحوار بين الاعوان “و يخشى اصحاب هذا الفريق من ان يواجهوا اثناء خوضهم لغمار التدافع السياسي مع اصحاب المرجعية الاسلامية بمن يلتجئ الى الاية و الحديث و القياس و استشارة المشاعر الدينية للشعب لفرض مشروعيته و تحقيق الانتصار على خصومه و فرض مشروع ديني تدل عديد المؤشرات الاولية الماثلة في الخطاب شفويا و المكتوب بعض التجارب السياسية … و خاصة مع صعود الحركات السلفية المتشددة سواء المحسوبةعلى العلمية او الجهادية “.
(IIIواقع الارهاب في تونس:
رغم ما تحقق من استحققات اجتماعية و سياسية و ثقافية هامة للجماهير التونسية التي تكبدت القمع و سلب الحريات عاى امتداد سنوات الا انها لازات تناضل من اجل التحرر و ارساء فضاء مشترك ،تعددي ،ديمقراطي ، و خاصة سلمي تتفاعل فيه جميع القوى القائمة في مختلف الحقول . و تعتبر الانتاجات و الظواهر التي افرزها الواقع عامة مغايرة لامال الفئات المهمشة و المتعطشة للحرية . فالعنف و العدوانية و التطرف تظافرت جميعها لتبرز ظاهرة الارهاب كسمة اخرى للمشهد العام في تونس.”الارهاب الذي يواجهه المجتمع التونسي هو ارهاب ديني بالاساس لانه مؤسس على مسئل فقهية تعتبر ان الجهاد هو الفرضية الغائبة التي ينبغي ان تستكمل باخراج المجتمع من حالة الضلالة التي يتخبط فيها”.
و يعتبر صعود بعض القوى التي تريد اثبات نفوذها في الشان العام عن طريق التحريض و التكفير و استمالة الجماهير و اعادة انتاج نموذج ثقافي تعسفي مستثمرة الدين و الاسلام ، و هذه الاطراف تسعى اولا و اساسا لاحتكار “العنف الرمزي المشروع ” و هي بذلك تتحدى الولة و السلطة ” و ان ظهر العنف فيكون وجوده كنتيجة عكسية للسلطة “. و الارهاب يعتبر الية سياسية بامتياز تدرجها بعض الاطراف حسب استراتيجياتها الخاصة لتحصيل راسمالها من مجمل رؤس الاموال الموجودة في فضاء اشتغال الاعوان فينزلق الفعل السياسي عن جوهره ، و في مرحلة تالية يقع التضييق على الحريات ليسلب الفاعل ارادته و قدرته على الادراك و التفكير ” الية الارهاب :ان الارهاب يقضي على كل العلاقات بين الناس و يجعل الناس معزولين و يحفظهم في عالم بات لهم صحراء لانه لايمكن ان يسود الناس مطلقا ،انه في حال كونهم معزولين بعضهم عن بعض ، و بالتالي يقضي على كل استعداد بشري في ممارسة ملكة الاختيار و التفكير ” .
و يعتبر فعل بعض الاطراف المتسم بالعنف يولد عنف مضاد يرنو به الفاعليين لاستحواذ على القوة و فرض نفوذها الفكري و الثقافي على جميع الاعوان و نبذ كل اختلاف و تعدد ” ان ممارسة العنف مثل كل فعل اخر من شانها ان تغيير العالم ،لكن التبدل الاكثر رجحانا سيكون تبدلا في اتجاه عالم اكثر عنفا ” . ومع تفاقم عجز النخبة و القوى السياسية عامة على فصل ظاهرة الارهاب عن الدولة و المجتمع و ذلك بترسيخ فعل حر قادر على الاختيارو ضبط معايير المشاركة في الصالح العام اضافة الى إرساء مناويل مجتمعية تحافظ على حاثة المجتمع و تدعم حداثته ، وكل تهاون عن هذا الدور الاساسي فد يسهم في ظهور جماعات تنزع لإفناء و هدم السيادة الوطنية و البماء الاجتماعي و هكذا يصبح الارهاب ” هو اداة تنفيذية لاتوجد الا في مستوى الانسجة العميقة و الخفية و الاجهزة الدقيقة لاحزاب و الحركات الاجتماعية “.
1- الجذور الفكريّة للإرهاب:
​يتميّز المشهد التّونسيّ عامّة بظهور عديد الأطراف الفاعلة فيه، ذلك أنّ مختلف الأعوان في مختلف الحقول يعملون على احتكار النّوع الخاص من الرّأسمال الذّي يُمكّنهم من القدرة على التّنافس والصّراع في ما بينهم داخل الفضاء.
ويُعتبر ظهور التّيّارات الدّينية لا سيّما الإسلامية وبروزها في المشهد السّياسي، مؤشّر على سعيها نحو امتلاك الشّرعية والسّلطة بالاعتماد على مناهج قديمة مستوحاة من أفكار دعاة لا تستند إلى برامج سياسية واجتماعية تستوعب المطالب والحاجيات القائمة في المجال المجتمعي، أي أنّها تيّارات أصوليّة حركيّة، “ويُقصد بالأصوليّة الحركيّة كذلك التّيّار الذي يتّبع الحركات السّياسيّة دون أيّ تجديد حقيقي للفكر الدّيني وينتهج الأساليب الحزبية بعير تقديم أيّ برامج مدروسة أو أيّ نظم عمليّة، ويعمل على أن يكون الدّين سياسة والشّرعية حزبا والإسلام حزبا”
​ونفهم ممّا تقدّم أنّ بعض التّيّارات الإسلامية القائمة في فضاء الفعل تتأسّس على أفكار فاعلين مؤسّسين لتيّار قائم على تسييس الدّين ومن بينهم “ابن حنبل مؤسّس أحد المذاهب الفقهية الأربعة في الإسلام السّنّي. وهو في مذهبه يشدّد أكثر من غيره على العودة كلّيا إلى النص والسّير على خطى السّلف الصّالح”
​وقد بقيت هذه الأفكار متوارثة على مرّ الأجيال لتُنتج تطبعات دائمة ومستقرّة تُخفي هواجس عديد المتطلّعين إلى استيعاب عقيدة الحركات الإسلاميّة ومبادئها، وأن تُرسيَ مشاريعها وتحرّم ما تحرّم وتقوم بدور الواصي على الدّين والإسلام، فـ”ما يردّده الدّعاة ويردّده من بعدهم التّابعون من أنّه “ومن يحكم بما أنزل اللّه فأولئك الكافرون…ومن لم يحكم فأولئك الفاسقون”. وسعت عديد الأطراف التي تُسيّس الدّين إلى توظيف العديد من الآيات القرآنية لتصبح هتفات حزبية وشعارات مرفوعة لغايات سياسية تخدم مصالح القادة والشّيوخ الذين يديرون هذه الحركات وفق آرائها وأيديولوجياتها الخاصّة، “فتعمل على انتزاع بعض الآيات من السّياق القرآني وفصلها عن أساليب التّنزيل واستعمالها تبعا للتّرتيب اللّغوي وحده أو وفقا للتّرتيب اللّفظي دون سواه. وهم يستندون في ذلك إلى القاعدة الفقهية التي تقول: العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، وهذه القاعدة قاعدة فقهية قال بها فقهاء وليست قاعدة شرعية وردت في القرآن الكريم أو جاءت في حديث للنبي .”
​إنّ عمليّة الرّفض القاطع للاختلاف والتّنوّع في المجال السّياسي والاجتماعي على الحدّ السّواء، يسهم بشكل مباشر في إنتاج التّطرّف والإرهاب وإقصاء متواصل من قبل الفاعلين الذين يحتكرون النّوع الخاصّ من الرّأسمال الدّيني، ويطوّعونه وفق مساعيهم وطموحاتهم في السّيطرة وامتلاك الشّرعيّة. “إنّ الشّرعية في حقيقة الحال ـ حماية للمجتمع والنّظام الاجتماعي مخافة أن ينهار أو يسقط بفعل أقلّية مغامرة أو حقبة متطرّفة أو جماعة مسلّحة ترفع الوطنيّة شعارا وتتّخذ الدّين ستارالتفويض من خلفه الشّرعية. فتستولي على الحكم بالقوّة وتُلغي المبادئ الدّستورية والقواعد القانونية بالعنف و تسكت كل معارضة لها بالارهاب. ”
​وإذا نظرنا إلى المشهد التّونسي، نلحظ أنّ الإرهاب يستمدّ جذوره من الأحداث التّاريخيّة التي مرّت بها المجتمعات الإسلامية لتوظّف تلك الوقائع في شكل صور تضغط بها على الجماهير وتحوّل نفسها إلى منقذ لهذه الفئات، ويقع التّنصيص على أنّ الإسلام مهدّد وأنّ إنقاذ الدّولة والمجتمع من الكفر أمر واجب. “نادى المودودي بالحكمية الإلهية. فالشّرعيّة والسّلطة لله وحده، وكان القانون هو نصوص القرآن. كما نادى بتكفير المجتمع المسلم ووصفه بالجاهلية ورفض الدّيمقراطية أو مشاورة الشّعب في حكم نفسه. ونادى بضرورة الاستيلاء على السّلطة بالقوّة لإقامة الدّولة الإسلامية كما يتصوّرها”
​فالتّيارات الإسلامية تعتمد في دعوتها على فاعلين مختلفين في عمليّة الدّعاية وخاصّة يعتمدون على أفكار وكتب دعاة وأيمّة يمتلكون من أساليب الإلحاح والتّوكيد ما يكفيهم لاستمالة الأفراد، خاصّة أنّ الرّأسمال الدّيني يقع تفعيله في شعارات وخطب. ولنا أن نتّخذ المثال الآتي للتّوضيح: “كتاب الفتوى الحمويّة الكبرى لابن تيمية (يُحكم عليه بالكفر ويُقتل)، ووصل به الأمر إلى الحكم بأن (من لا يكفر فهو كافر). مع شروط القتال في الإسلام هو حسب ما جاء به قوله تعالى ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين” (البقرة 190).
وتعمل هذه الفئات على توفير موارد خاصّة بالفكر والأيديولوجيا التي تتغذّى منه بعض الأطراف التي تنتهج الإرهاب وسيلةً وتعمد به لاستغلال الدّين ومشاعر الشّباب عامّة والتونسي خاصّة، هو أمر على غاية من الأهمّية. وترتكز جلّ هذه التّيارات الإسلامية على رؤوس أموال ضخمة تمكّنها من بسط نفوذها في مجال الفعل و نذكر بعض الكتب منها: ” الحصا المر” ،”الاخوان المسلمون في ستين عاما” ايمن الظواهري…..”اعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس” لابي محمد المقدسي……”ملة ابراهيم و دعوة الاسياد المرسلين و اساليب الطغاة في تمييعها و صرف الدعاة عنها” لابي عاصم بن احمد المقدسي …”
​إنّ الارضية الفكرية والأيديولوجية وخاصّة الجماهرية التي عملت تيارات الإسلام السّياسي على تقويتها وتوسيع نفوذها في الواقع التّونسي، كان لها حضور جدّي وفاعل مكّنها من امتلاك نوع خاصّ من رؤوس أموال متنوّعة تمكّنها من أن تكون ذات فاعلية سياسية وقادرة على توجيه تطبعات الأعوان المنتمين إليها والدّاعمين لنماذجها المخصوصة. وهذه التّيّارات الدّينية المختلفة أدركت أنّ المنهج الفكري لم يعد كافيا للسّيطرة على مجال الصّراع مع باقي القوى في حقل الفعل، فـ”معركة الفكر لم تعد كافية حسن البنا 1938″.
​ومن هنا تنطلق بعض الأطراف لاعتماد العنف والإرهاب لتثبيت سيادتها وشرعيتها. “إنّ الإرهاب وسيلة فقط يلجأ إليها الإرهابيون إيمانا منهم بأنّ العنف هو الوسيلة الأنجع للضّغط على النّظام السّياسي من أجل تحقيق مطالب معيّنة”.

2- العمليات الإرهابية:
يُعتبر الإرهاب الفكري عاملا فعّالا يمهّد للإرهاب المادّي. وقد عكس المشهد التّونسي في جانب منه أنّ “العنف الرّمزي” أساس فعل العديد من الأطراف السياسية التي تسعى من خلاله لفرض سيطرتها وبسط نفوذها على الجماهير. والحركات الإسلامية لم تكن لها القدرة على استيعاب الحالة المدنيّة والدّيمقراطية القائمة في المجتمع. وتسعى الأطراف الفاعلة في التيّارات الدّينية إلى امتلاك جميع الرّموز المتاحة في المجال من وازع ديني ومساجد ودعوات وغيرها. “الحركة الإسلامية المندمجة سياسيا تقوم بعنف رمزي من شأنه أن يمهّد لإرهاب مباشر… لا وجود لقطيعة بين الإرهاب الفكري الذي يمارسه ذلك الحزب رغم اندماجه السّياسي و بين لعنة العنف والعمل الإرهابي البحت”.
​وتُعتبر المواجهات القائمة بين الأطراف المتكلّمة باسم الدّين والتي تقوم بدور أساسي وهو حماية الدّين والإسلام و تعيد إنتاج التّفويض الذي منحته إياها الجماهير. فرغم أنّ هناك خطاب ينادي بضرورة تحييد الدين وخاصة الإسلام من التّجاذبات واحتكار المساجد ومنابرها لهدف سياسي، ورفع شعارات حزبية هناك خطاب رافض ويُقصي جميع الفاعلين الحاملين لمبدأ تعديل الخطاب الدّيني وإبعاده عن ميدان الصّراع والفعل السّياسي عامّة ” وهم ينادون بتحييد المساجد لا ومليون لت لتحييد المساجد ولو كلّفنا ذلك رقابنا، هذه المساجد ستبنى منها دولة الإسلام هذه المساجد ستعود منها الخلافة إن شاء اللّه عزّ وجلّ سيخرج منها… الدّعاة المخلصون والأبطال الفاتحون”
وهذه الخطب التّحريضية في بعض المساجد وتختصّ بها بعض الأئمّة تُعيد إنتاج نماذجها على أساسي تفويض يمنحه إيّاها أعوان يتقاسمون معهم الأيديولوجيا والأفكار المتشابهة، وهو ما أدّى إلى بروز واقع عنيف ومبادلات متطرّفة تدفع إلى إرهاب فعلي، فـ”لا يجوز الحديث عن إرهاب حركات إسلام سياسي إلّا إذا وسّعنا مفهوم الإرهاب وانتقلنا من العنف المادّي إلى العنف الرّمزي”
​ويُعتبر الإرهاب ممارسة تتمأسس على استعمال العنف غير المشروع من السّلطة القائمة والتي لا تُلبّي الحاجيات المتطرّفة لبعض الجماعات المعزولة. وتسعى بعض الأطراف لإعادة إنتاج العنف وفقا لمصالحها الخاصّة لتوجّهه ولتتحكّم به وتقوم بضرب القوى المخالفة لما في الرّأي والفكر والإيديولوجيا. “إنّ الإرهاب استعمال لأسلحة تقليدية في قتل الأبرياء وفي اغتيال مثقّفين وفي اختطاف طائرات… وفي قتل الجيش والشّرطة”. والملاحظ أنّ العناصر المتطرّفة لم تكتف بالتّحريض بل تمادت إلى التّهديد بالقتل والاغتيال خاصّة في الواقع التّونسي. وكان ذلك جليّا في الخطاب الموجّه: “إمّا أن تكون عبد الله أو عبدا لغير الله… فرعون و جندها كانوا خاطئين ……….الطواغيت …… موتوا بغيضكم ….. كلمتي ساتوجه بها الى هذا الطاغوت طاغوت الداخلية ……. فنحن ثابتون على المنهج ……” استعجلتم المعركة……” هذه العبارات وغيرها من الشّعارات التي ترفع في كلّ مناسبة تمنع فيها الحركات الإسلامية من القيام بدعواتها فتنزع لإعادة إنتاج العنف بخصوصها، فـ”الإرهاب ليس فلسفة ولا حركة، وإنّما هو أسلوب أو طريقة لفرض موقف أو لتحقيق طموح سياسي لجماعة منعزلة ومحبطة. والتي تدرك أن لا أمل لها في الوصول إلى ما تريده إلّا عن طريق تخويف الأغلبية ومؤسساتها عن طريق إشاعة الرّعب والتضليل”
​وتُعتبر دعوة بعض التيّارات الإسلامية لفكرة “الجهاد” كانت لها فاعلية سياسية واجتماعية هامة لتحتكر بها رؤوس أموال عديدة ووقع تحوّل وتحريف حقيقي لمعنى هذا الفعل وأنّ الجهاد ليس سفك دماء واستباحتها بل هو مغاير تماما لما تزعمه بعض الأطراف. “إنّ الجهاد في الإسلام متحدد تماما بحديث النبي للمؤمنيين بعد معركة بدر التيانتصروا فيها ، عدنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر _فحرب الاعداء_بالنفس و المال –هو الجهاد اصغرفي نظر الاسلام الصحيح اما الجهاد الاكبر الحق فهو مجاهدة النفس على الشدائد ،و مكابدة الذات على المكاره ، و مساعدة الخلق على السمو و الرفعة ، و معاضدة الوح على البذل و العطاء ” وهذه الفكرة التي وقع إعادة إنتاجها في الواقع التّونسي تستمدّ جذورها من ظواهر سابقة تاريخيا وسياسيا لها. لكن إعادة استثمارها تؤكدّ على فاعليتها السياسية وأنّ بعض الأطراف القائمة على التيارات الإسلامية تقوّي بها نفوذها الرّمزي للقيام بعمليات فرضها: “ومنذ ظهر الخوارج أصبح فكرهم الدّعوي القاتل وتفسيرهم الخاطئ للجهاد أسلوبا دائم الظهور في التّاريخ الإسلامي”
​وقد تطوّر مفهوم الجهاد ليصبح موجّه للفاعلين الذين يشتركون في الدّين نفسه، فيقع اعتبار المجتمع والمفكّرين والمؤسّسات كفرة واجب قتلهم والجهاد ضدّهم لإحلال شرع الله في البلاد، “فلقد أصبح الجهاد نتيجة الفكر الإسلامي الخاطئ حزب المسلم للمسلم، أم هو ممارسة الإرهاب من القادة ومن المجتمع، أو الدّعوة لقتل المجتهدين والمفكّرين ذوي الآراء الحرة ، و نضيف ولقد حدث في بواكير العهد الإسلامي أن خرج الخوارج على عليّ بن أبي طالب واعتبروا أنّ الحرب هذه جهاد…بل واعتبروا أنّ قتله وقتل معاوية بن أبي سفيان وعمر بن العاص جهاد في سبيل الله. ونفّذوا ما عقدوا العزم عليه واستقرار الرّأي شأنه. فلم يُقتل إلّا عليّ باسم الجهاد الله. والله من ذلك براء”. واعتمدت بعض الأطراف مفهوم الجهاد لتوجّهه حسب استراتيجياتها التي تهدف بها لضمان مواردها من السّلط المختلفة في الحقول الاجتماعية وضمانا لثقة الجماهير والمناصرين لهذه الحركات وللحفاظ على رأسمالها الاجتماعي، وبالتّالي لتحرّك الأعوان داخلها وتدعوهم حسب مصالحها لاعتماد العنف وإعلانه. تصريح نصر الدين العلوي “نعم انا محرض ، و حرض المؤمنيين عسى الاه ان يفك باس الذين كفروا و لله اشد باسا و اشد تنكيلا و قد اعددت كفني ….و ادعو كل شباب الصحوة الاسلامية ان يعدوا اكفانهم …”
​وهذا الخطاب له دور التّحريض ضدّ المجتمع ومؤسساته ويثير غضب المناصرين له وعنفهم بأنّ التقليد والصورة التي كانت عليها العبارات الرنانة تؤثّر في المتقبّل فيخضع لها. وبالتالي تولّد العنف والعدوانية. “إنّ قناعات الجماهير تتّسم بهذه الخصائص من الخضوع الأعمى والتّعصّب… وحبّ الدّعاية العنيفة والملازمة لكلّ عاطفة دينية” ، و نضيف وأنّ السّمة الجوهرية للإرهاب وهي الاستعمال اللا شرعي للعنف ضدّ أهداف متنوّعة بوسائل متعدّدة من أجل الدّفاع عن قضية سياسية… كعنف غير شرعي يعكس منظور السّلطة القائمة وإنّه طبعا مرفوض من طرف أولئك الذين يُنعتون بالإرهابيين”وبعض الأطراف الفاعلة في المشهد التّونسي والحاملة لسمة العنف وفكر شرعنته وتعمميه تستخدم كهنة و فاعلين متعاوضين يردّدون شعاراتها ويخدمون أهدافها ويدافعون عن شرعيتها و نضيف ” بخلاف النبي يدير الكاهن “تجارة النجاة” انطلاقا من وظيفته”.

لا تعليقات

اترك رد