لذة الجهل

 
الصدى - المنطقة الخضرا

اكثر ما يعيق حركة الاصلاح والطفرة الاجتماعية في اي بلد ، تلك القيم المتوارثة للافراد والمتناسلة عبر الازمنة، والتي تكتسب قابيلة التكيف والاستمرارية والحياة بالرغم انتهاء صالحيتها كقيم مشجعة ومحفزة للتطور، بل الاخطر من ذلك احتواؤها على رمزية اولا ، واستقرار في الذات ثانيا ، ولذة دائمة ثالثا ، والفعل الاخير هو مايعنينا في المحاولة الراهنه لفرش المفهوم وتشريح قوته، وهذه معضلة اي مشروع تحديثي خرج للانظار في العالم العربي والاسلامي، وهو اشبه ،بالحقن “الفاسد “الذي يوفر رضا نفسي للمريض ومن حوله مع انه تجاوز حدود فاعليته الطبية، يضاف له ما نسميه “بظفيرة العناصر” واقصد بها “الدين الشعبي ، والقبيلة ، فضلا عن التيارات الوافدة ،

فالاول رفض التاويل ، بينما الثاني قاوم التفكيك ، وظل الثالث نتاج بيئته الغربيه ولم يفلح في الاستنبات . بمجملها شكلت عطل في العقل وعطب في التفكير ، النقدي وقطعت ، وهذا الاهم في نظري بل احدثت انفصالا بين النخبة المشتغلة في صناعة الوعي وبين القاع الذي يؤمن ويتلذذ ويستقوي بهذه العوامل ، بوصفها قيم محافظة على ما نسميه “بنسق الوعي الهرمي ” وهذا ما لايستدعي استحضار عدة فكرية لاجراء تغيير داخلي بنيوي عليه، مثل حال التيارات الادبية والثقافية في الغرب التي تتعرض الى نظريات مناقضة باستمرار ، ولاشك فان هذه العناصر لايمكن ان تفلت من محاصرة العقل وتساؤلاته ، دون ان تكتسب ما نسميه “بالحصانه المقدسه” وهذه هي معادلة النسبة والتناسب في الحقل الاجتماعي التي يكسب الرهان فيها الاغلبية ،وهم المؤمنون بتلك العوامل ، بينما خسر المصلحون كفه التوازن ليعتكفوا على الكتاب والمنبر منذ زمن جمال الدين ومحمد عبده ، وقبلهم المعتزلة والمتصوفة ، وصارت دعواتهم لاتجد اذان صاغية فهي ليست شجية ، لتضبط ايقاع ما نصطلح عليه (بعزف المعرفة )في وسط اعتاد مواجهة اي تحول ثقافي ينطلق من الحواضن او البيئة المحليه، ولمنع التشتت في السطور نركز على عنصر الموروث القبلي او مانسميها “بكتلة النسب ” اي مجموعة من الافراد يشتركون في السلوكيات والتقاليد والاعراف والعادات (الانماط الثقافية )ويمنعون الاقتراب منها ليشكلون في النهاية كتله اي قبيلة واحدة قد تتسع دولة كما الحال في السعودية او مجموعات متناثر من العشائر كما في العراق ، وهذا مؤثر على حركة الوعي بما تحتله من حيز يغطي مساحة ضخمة من تفكير عقول كتل بشرية تشمل رجال دين واساتذة فضلا عن المثقفين بلبوسات حديثه وبوعي ثابت او ما نطلق عليه “بالوعي الموروثي “وهذه ما يمدها بالعمر الطويل ، ويؤطرها بما يجوز لنا ان نطلق عليه “بإيديولوجيا العشيرة” فهي تحتفظ بلذة تتعمق في النسق الاجتماعي لدى الافراد والجماعات حتى تضحى كلازمة ضمن السلوك اليومي يدافع عنها ويكرس لها وحتى ينطلق منها الناظم الاعتباري لكل المواطنين في هذه الرقعة الجغرافية التي سرت عليهم مفاهيم الكتله النسلية اي التي هي نتاج النسل التكاثري اي الاباء والاجداد ،

وبهذه الفترة الزمنية كونت هذه القيم بنى تحيته لنمو جذورها ، في ذات الجماعه والافراد وخلقت نوع من التشابك التقليدي اكسبها حرمة وقدسية وصارت لها قاعدة من المؤيدين يتحركون في “الظل المعرفي” ، وبالتالي هؤلاء لايملكون القرار او النوازع للخروج منها كونها قطعت الطريق امام مانسميه “بالوعي المضاد” وتمركزت واخذت تستقر في العقل بل صمدت ومارست فعل مانطلق عليه “بمسك العقل” ونجحت امام اي تحرك او محاولة بل حتى مجرد التفكير فهي لم تترك مجال للخروج او التمرد بل اوقفت وعطلت اي مسعى اجرائي نهضوي عند تفاصيلها ، اي بمعنى اخر صلبت الانسان بذاته ، والحديث عنها مضغوط ومبتسر في احسن حالاته لذا فهي منطقة “محرمة” تتجاوز مدارك الافراد العالقين باسوارها ، بل هي تشبه معلماً يطالب تلاميذه بانجاز واجب يتعلق “بنظرية” في الرياضيات لم يدرسوها بعد ، وينتظر منهم الحل والتفلسف .

وهذا فعل تعجيزي في المنطق الانساني فعقولهم لم تستوعبها اصلا ، ما يتطلب من الجميع هزة او صدمة تيقظهم ،وذاته ما ينطبق على هذه الكتله من الاطر بالنسبه لاي فرد ضمن النسق القبلي ، والى هنا قد تبقى للمعالجات فرصه الا انها تنتقل من سلوكات وثقافه عامه الى “لذة فائقة التاثير” تستوطن وليس هذا فحسب بل انها ايضا تكتسب قدسية من مفهموم العيب المرافق لها اي ان المعارف المبثوثه تحذر الافراد من الخروج على العادات والثورة ضدها فهي اشبه بدين الاباء والاله، كما ان هذه المظاهر تخلق نشوة و راحة بال تشل العقل ، وتحجب الافق وهذا الانسداد المخيف لجميع المتشغلين في الحلق الفلسفي. ووفق هذا نصل الى بديهية ان كل تقليد او دين او معتقد او حكم او حتى نظرية يحتاج الى مستلزمات لقيامة واخرى للحفاظ على هيبته وسلطته ، بعد ذلك ياخذ المنحى الدائري ،بالتوالد الطبيعي والشيخوخة والانجاب في روح ذات الاقوام ، كذلك هذه السلسلة التراكمية من البداوة الصحراوية الى الوقت الراهن ظلت نشطة وقائمة بفضل طمس الوعي المجتمعي ، بمساعدة السلطة التي عزفت على احياء العشيرة وصعود دورها يضاف الى تجنيد رجل الدين والاستاذ الجامعي والمدرسة والاسرة ، تحت مبرر العشيرة توفر الاعتبار والحماية في ظل غياب الدولة ، وهذا المبرر ليس محل نقاش ضمن هذه الحلقة انما سنفرد له سطور تعالج الاشكالية وتقترح الحلول تاليا، ولاشك وسط هذا التزاحم فان اللذة تتمدد وتتفاعل وتسود عبر اقصاء الالم واقصد ألم التغيير اوما يعرف بالهم المعرفي في المجتمع ، وتحرير العقل من الخوف والقلق وكل ما يعكر صفوته ، وهذه الظفيرة بتشكيلاتها تسهم في ذلك ، لكن بالشكل العكسي اي الفرد يشعر باللذة والسعادة والترنح والطمأنينية ضمن خريطة وعيه العام وثقافته البيئية المحصورة ، ما يدفع الاجيال وبنتيجة طبيعية الى ما نسميه (بالتسليم الاقتناعي) اي ان الجماعات تتنازل على العقل ازاء هذا التاثير الحاد باسترخاء نفسي .

وهنا اجزم ان ليست ثمة لذة تقارب لذة الشهوة والطعام سوى لذة “الجهل” لدى هؤلاء الافراد بل الاقوام ، ثم انها تواصل فعلها وتستحوذ على ادوات العقل وتحاط باسيجة محرمة تمنع الاقتراب منها او “سحرية”اي سحر الجهل الذي يسوق البدائل كما انها تخلق حالة من التماهي والاتساق ، في الطبقه والنخبة كذلك فهي لاتقتصر على فئة معينة ، فكل طبقه او مكون يعيش هذه اللذة وتبقى تتجذر وتغوص وفق مفهوم “الانغلاق الطبقي” حسب ما نطلق عليه ، وهذا يوفر عناصر النجاح والمطاولة والمقاومة… وفي المعطى الاخير فان لحظوية هذه اللذة تعطل الفاعل الذهني في التفكير والمراجعه ، والدرس بل حتى في التامل الفلسفي للتمرد عليها بل تخلق نوعاً من التصالح مع الذات ، وهذا يعوق النهضة الاجتماعية بمختلف مرجعياتها وتوجهاتها وزمانها ايضا.

لا تعليقات

اترك رد