القصّة القصيرة جدًا، خصوصيّة البناء ومهارة القصّاص


 

القصّة القصيرة جدًا، خصوصيّة البناء ومهارة القصّاص
من خلال قصص فلسطينيّة { أمين درواشة ، و نهيل مهنَّا }

إنّ عبقرية القصّاص أن ينظرَ إلى الأشياء العاديّة نظرة غيرعادية ، لأنّ في كلّ عاديّ شيء غيرُ عاديّ ، والمهمّة الأساسيّة هي اكتشافُ غير العاديّ من العاديّ وتركيز الضّوء عليه ، لكيْ تبرز دقّتهُ وقوّتهُ وغير عاديته ، وهذا هو الفرقُ بينَ قصّاص وآخرَ}[1]. والقصّة القصيرة جدًا ،أصبحت تنال اهتمام وعناية القرّاء ، لأنّ كتّابهَا يحاولونَ اكتشافَ الغير عاديّ من العادي في الواقع المعيش ، ولكن هل القصّة القصيرة عاجزة على تبليغ وتصوير خفايَا الذات ، وغامض الحياة فالتجأ الكتاّب إلى القصّة القصيرة جدًّا ؟ هل للقصّة القصيرة جدًا ضوابط فنيّة وسما تنفرد بها ؟ وهل قصر حجمهَا سيساعدهَا في بلوغ الهدف الفنّي للكتابة القصصيّة حينمَا ننظر في تاريخ الحركات الفكرية والفلسفيّة والأدبيّة ، في العالم وفي الوطن العربي ، نجده مرتبط بالتّحوّلات الإجتماعيّة والفكريّة والثقّافيّة الكبرى ولا ريب في ذلك ،إذ الإنسان يبدّلُ ويجرّب ويبتكرُ أساليب جديدة لفهم ذاته والتّعبير عنهَا ولتلبية رغباتهَا وحلّ قضاياها ، ولولا هذه الحركة لما استطاع الإنسانُ طرح الأسئلة والشّروع في محاولة الفهم . وتاريخ الحركات الأدبيّة {القصصيّة والرّوائيّة والشعرية والمسرحيّة} دليل واضح ،وتاريخ فنّ الكتابة القصّصية شهد كذلك تحوّلات كبرى ، منذ الدّخول في الكتابة التّجريبيّة ، ورفض القوالب الشكليّة الجاهزة التي تحبط التّجديد ، مرورًا بالمحطّات الأدبيّة الكبرى وتأثير المدارس الأدبيّة الغربيّة في التّجارب العربية ،ولعلّ التّحوّلات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم ، وسيطرة الثّورة الرّقميّة والتّقدّم التّكنولوجي الرّهيب ، والسّرعة التي ولجت كلّ أعمال الإنسان جعلت الكاتب اليوم يجد في ما يسمّى بالقصّة القصيرة جدًا أسلوبًا ووسيلة تعبير تجمعُ بينَ إرضاء قارئ مـُسرع، لا يرضَى بطول القصّة، وبينَ وضوح العبارة وتعدّد دلالتهَا. وبذلك فمن نافلة القول أنّ نمط الحياة تغيّر و تشظّى إلى أنماط حياة ، وصارت السّرعة صفة أهل هذا العصر بكلّ تجلّياتهَا ، فالحياة اليوم في نظر الكاتب بؤرة توتّر وخزينة أسرار كبرى ومختلفة ومتعدّدة ،لا تحتكم إلى البطء المستند على الحذر، بل إلى التّدرّج السّريع والشّمولي . بين هذه الثـنايَا برزت القصّة القصيرة جدًا ،وحاول كـُتاّبهَا الاهتمام بالظّواهر الاجتماعية بأناة الوصف التّحليلي تارة ،وطورًا بإعلاء شأن الرّمز في وحدات ومقاطع وصفيّة، نادرًا ما تتضمّن حوارًا مكتفية بالوصف ،ممّا أوقع كتاّبًا في العرض الذّهني أثناءَ السّردِ ، فتجد القارئ يلتمسُ ملامح الرّواية بمعناهَا وهو يقرأ قصّة قصيرة جدًا. ولا شكّ في أن هذه التجارب القصصيّة قد عبّرت عن هموم الإنسان واقتربت منه ومن معاناته ، معاناة المستعمر والوطن المسلوب ، والغربة ، والفقر والجوع والبطالة والقلق ..كلّ ذلك في فضاء المدينة العربيّة المتحوّلة المنفتحة على الشمال والجنوب،فبقصرهَا استطاعت هذه القصّة القصيرة جدًا أن تقتنص اللّحظات المنفلتة والفارّة والمنسيّة، وتعـملُ أدواتهَا في هذه اللّحظات التي حطّت في ظلال الصّمت وسكون العتمة وغابويّة الإقصاء داخل حياة النّاس..، وقدّم الكاتبُ هذه الصّور والحكايات في شكل فنيّ يشبهُ الومضة الرّوائيّة أو المسرحيّة أيَضًا ، ولكنّهَا ومضة بفنيات القصّ ،قصّ يحجم فيه الكاتب عن الإطالة وعن المقاطع الحواريّة أثناءَ السّرد المرسل ، ويُقـبـلُ على وصف الأشخاص ويتّوغّل فيهم ويهتمّ بهم، و بالمساحات التي تسعهم ، ومضة غنيّة بالدّلالة واللّغة والتّرميز تشدّ القارئ إليهَا ، فنجد عناية بالوصف باعتباره حكاية الأشياء ،وبالسّرد باعتباره حكاية الأعمال[2] لأنّ الوصف والسّرد هما الطّريقتان الرّئيسيّتان لتمثيل عالم المغامرة ، ومبلغُ العلم أنّ العناية بالأقوال في القصّة القصيرة جدًا بخيلة خاملة أو لنقلْ منعدمة ، بلْ هنالك غياب التّكافؤ بينَ السّرد والوصف والحوار، ممّا يجعل القصّة القصيرة جدًا قصصًا في داخل القصّة الواحدة ، فللعبارة الواحدة حقول دلالية تقتربُ وتبتعدُ من القارئ ، وتدخله في دوّامة التّساؤل والتّأويل ،مع حضور شرط إمكان الإبداعيّ، ، قصّة تحفر في الإجتماعيّ والمعرفيّ والنّفسيّ والفكريّ والوجوديّ بسرد ماؤه التّكثيف والتّرميز و العجائبيّ والتّأمّل الفلسفي ، ولا ريب فالجنس القصصي أكثر الأجناس الأدبيّة حرّية في توظيف أجناس أدبية مختلفة وفنّيات عديدة ،وتجاوز صلابة الفنّ القصصيّ بقواعده وشروطه النّظرية ، ومقاطع السّرد في عديد القصص القصيرة جدًا تؤكّد ذلك ، وأضربُ للقارئ مثلاً حضور الشعر في القصّة القصيرة جدًا ،ف{النّثرُ قد تشكّل…مأخوذًا بالشعر ، مفتتنًا به إلى حدّ الهوسِ ، حتّى لكأنّ الناثرَ كانَ يحسدُ الشاعرَ على منزلته ، أو لكأنّ النّثرَ حين يشرعُ في النّهوض …يحاول التّملّصَ من هويته والانعتاقَ من سماتهَا }[3] . إنّها رحابة الفنّ الآتية من رحابة الحياة . إنّ القصّة القصيرة جدًا بيقظة القاصّ وامتلاكه لأداته وتميّزه بالموهبة ،لم تكتف باقتفاء أثر الإنسان وظلّه، لترصد حركته وتسبر أفعاله وتعبّر به عنه ، بل استطاعت أن تغوصَ في أعماقه ملازمة إيّاهُ ، واصفة لهُ ، متحدّثة عنهُ بعمق العبارة ودقّة الاستعارة ، في واقع لا يرضَى بالحدود لعمق شساعته ،وبما يسكنُ الحياة من مفاجآت غريبة تتحدّى الرّتابة ، في متون الصّمت والإرباك والخوف والأسَى،أو في خفايَا الكلام وغامض المنطق ومحدثات الأمور ، وبذلك استطاعت القصّة القصيرة جدًا خرقَ المتوقّع لدى القارئ ، ونفذت إلى سلوك الإنسان وانحرافاته وتشوّهاته وإلى فشله وفوزه ،بلا خجل ولا وجل كشفت أنانيّته ، وبيّنت مظاهر استبداده وظلمه لذاته ولمن معه ، في عالم أصبح قرية كونيّة تنتشرُ فيه موديلات الّلباس الفاخرة والسّيارات والتّجارب النوويّة، وينتشرُ الفقر والأمراض والمجاعات والأميّة والديمقراطية والسّفسطائيّة ،وتفاقم الحرص على جمع المال والهيام بالنّقود وبالبترول والسّلاح والتّبرّم من الكتاب حلية المجالس ،كالهيام بالقتال والحروب والفزع، بينمَا الاستعمار يستبدّ بالأرض ، في هذه المشاهد الكونيّة المتكرّرة والمتواصلة بتواصل رحلة الحياة ، استطاعت القصّة القصيرة جدًا أن تعبّر عن هذا كلّه ، وأن تنقد كلّ هذا لتبرز أعمال هذا الإنسان ، بسخرية جاءت في جُمــلٍ فعليّة قصيرة ومتعاقبة ومسترسلة ، ولكن هل يمكننا نقد القصّة القصيرة جدًا وفقَ معايير نقدية ومرجعيّة نظريّة تخصّ هذا الجنس الأدبي؟ وماهي سمات هذا الجنس الأدبي الذي يدفع النّقاد إلى التّفكير فيه . لقد اكتسبت القصّة القصيرة لنفسهَا جملة خصائصَ أحاولُ تحديدهَا من خلال هذه المقاربة النّقديّة.

القصرُ والإيجازُ :

سمة القصّة القصيرة جدًا القصر والإيجاز ، فالجُـملُ قصيرة وإيحائيّة، يحضر فيهَا عنصر الدّهشة والتّرميز والاستعارة والسّخرية في مقاطع السّرد ،نجد ذلك في قصّة {انتظار المطر} للكاتب الفلسطيني أمين دراوشة في مجموعته {الحاجة إلى البحر} يقول{ارتميتُ في أحد المقاهي محطّمًا ، تناولتُ قهوتي ورجعتُ ثَــمِلاً ، وأنا ألعنُ كلّ شيء ، كنتُ أهتزُّ يمينًا وشمالاً ، في طريقي إلى البيت ، النّاسُ يرنونَ إليّ بعطفٍ حينًا واشمئزاز حينًا آخر ..هويتُ ، غفوتُ ، رحلتُ نحو أشجار الصّبر} ، وهنَا نكتشف قدرة الكاتب على توظيف فكرة التّيه ، إذ جعلهَا خادمة للدّلالة التي قصدهَا وللنّسيج المعنوي الذي شيّده ، وتبرز فكرة التّيه ببعديهَا ، بعدهَا الصّريح والمباشر{ تيه : ضياع} وبعدها الرّمزي،والرّمز خفيّ محتشم بطبعه يأبى الخروج إلى السّطح ، ونجد ذلك في قصّة {غربان} من نفس المجموعة {كانت الطّيور تحوم منخفضة ، والأطفالُ يلاحقونَ الفراش ، والرّجالُ والنّساءُ يتناولونَ طعامَ الغداء ،بعدَ يومٍ متعبٍ ، في لحظات هجمت الغربانُ ، وأتت على كلّ شيءٍ} يصوّر القاصّ أرق الإنسان الفلسطينيّ والعربي ، بين الأحداث الرّئيسيّة للقصّة والأحداث الثّانويّة ،ونجده نجح في تخييّب أفق تصوّر القارئ الإبداعيّ ،إذ شدّه إلى النّص وشوّقه وأمتعه بالتّلميح والتّرميز ، وأنساه القوالب الكلاسيكيّة التي تتكوّن من : {وضع البداية ــ سياق التّحوّل ــ وضع النّهاية} {في أحد الأيّام …ذات ليلة ..} ، ولعبة الضّمائر السّرديّة {ضمير الغائب،ضمير المتكلّم } أيّ الرؤية من الخلف أيّ التبئير الصّفري أو الرؤية المصاحبة والتّبئير الدّاخلي .

السـّخرية و الحـكائيّة:

{المبدعُ الحقيقيّ هو الذي يلمّ بقواعد الفنّ من أجل أن يتجاوزهَا لا من أجل أن يتقيّد بهَا تقيّدا صارمًا[4] } ، والسّخرية الحكائيّة {تتبدّى من خلال استحواذ السّارد على كلام الشخصيّة ، وتكراره على طول النّصّ مشكّلاً بذلك ما يُمكنُ تسميتهُ إيقاعًا ساخرًا[5]} ، كقصّة {المهاجر}{من نفس المجموعة لأمين دراوشة}:{عالق لا يدري أينَ تسيرُ به السّنون ، سبعُ سنوات عجاف ، ولا يظن أبدًا أنّ يتبعهنّ سبعٌ زاهر..قف وفكّر..أيّهَا الحثالة النّائمةُ ، أهجر ، سافر، فارق …وأحسّ بأنّ بحار الدّنيَا تعجز عن إزالة ما علقَ به من نتانة } ، أينَ تواتر الصّيغ السّردية ، يوسّعُ دائرة السّخرية المشحونة بالدّلالات . تكشف وضع الإنسان المضطهد والمظلوم والحقير في شعب أغتصبت أرضه ، يناضل بكرامة وعزّة لاسترداد حقوقه وليس إلاّ النضال ، الحركة ، الفعل ، ولعلّ هذا يتوضّح في المقطع {قف وفكّر ..أهجر ..سافر ..فارق ..} ، والسّخرية الأدبية عادة لا تعرفُ مخرجًا ولا حلاً للصّراع والتّوتّر في باطن شخصية أو شخصيات ، وبذلك تنبني في القصّة القصيرة جدًا على المفارقات وشساعة المسافة بين الرّغائب والواقع المعيش، أأنتج ذلك مأساة أو فرحة ، أبقيَ ثابتًا أو سعى متحوّلاً .

التـّكثيفُ :

نيمّم شطرَ التّكثيف وهيَ تقنية من تقنيات التّجويد الكتابة القصصيّة ، في عمق الفكرة وثراء اللّغة ، فالكلماتُ تنتمي إلى جمل قصيرة ، ولكنّهَا غنيّة بالمعاني وثريّة بالدّلالات تنبض بالحياة ، فالقارئ حينما يلتقيهَا يعود إلى حياته في مشهد مختلف، ويصطدم بالحقائق دفعة واحدة ، كقصّة {هيكليات}{من نفس مجموعة دراوشة} :{سنوات طويلة قضّاهَا في الغربة يتلقّى العلم ، عاد أخيرًا إلى أرض الوطن ، بعد أن تجرّع الغربة ، التي لم يستسغهَا أصدقاؤه ، حاولوا مساعدته بأن قدّموهُ لوزير التّربية والبحث العلمي ، الذي قابله بوجه بشوش ..ابتسم ، شعر بأنّ الفرج قادم لا محالة ، طارَ بأحلامه إلى أقصَى مداهَا ، باغتهُ الوزير بالقول : يا للحظّ القبيح ، لو أنّكَ جئتني قبلَ أيام ، لأمكنني فعلُ شيء …} ، تصف الجُمل بطل القصّة الذي ذاقَ مرّ الغربة ، غربة الفلسطينيّ بعيدًا عن وطنه ، وغربته في وطنه الذي يتّخذ أولي الأمر فيه ، من التّأجيل والمراوغة ملاذًا ، هروبًا من افتضاح الضّعف وهشاشة السّلطة ، ويواجه الكاتبُ القارئ بواقع الإنسان الفلسطيني الصّامد في قصّة {أشواك}{بنفس المجموعة صفحة 8} أمامَ ويلات التّضيّيق الصّهيوني على كلّ مشروع وأمنية وحلم ،وعلى التّجوال والسّير والتّنقّل والتّنفس :{ تساءل أحد الرّكاب ، وهل نحن بشرًا ؟ اجتزنَا الطّريق كالمشدوهينَ نتلفت في كلّ اتّجاه ن خوفًا من جنود مشاة مختبئينَ ، وأصابعهم على الزّناد، وطفقت أفكّرُ ما ينتظرُ الحواجز في المرّة القادمة}

الاسترسال :

والاسترسال في الجمل ، يورّط القارئ في أمانة اكتشاف الخفيّ ، فلا يتوقّف عن القراءة ، قراءة مأساة المثقّف الذي يمتلك كوم شهائدٍ وهو عاجز عن العمل ، هاجر لطلب العلم ، وتيسّر له ذلك بعقيدة الإصرار والصّبر وصدق المقصد ، ولكنه لا يوفّر رغيف خبز بهذه المعارف ، حقًا إنّهَا مفارقة عجيبة تفضح بشاعة الحقيقة وتكذّب الأفكار والنّظريات ، إنّه الفلسطينيّ الذي اغتـُصبت أرضه ، واغتـُصبَ حلمهُ ، وحُرمَ من الاستقرار والبناء ، وتستمرّ الحياة نقطة استفهام تتغذّى فيهَا الرّوح بألوان العذاب ولا ينفع الصّبرُ ، { الشجرة تعجز عن حمل ثمارهَا ..صوت بغيض وقذر يعوي في الخارج .. يمنعُ التّجوال} ، إنّها الحيرة التي تختفي في صورة البحر مكتوف اليدينٍ في قصّة {من نفس المجموعة النّحلةصفحة13} :{يرى البحر مكتوفَ اليدين ، يرفعُ سبابته شاتمًا الفراغَ ، مخاطبًا اللاّشيءَ..} ويواصلُ الكاتبُ الوصفَ :{ولمَّا أيقظته الشجونُ ، كانت وجوه الذئاب تصفعُ بالقبح وجه الخليقة ، والبحرُ مقيّد اليدين ، والرّوحُ دونَ عينينِ أو شفتينٍ} ، والكاتب بقصّته القصيرة جدًا صوّر بشاعة المستعمر الصّهيوني :{اجتاح الجنودُ البلدة الواعدة ، وحوّلوا ليلهَا نهارًا ، تلوّن بلون اللّيل ، أخذتهم نشوة القتال انّسلَ من البُستان بعدَ أن تلوّنَ بلونٍ الشجر ،العيونُ والطّلقاتُ ما فتئت تبحثُ عنهُ ، أضاءَ القمرُ سبيلهُ ..بعدَ شهور اصطادتهُ الأفعَى ، فعالج السمّ بترياق الخلود } .

العــجائـبيّ:

أمّا العجائبيّ فهو في السّرد لينعتقَ به القاصّ من ضجر الواقع واضطراباته ويدخلَ جهات ومتون مختلفة ، قد تكون ممنوعة بحكم العادة والعُرف أو القوانين والنّواميس أو مهملة أو مجهولة ، فهو توظيف للخروج بالقارئ من قتامة الواقع الرّديء إلى واقع مغاير ومختلف يمكن أن يكونَ واقعيًا أو خياليًا ، والخياليّ يقترنُ بالعجائبيّ لينتفي الألم ، وتفتحَ كوّة للحلم ، إنّهُ الهروب الفنّي للإبداع ، كقصّة {سندريل} للكاتبة الفلسطينيّة نهيل مهنّا من مجموعة {حياة في متر مربّع} :{جلسَ يطهو الطّعامَ ، يكنسُ الأرضَ ، يشعلُ الحطبَ ، بينمَا ذهبَ الأبُ وابناهُ القبيحانٍ إلى حفل يحظَى بإعجاب الأميرة ، جاءهُ الجنيّ الطّيبّبُ ومعهُ بزّة جديدة }.

والعجائبي ينبني على روابط {الأنَا} و{الهو} ، المسكوتُ عنهُ في علاقة الجنسينٍ ، كقصّة {المشاغب} لأمين دراوشة من المجموعة نفسهَا ، {يدنو الموتُ منّي ، أشعرُ باقترابه ، يُحاولُ أن يسلبني كلّ ما أملكُ ، يبعثُ رجالهُ لتعقّبي ،وإلاّ ما معنَى القلقُ الذي يلاحقني كنفسي ؟ يا عذابَ نفسي اتركني ، أتوسّلُ إليكَ ،ارحلْ عنّي ، يُجيبني صداه في الفضاء : لولايْ لما عرفتَ معنَى السّعادة بعدَ العذاب .. ومن قال إنّ الحياة صراع لا ينتهي ؟ أنا أقول ذلكَ ، فهذه حكمة الخلقَ …}

البعد الفلسفيّ في القصّة القصيرة جدًا :

في هذه القصّة القصيرة جدًا {المشاغب} ـ يتحوّل العجائبيّ إلى فلسفيّ ، فيقــدُّ الإنسانُ {بالعجب/ التّعجّب} سّؤالاً يحققّ به وجودهُ ،أليسَ {أنَا أفكّر أنَا موجود ؟} ، وهنَا يلتحم الفنّي الإبداعيّ بالفلسفيّ ، ونرى القصّة القصيرة جدًا بروعة البناء ، تجوبُ باطن شخوصهَا ، وتجوب الزّمان والمكان بحثًا عن المستجدّ ، هاشة بالكناية باشّة بالاستعارة ، وبنظم السّرد والوصف ، لتتشكّل صورة فلسفيّة للواقع وللأشياء ، يتجاور فيهَا الواقعيّ والحقيقيّ ، والماديّ الصِرف والإنسانيّ الخالد ، بين الماضي والحاضر والمنشود ،فتنفتح القصّة على تأمّل أو حلم وتنتهي بسؤال البدء الدّائم ، فلا تنتهي ، وبذلك يتحوّل الكاتب إلى فيلسوف مثلما يتحوّل الشاعرُ إلى نبيّ مجهول ، وآية فلسفة الكاتب السؤال في مونولوج داخليّ أو خارجيّ تجهر به الذات المتحرّر، ولكن هل تأثرت القصّة القصيرة جدًا بالرّواية الجديدة ؟

نجحت الكتابة التّجريبيّة في الثورة على القوالب الكلاسيكيّة التي حدّت من حرية الكاتب ، وخلخلت البناء السّردي بل وانزاحت عنه ، لخلق بعدًا جماليًا فنّيًا جديدًا ، وكذلك فعلت القصّة القصيرة جدًا متأثرة بالرّواية ، إذ جرّبت تقنيات سردية نجدهَا في الرّواية الجديدة ، التي تعتبرُ السّردَ عملاً منفتحًا على أجناسٍ أدبيّة مختلفة . ولكن هل وظّفت القصّة القصيرة جدًا التّثغيرَ ؟

التـثـغير:

يبرز التّثغيرُ في توظيف الفراغ ، إمّا باستعمال أداة الوصل وعدم ذكر الاسم الموصول {ال…في…} وكذلك في توظيف البياض ، كأن يذكر القاصّ عنوانًا معرفًا ، بدون نصّ قصصي يُثبتُ البناء ، ويبرز في بناء الجمل وترتيبهَا واستعمال البياض الشاسع بينهَا ، ممّا يُشركُ القارئ في تخيّل بعض أحداث القصّة ،والتّواصل المتين مع أحداثهَا وشخوصهَا ، ومساءلة ما سكت عنهُ الكاتبُ ، وهذه تقنية ذكيّة الهدف منهَا ، بناء مسافة تقارب بين القارئ وبين سرعة أحداث النّص ، فيمتدّ عمر القصّة أكثر وتستمرّ ديمومة الخيال والذاكرة ، في ديمومة الزّمن والحياة ، أنشودة للحياة ، ولكن أينَ حظّ الاستعارة ؟

الاستعارة :

تحضر الاستعارة في القصّة القصيرة جدًا باستخدام ألفاظ في غير ما وضعت لهُ ، لعلاقة المشابهة بين المعنَى المنقول عنهُ ، والمعنَى المُستعملٍ فيه ،مع قرينة صارفة عن استعمال المعنَى الأصلي . وبهذا المعنَى توظّف الاستعارة في تعدّد الصّور الإيحائيّة ، بجمالية الوصف والسّرد ، ورقّة التّعابير ، ودلالة المعاني وشعريتهَا ـ تكشفُ مفارقات الحياة وخفاياها ، وتتحدّث عن عالم الإنسان في كلّ محطّات حياته ومواقفه ومشاغله وأحزانه وأحلامه وأفراحه ومآسيه .علاقة الإنسان بنفسه وبالوجود وبالآخرين ، وبذلك فالاستعارة{جنس سريّ مغلق ذو لغة لولبيّة تجعل من {القصة} الأخ الشقيق للشعر}[6] ، ونجد ذلك في قصّة{ الغيث}{لأمين دراوشة من نفس المجموعة }:{يعوي كالذّئب الجريح ، أولاد الوسخة لم يتركوا لنَا سوى اليباب} ، وفي قصّة {المهاجر} :{عجزتُ عن استيعاب سبب فراره من الجنّة إلى الوحل} ، وفي قصّة {الشجرة الموعودة} :{ ملائكة بيض ، حملوني وطاروا بعيدًا ، تخطّينَا الأعراف بسهولة ويُسر ، وحطّينَا على شجرة باسقة…هاجمهَا الشيطان حاول تحطيمهَا تكسيرهَا ، سحقهَا ، قطعَ أصابع قدميهَا دونَ تخدير}. وهنا تكمنُ الحرفيّة السّاحرة التي تجعلُ أدبية النّص القصصي خارجة من المسكوت عنهُ لا ممّا قيل .وبذلك تستند القصّة القصيرة جدًا على الاستعارة لأنّها تلوذ بالشعر في بنيته ،وصوره و أساليبه ، تنشد خلق واقع مفارق ومختلف وجديد .

خاتمة :

الكتابة القصصيّة متجدّدة لأنّها كتابة عن الإنسان وللإنسان ، والكاتب هو البحّار الذي يخوض غمار موج الكتابة كلّ يوم، مثلمَا يخوض غمار الحياة ، والقصّة القصيرة جدًا تنتظر مساهمات النّقاد بقراءاتهم ومقارباتهم ، وخاصّة التّجربة الفلسطينيّة الثريّة ، وقراءة نقدية كهذه ليست إلاّ تحيّة تقدير للكتّاب والكاتبات في فلسطين ، جزاء صبرهم وصمودهم ، وسعيهم إلى التّجديد في تجاربهم الإبداعية الأدبيّة .

لا تعليقات

اترك رد