الإنترنت يساهم بترويج الأدب المبتذل


 

صفحات الإنترنت الافتراضية قادرة على استيعاب كميات ضخمة من النصوص الكتابية، دون خضوعها لأيّة معالجة مهنية أو تنقيح وآخر ما يمكن التفكير به هو بذل الجهود لتقديم دراسات نقدية متخصّصة لمعظم هذه النصوص العابرة.

من الملاحظ كذلك كثرة استخدام الكثير من العبارات الجاهزة دون الإفادة بأيّ جديد، والكتابة من أجل الكتابة فقط وإثبات الحضور الدوري. الأمر الذي نجده في المقاطع الروائية والقصائد المنتشرة في شبكة التواصل الفيسبوك.

أحد الكتاب أخبرني بأنّه قد أعدّ وسطر روايته خلال ستة أشهر، وهي بالمناسبة تناهز الأربعمئة صفحة. ليس من حقّي الحكم على الرواية بالطبع قبل قراءتها، لكن ومن خلال تصفّحها قرأت الكثير من العبارات المنمّقة الجاهزة للصق: “عميق كالبحر، شجاع كالأسد، غائب في دفتر الحضور” وغيرها من العبارات التي “أكل عليها الزمن وشرب – عبارة مستهلكة”، وبدت غير مقنعة للقارئ والراغب بالوقوف على عناوين مبدعة جديدة.

من جهة أخرى يبدو سرد الوقائع غير منطقيّ أحيانًا. أقرأ في إحدى القصص، “نسيت السيدة دفتر مذكّراتها الذي تودعه يوميًا مكنون روحها ووجدانها في غرفة الفندق” لو كانت قد نسيت إسوارة من الذهب الخالص لاقتنعت بذلك، لكن أن تنسى ذاكرتها الوجدانية فهذا أمرٌ غير منطقيّ، عدا عن إمكانية استرداده فلا توجد حاجة لأحد للاستيلاء على دفتر مذكّرات، كما ورد في القصّة ظهور البحر عبر النافذة المطلّة على البحر! دون أن يكون للبحر المائج هذا علاقة لاحقة بمضمون القصّة، وهنا لي أن أتساءل” ماذا يمكن أن يظهر من نافذة مطلّة على البحر سوى حوض الماء الكبير؟ هذه بديهيات قاتلة، “لا تسمن ولا تغني من جوع – عبارة مستهلكة أخرى”، وكان عليّ استخدام غيرها، لكنّي تعمّدت ذلك لعلمي بأنّ القارئ سيمرّ بسرعة لحظية في متنها كالمنوّم دون أن يخطر بباله بأنّه قد وقع هو أيضًا فريسة للعبارات الممجوجة، كما هو الحال خلال متابعاتنا لقنوات التلفزة المختلفة. يبدأ مسلسل الدعايات القصير، وننتبه بأنّنا قد وقعنا ضحية للمغناطيس التجاري وقوّة تأثير الدعاية التي تستمرّ لفترة زمنية قصيرة فقط، وحين تحاول تغيير محطّة التلفزة لأخرى، تفاجأ بأنّ الكمّ الأكبر من قنوات التلفزة قد بدأ ببثّ دعاياته في وقتٍ موحّد، كأنّ هناك اتفاق ضمني غير معلن بينها لإرغام المشاهد على متابعة الدعايات وبالتالي تحقيق الربح المادّي المطلوب.

كيف يمكن التعامل مع مثل هذه النصوص؟

لا توجد حلول ناجعة وعاجلة للتعامل معها، ما دام الإنترنت مفتوحًا، والجمهور يواصل الإعجاب بصورة رتيبة آلية دون القراءة في العمق، وتنقلب الصفحات “الواحدة تلو الأخرى – عبارة مستهلكة”. أمّا الأدب الجادّ فهو بلا شكّ سيثبت حضوره وسخلد، والأمثلة على ذلك “لا تعدّ ولا تحصى” – عبارة مستهلكة جديدة. ولنا في رباعيات الخيّام مثالا، فقد بقيت طيّ النسيان لمئات السنين، لتظهر بعد ذلك “كطائر الفينيق – عبارة مستهلكة” يبعث حيًا من بين النيران واللهب.

لا تعليقات

اترك رد