صالح القره غولي مسيرة مبدعة ورحيل خالد

 

الاختيار والتفرد

حينما تطفوا قوانين الحياة عبر مخاض محتدم ناجم عن صراع المتضادات التي تفضي بدورها إلى خلاصة رؤية يلتقطها ويتوصل أليها مبدع ما، فان تلك القوانين تصبح بدورها المحرك والملهم لرؤية الفنان الذاتية المنعكسة من شروط القوانين المحركة لذلك الواقع الموضوعي ويبقى شكل هذا الانعكاس للواقع تبعاً للمقدرات الذا تية والفهم والرؤية الفلسفية من شخص لآخر للتعبير عنها رغم وحدة الواقع الموضوعي ، وصالح القره غولي هو واحد من جيل الستينات انفرد عن أقرانه من النحاتين من جيله كإسماعيل الترك ومحمد غني وغيرهم بصيغ التعبير كالخامات مثلا والتعبير الرمزي من الناحية الأخرى رغم انه التزم في منهج ( جواد سليم ) في موضوع استلهام التراث في السياق العام للعمل الفني كما انه بقي مرتبط بالعناصر الأساسية للواقع ومفرداته ( كالإنسان ) والمفردات ( الفلكلورية ) والشعبية الأخرى المكملة للعنصر الأساسي وهو الإنسان لذلك ( فالإنسان ) عند صالح القره غولي هو المحور الأساسي لأطروحاته على صعيد الشكل والمضمون لقد جسد الفنان في تجربته الفنية عمق الأبعاد الإنسانية ومحتواه الداخلي عبر أشكاله الشاخصة الكبيرة الحجم ،

ان استخدام الفنان لتلك المواد التي انفرد بها من ( شعر الماعز ، والحديد ، والصدف ، ومواد أخرى ) هي مواد من البيئة الصحراوية فهي تأكيد على صلة الفنان بالمناخ الصحراوي والبدوي من ناحية ، والتركيز على أفضل السبل والطرق التي تساعده على إيصال إنسانية النسق التعبيري الذي يهدف له الفنان من ناحية أخرى، لذلك فأن الهدف المهم لدى الفنان هو تجسيد الفكرة بأفضل وسائل التعبير دون الاهتمام بتحقيق الجانب التزييني و أعدادها لغرض أعمال الصالونات ، ان الدوافع المحركة للفنان هي ليست محض دوافع تقليدية تبغي ولادة اثر في حدود توفر شروط العمل الخلاق ..،

بل ان الدافعية لدى الفنان تنبع من أعماق تكاد تكون مليئة بشحنه القسوة والمعانات والمحنه الإنسانية للفرد والمرتبط كما ذكرت انفاً بعوالق الواقع الموضوعي كالغربة والعزلة والمناخ الحاد وقسوته ، ان الشخوص الإنسانية التي تتمثل عند صالح القره غولي صحيح أنها مستمدة من مناخ صحراوي حاد في كل شيء إلا أن الفنان يريد ان يقول : ان تلك المحنه الإنسانية ، هي، في المدينة أو القرية أو الصحراء تشترك فيها الهموم البشرية من البشر ذاتهم قبل الطبيعة . لذلك نجد ان ملامح التعبير فيها تجمع بين أمرين : هما الغربة /الحزن/ الخوف من المجهول من جهة ، والتحدي والقسوة التي تظهر في ملامح الوجوه الآلية والقامات الممشوقة من جهة أخرى (رغم اكتسابها ملامح الفطرية البدائية الساذجة ) أذن فوظيفة العمل ومغزاه يرتبط بالجوانب النفسية قبل الجمالية ولكن بمنطق معاصر وان المرجعيات التي استند أليها من واقع التراث والمحيط والمفردات الإنسانية تتحكم فيها السمات العقلية والمعرفية عبر آلية التنفيذ ، لذلك فان وظيفة العمل وخطابه كان يمثل هموم جماعي تشترك فيها المشاعر الإنسانية وتتمثل فيها المشكلة ،

فهي ليست محض تعبير ذاتي ينحصر في حدود البعد الجمالي والشكلي ، ونجد أيضاً من ناحية التقنية ان اختيار الفنان لهذا النوع من الخامات كان في خدمة الأفكار وليس العكس، أي لم تكن تلك المواد التي انفرد بها ثقلاً يعيق المستوى التقني في التنفيذ على الأثر الفني بما فيها الأبعاد الفكرية للعمل ، ومن الملاحظ ان ( القره غولي ) كان يشذب العمل بطريقة الاختزال دون الإخلال بناحية القيم الشكلية والجوهرية للعمل ، وقد تكون طبيعة المواد التي استخدمها الفنان من شعر الماعز ، الحديد ، الصدف ، لا تسمح باستخدام الزوائد والتقنيات التي تتميز بها المواد الأخرى فهي ذات خاصية مسطحة وخشنه الملمس لكنها تخدم البعد التعبيري للهدف . فالفنان لا يكترث بالإلزام القسري في تحقيق شروط مواصفات العمل الترفي ( كأعمال صغيرة توضع في زوايا الحجرات المكتبية او غرف النوم ) انه بقي مخلصاً الى تأدية النتائج النابعة من ابتداءاً من الطفولة ومروراً بمكتسبات المحيط / الشرقي/ البدوي / القروي / المدينة وما يدركه من حواسه الخاصة ، ان رؤية القره غولي لعالمه المحيط تتحقق بصياغة تلك الخامات وموازنة نتائجها الغائية لتلك الروافد المتشعبة .

المادة / الرمز/ والموضوع

في اختيار الفنان لهذه المواد التي انفرد بها عن أقرانه وخاصة من جيله ( في مرحلة الستينات ) في النحت العراقي لابد من مواجهة معادلة تتطلب القدرة على تركيب موازنة متكاملة في تحقيق أبعادها الثلاث (المادة / الرمز / الموضوع) إذ أن الخوض في غمار تجربه تطويع مواد لا أقول جديدة او غريبة في الاستعمال بل مبتكرة في استعمال أسلوبية الإخراج لتلك المادة والتي تتطلب الإظهار بمظهر المباشرة الرمزية للعمل وبموادها الخام ( البكر ) كشعر الماعز مثلاً … والتي يبدو أنها ارتكزت على دافعية الالتزام بالهدف الموضوعي للواقع البيئي الذي تناوله الفنان . لذلك فان محاور الاتجاه لدى الفنان تمسكت بالأفكار المرتبطة بالهدف ذاته والتي تتطلب في الوقت ذاته مواد صلبة حادة الملامح والملمس تحقق مضمون الهدف .. ان هذا الأمر لم يكن من ناحية التنفيذية هو ربط توليفي بين المادة ( الخام ) وبين المضمون دون عناء بل ان الأمر تطلب بذل جهد مغامر في صياغة الإحالة الى فعل موازي لطبيعة متطلبات التحوير لهذه المواد في بعض أجزائه لدرجة الاختزال الذي لا يخل بمستلزمات الهدف الموضوع ،

ان أركان المرجعيات البيئية والتراثية التي أقام عليها الفنان صروح مواده الغريبة هي انبثاق من رحم مناخها الذاتي أي ولادة من داخل مناخ ولادة الفكرة والمادة على حد سواء وقد بقي الحفاظ على قدرة الإمساك بزمام الموازنة من جراء هذا _ المعادل _ رغم رمزيته المباشرة حسبما تفرضه طبيعة الخام ( الذي يتطلب الحفاظ على صفاته المادية ) وصعوبة التحوير أقول رغم عرضه المباشرة ورمزيته ألا انه بقي في إطار وحدود الاختزال المشذب للزوائد التفصيلية .. ان المحاور الرئيسية التي خطها الفنان في نقل البيئة التي تتطلب مشاهد تكسوها القسوة والصلابة والتحدي والأصالة حددت مسار الفنان أسلوبية عمله في اختيار الخامات و أدائه التقني لها لذلك فان امتلاك الفنان لوعي مسبق في مدركاته الفنية في التخطيط جنبه في إشكالية الإقحام القسري في عملية التنفيذ كما يحصل لكثير من الفنانين ولذلك فالمشكلة في الفن هي ليست اختيار المفاجاءات والغرابة في المواد والتنفيذ والأفكار فحسب بل هي الطبيعة الديناميكية المتحركة بسياق يتجاوز منطق ستاتيكي ممل من جهة أو إقحام تعبوي ترفضه مسوغات شروط التقبل البصري سواء في تباين المواد ذاتها أو المواد مع الغايات من جهة أخرى ,

لذلك فان الخوض في مثل هذه المغامرة تتطلب من الفنان جرأة كبيرة مستنده إلى وعي وخبرة في نتائج العمل مبنية على أسس مدعمه من الممارسة والاطلاع على التجارب الحديثة في التقنيات والمواد .. وفي هذا السياق أرى أن ( القره غولي ) قد وضع أمام نصب عينيه هذا الإخلاص إلى الصدق دون الإبقاء على مسالك الطرق المألوفة والسهلة. والتي تشبع بالجمال الشكلي _ تسوقه ذائقية طبقة جمهور بعينه – في هذا الاتجاه انسجم ( القره غولي ) مع تداعيات مبدئية عنيدة تتحدى التقديرات الذوقية السائدة.

لا تعليقات

اترك رد